مَن المجهولون الذين قطعوا 25 شجرة زيتون عتيقة مِن كَرْم عبد الحيّ نعسان؟


 منذ شهرين وسكان قرية ألْمُغير يتظاهرون احتجاجا على تعدّيات مستوطني البؤر الاستيطانيّة في مرج شيلو وخاصة مستوطنة مبو شيلو القريبة. وعلى ما يبدو هؤلاء أيضا مسؤلون عن الاعتداءات الأخيرة في الأسبوع الماضي، عندما قطع مجهولون صفّا من أشجار الزيتون العتيقة، وقد تستغرق عمليّة إعادتها إلى ما كانت عليه 30 سنة

بقلم : جدعون ليفي و أليكس ليبك | هآرتس، 25.1.2019 ترجمة: أمين خيرالدين 

أشجار الزيتون المقطوعة في كَرْم نعسان هذا الأسبوع، قد يستغرق إعادتها إلى 35 سنة، تصوير: أليكس ليبك


 مّن هم الحُثالات البشريّة الذين قاموا يوم الجمعة الماضي بركوب "تراكتورونيم" ونزلوا إلى كَرْم الزيتون التابع للمزارع عبد الحيّ نعسان من قرية المغير شمال رام الله، اختاروا صفّ الزيتون الأعتق والأكبر، وبدأوا بنشره بمناشير كهربائيّة، 25 شجرة. من هم الحثالات البشريّة الذين يمكنهم أن يأذوا الحقل، والأرض، والشجر، والمزارع الذي يتعب على أرضه منذ عشرات السنين. مَن هم الحثالات البشريّة الذين هربوا، عديمي الرحمة، يعرفون أن لا أحد سيحاكمهم على أعمالهم الحقيرة هذه؟ على ما يبدو لن نحصل على الجواب أبدا: الشرطة تُحقّق، لكن في البؤر المتوحِّشة في مرج شيلو، وخاصة في مبو شيلو مّحّوْا آثار الجريمة، يمكنهم الاستمرار بالنوم بهدوء: لن يُعْتَقَل أحد، ولن يُحقّق مع أحد ولن يُعاقب أحد. هكذا تعلّمنا من تجارب الماضي في هذه المنطقة، العنيفة والمُنْفَلتَة حيث المستوطنين.

     
الحكاية "تفوّر الدم"، فقط منظر الكرم المقطوع يمكنه أن يبيّن هوْل المصيبة، والسادية المَرَضِيّة لدي مَن قام بذلك، ويبين شِدة ألَمِ ذلك الفلاّح نعسان الذي اقتحم قسيمته الإلهيّة المُدمّرُ اليهوديُ، الإسرائيليُ، المستوطِنُ، المتدينُ، قبل يوم غرس الأشجار بثلاثة أيام، عيد الأشجار لدى اليهود الذين أجتثّوا شجراته. هذا هو حُبّ البلاد لديهم، هذا هو حُبّ الأرض وحُبّ الطبيعة لدى الغازي. تركوا توقيعهم على الصخرة عند طرف الكرم: نجمة داود يالدهان الأحمر، شيء مُخْجِل، مُخْزٍ، وصمة عار على جبين كل ما يُرْمَز له وبجانبه كلمة "انتقام". انتقام على ماذا؟

     
الفروع المقطوعة مُلْقاة على الأرض كجُثث بعد مجزرة ضد الأرض الخصبة، الحمراء، النظيفة من الحجارة والمحروثة. 25 جِذْعا ثخينة ومتشابكة مقطوعة وعارية، جذورها غائرة في الأرض وفروعها العالية مقطوعة، بعد أن اغْتيلَت بأيدٍ لئيمة. هي الآن فقط حَطَب ميّت، بعد سنين عديدة من الزرع والعناية والريّ وتعزيل الأرض والحرْث. كان صفّ الأشجار هذا ألأفضل في الكرم، تنقّل المجرمون بينها بأسلوب جهنّمي ونشروها. عندما قال بغضب صاحب الكرْم نعسان، وهو بين الأشجار المقطوعة، هذا العمل بالنسبة له مثل القَتْل، يمكن تفهّم غضبه. اتصلت زوجته وتوسّلت بأن لا يخرج زوجها إلى الكرْم، لأنه قد لا يصمد أمام هذا المنظر، لأنه مريض بالسرطان.
   
توجد في محفظة الوثائق التي يحملها معه إلى أي مكان يذهب إليه الشكوى التي قدّمها لشرطة إسرائيل، في محطة بنيامين، وهو أيضا يعرف أنها لن تثمر بشيء وأنها ستُدْفَن كمثيلاتها. كان بإمكان مَن يريد ضبط المجرمين أن يفعل ذلك في نفس اليوم: مبو شيلو، أثار عجلات "التركتورونيم" تصل إليها، وهي بؤرة استيطانيّة صغيرة، عنيفة ووقحة.


عبد الحي نعسان في الكرْم، هذا الأسبوع تصوير: اليكس ليبك

روتين الاحتجاج

        
 تمر الطريق إلى المغير عبر بلدة ترمسعيا، قسم كبير من سكانها يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية، يتركون بيوتهم الصيفيّة الفاخرة مُقْفَلة في الشتاء، تفصل بين البلدة الغنيّة والقرية الصغيرة، 3500 مواطن، مراعٍ ترعى بها الأغنام. اليوم كلّ شيء مخضرّ. تقف مجموعة من الشباب في مركز المغير حول سيارة تندر تابعة للسلطة متروكة: جاء موظفو وزارة الزراعة الفلسطينية لتقدير الأضرار الحاصلة للفلاحين، في نظرة موهمةٍ للسلطة التي تحاول حماية الفلاحين الذين لا حول لهم. كلهم يعرفون أن أيدي السلطة عاجزة لا تستطيع تقديم المساعدة، لذلك انتظموا قبل حوالي شهرَيْن وبدأوا بالاحتجاجات الشعبيّة، كما في القرى المحتجة التي سبقتهم، كيدوم، النبي صالح، بلعين، نعالين وغيرها. يخرج المواطنون كل يوم جمعة بمسيرة باتجاه أراضيهم الواقعة شرقي شارع ألون، حيث تنتظرهم قوّات كبيرة من الجيش ومن حرس الحدود، تفرقهم بواسطة كميات كثيرة من الغازات المسيّلة للدموع، الغازات التي تغطي كلّ القرية، وكُرَيات المطاط والتوتو والاعتقالات الليليّة التالية ليوم المسيرة. في الليلة بين يوم الأحد ويوم الإثنين من هذا الأسبوع أعتقل الجنود سبعة من أبناء القرية ممَن اشتركوا بمسيرة الاحتجاج. يقبع الآن في الاعتقال 35 شخصا من أبناء القرية. هذه هي طريقة إسرائيل لقمع الاحتجاجات الشعبيّة في الأراضي المحتلّة.
   
 حسب أقوال السكان، طلبُهم الوحيد ان هو إبعاد البؤرة الاستيطانيّة مبو شيلو، البؤرة التي أقيمت بدون ترخيص في مُعسْكر شبه خالٍ يسيطر على حقولهم. سكان البؤرة الاستيطانيّة يحرقون لهم حقولهم، ويرعون بأغنامهم فيها بدون تصريح، يطردون أغنامهم من حقولهم ويقومون بعمليات "تاج محير" في القرية. في آخر اعتداء جرى في ال 25 من نوفمبر/تشرين الثاني، تضررت ثماني سيّارات. الكتابات التي وثّقها محقق منظمة بتسيلم، إياد حدّاد، لا تترك مجالا للشك: "الموت للعرب"، "كفي للأوامر الإدارية"، "الانتقام"، "تاج محير" وأيضا سلام إلى نحمان رودان" المُبْهمة. يقولون في المغير إنه لم تكن بينهم وبين الجيش ايّة مشاكل أبدا، مشاكلهم فقط مع المستوطنين. المعركة هنا على الأرض وعلى السيطرة عليها، معركة قديمة ولا رجاء منها، القانون فيها، حقّ الملكية وملكيّة الأرض لا تلعب دورا – العنف بمساندة سلطات الاحتلال هو الذي يقرر. ربّما سيضطر أهالي المُغير يوما ما إلى التنازل عن أراضيهم بسبب اعتداءات المستوطنين، وسيُسجِّل المستوطنون لأنفسهم إنجازا آخر في بتر الضفة الغربيّة إلى أجزاء من الأرض مفصولة ومنفردة. هذا الأسبوع، عندما سافرنا بأراضيهم ونحن في طريقنا إلى مبو شيلو توسّل لنا سكان القرية الذين كانوا معنا أن نسرع بالعودة أدراجنا: إلى هذا الحدّ وصل خوفهم من المستوطنين، حتى وهم يستقلون سيّارة إسرائيليّة وفي أراضيهم، وبرفقة إسرائيليين، إنهم يعيشون في حالة رُعْبٍ.

قرية المعير، هذا الأسبوع تصوير: أليكس ليبك

جذوع مُضَمَّدة

  
 أمين أبو عاليه رئيس مجلس القرية بيته في أعلى التلّة، يطلّ على جميع بيوت قريته وعلى السهل الخصب حيث أراضيه. في اليوم الشتوي المُشْمس يوم غرس الأشجار هذا الأسبوع قدّم لنا خبزا مملوءا بأوراق زعتر خضراء، من عمل زوجته. "قلْ لها كان هذا ممتازا" أجاب ب"ينبغي ألاّ ترفع رأسها كثيرا". المنظر من على سطح بيته رهيب. موسيقى مبحوحة تنطلق من سيارة برلينغو قديمة في أسفل القرية تبشّر بقدوم بائع قُطْن حلوٍ مُتجوّل، يسمونه هنا شعر البنات. في وسط القرية يعمل الشباب على تزيين أحد البيوت بأعلام فتح وأعلام فلسطين: من المفروض أن يُطْلَق اليوم سراح أحد أبناء القرية من السجن الإسرائيلي بعد حبس سنتَيْن وهم يحضّرون لاستقباله بحفاوة.
  
 شارع ألون الذي شُقّ في السبعينيّات والهدف منه فصل الضفة الغربيّة عن مملكة الأردن، فصل هذا الشارع بين القرية ومُعْظَم أراضيها، حوالي 30 ألف دونم، الواقعة شرقي هذا الشارع، ولكن السكان تكيّفوا للوضع خلال السنين. وأيضا غفروا مصادرة اراضٍ من اجل شقّ الشارع ومن أجل توسيعه. لا يوجد للسكان معبر آمن يعبرون به وهم في طريقهم لأراضيهم – لأن الأمر يتعلّق بحياة وبراحة فلاّحين فلسطينيين -- ولهذا تكيّفوا أيضا. وأحيانا يغلق الجيش الطريق الترابي الموصل من القرية إلى أراضيهم وعندئذ يكونون معزولين عنها، حتى صار الأمر روتينيّا.
    
وتعوّدوا أيضا الحياة مع القاعدة العسكريّة، ومع مبو شيلو، المسيطرة على أراضيهم. وحتى مع البؤرة الاستيطانيّة عدي رغم أن سكان هذه البؤرة قد اعتدَوْا عليهم، تعوّدوا الحياة. حتّى بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي بإخلاء القاعدة العسكريّة، عندئذ زحف المستوطنون عليها. يُظْهِر التصفّحٌ بالإنترنيت أن هذه البؤرة قد أُخْليَت من سكانها قبل عدّة سنوات. ولكن على هذه التلّة العالية المُشْرِفة على الحقول تنبت الكرفانات وبجانبها مبانٍ زراعيّة كبيرة وواسعة. وأنّ مبو شيلا لا تزال حيّة وترفس.
   
 يقول السكان إنّ الإدارة المدنيّة قد أكّدت لهم أن هذه البؤرة الاستيطانيّة ستُزال، مع أن هذا لم يحدث. لا يملكون النقود للذهاب إلى المحاكم مع أنهم لا يؤمنون بنتائج الذهاب إلى المحاكم، لذلك بدأوا بمظاهراتهم يوم الجمعة. هل استشرتم مَن سبقكم من سكان قرى النضال القدماء؟ "لا حاجة لذلك"، يقول رئيس المجلس، عندما تكونَ على حقٍّ لا تحتاج لأيّ استشارات. لا نشعر بالأمان على أراضينا. كيف ندافع عن أنفسنا وعن أراضينا؟ هذا رد فعل تلقائيّ: إمّا أن نتجه إلى العنف، أو إلى الاحتجاجات الشعبيّة. ونحن اخترنا الاحتجاجات الشعبيّة".
    
 الطريق الترابي المتجه شرقا من القرية نحوَ شارع ألون يدلّ على ما يجري هنا في الشهور الأخيرة: تتدلّى على الأسلاك الكهربائيّة أكياس الغاز المستعملة التي أُلْقيَت على المتظاهرين، الطريق مليئة ببقايا العجلات المحروقة وبحواجز حجريّة. في المظاهرة التي جرت يوم الجمعة قبل أسبوعَيْن جُرح حوالي – 30 شخصا من الرصاص المطاطي. الجنود يصوِّرون المتظاهرين ويقتحمون القرية في الليل لاعتقالهم، كما يجري في قرى الكفاح الأخرى. في الأشهر الأخيرة اعْتُقِل حوالي 100 شخص. يقول رئيس المجلس إنه وقت المظاهرة تتغطى القرية كلّها بالغازات وتصل الغازات إلى بيته في أعلى التلّة. أحيانا يشترك المستوطنون مع قوّات الأمن في تفريق المظاهرات ويرمون سكانَ القرية بالحجارة.
    
 وصل المُزارع نعسان إلى بيت الرئيس وعَرَض الشكوى التي قدّمها في محطة شرطة بنيامين: " تصديق على تقديم شكوى". لم يُذْكر شيء في بند بيانات الحادث. كُتِب في بند مكان الحادث، حرفيّا: "مُغير العليا، في الحرش، مَشْتَلَة، كَرْم، حقل". التهمة: " ضرر مقصود". وطبعا كل هذا بالعبريّة فقط. رقم "ملف عجيب": 31237 . وصل رجال الشرطة إلى الكَرْم يوم الجمعة الماضي، بعد معرفة نعسان لما حدث وإخباره لمديرية التنسيق والارتباط الفلسطينيّة بساعتين، قالوا له إنه توجد آثار عجلات تراكتورونيم، تصل إلى مبو شيلو. وحسب أقوال نعسان، عندما وصل رجال الشرطة إلى كرمه وقفت على التلّة المقابلة مجموعة من المستوطنين وراقبوا ما يحدث، الشرطة تحقّق.
   
يعيش من هذا الكرم الذي يحوي حوالي 80 شجرة متفاوتة الأعمار حوالي 20 من أبناء عائلته الكبيرة، جميعها معْتَنى بها جدا. نسافر إلى الكرم، اللافتة تشير إلى عين رشاش ولخربة غبعيت. يقول نعسان عليه الآن أن يخلي الفروع المقطوعة وأن يضمّد الجذوع المقطوعة ليحميها من البرد. فقط بهذه الطريقة يمكن لها أن تُنْبِت أغصانا جديدة تحتاج إلى تركيب. مما يحتاج إلى 35 سنة حتى يعود الكرم كما كان. عُمْرُ نعسان اليوم 62 سنة. يقول إن هذا الكرم كبر مع أبنائه. وإنه لا يأمل أن يعيش ليرى الكرم منتعشا كما كان.