دائما في أنصاف الليالي، ودائما بالقوّة: 

اعتقالات جيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربيّة هي علامة بارزة لروتين الاحتلال


 في حلحول قيّد الجنود أبناء العائلة ثمّ أطلقوا النار على ربّ العائلة فأصابوه برجله، وفي بيت أُمّر ضربوا أبناء العائلة التي قُتِل ربّها في اقتحام سابق. نفّذ جيش الدفاع الإسرائيلي 2700 اعتقال خلال السنة الأخيرة، وهكذا

بقلم : جدعون ليفي و أليكس ليبك | هآرتس، 7.12.2018 ترجمة: أمين خيرالدين   

   
تنفّذ الاعتقالات كلّ ليلة ، بسبب وبلا سبب. ودائما بوحشيّة: سطو عنيف على البيت، تستيقظ النساء والأطفال بركلة أمام عشرات الجنود واحيانا أمام الكلاب ايضا، حين يقتحمون البيت. تخيلوا المشهد: أن تستيقظوا أمام عشرات الجنود المسلحين والمقنّعين وهم في غرفة نومكم أو في غرفة أولادكم، يصوّبون البنادق عليكم أو على أولادكم المرعوبين. 

ربّما يكون منفذّو الاعتقالات من جيش الدفاع الإسرائيلي هم العلامة الواضحة لروتين الاحتلال، في حالات الاضطرابات وفي الحالات الهادئة. في كل أنحاء الضفّة الغربيّة، بما في ذلك منطقة A الخاضعة للسلطة الفلسطينيّة، في كل ساعة من ساعات الليل – ودائما في الليل.
      
أكثر من مرّة استعملوا العنف، يقيّدون أبناء العائلة ويضربونهم. وأحيانا يستعملون الرصاص الحيّ. وبعد ذلك يأخذون أحد أبناء ألعائلة المُعْتَقَل، بدون تبرير، وغالبا بدون أمر اعتقال، وبدون أمر من المحكمة، وأحيانا بدون ملابس. وتمر أيّام حتى يتضح مكان وجوده، وما هي حالته وبماذا يُتّهم. وأحيانا يُطْلَق سراحه بعد أيام، وبلا أي تفسير أيضا، وأحيانا يمْثل للمحاكمة وعندئذ تتضح التهم ضدّه، بعضها صحيح والبعض الآخر إمّا أنه واهٍ أو سياسي، كما هو مُتّبع في المحاكم العسكريّة. وأحيانا ينصرف الجنود كما جاؤوا دون أن يعتقلوا أحدا، وكأنهم سطّوْا فقط ليزرعوا الرعب أو ليتدربوا. وأحيانا يغلطون بالعنوان. لا توجد عائلة فلسطينيّة لا تعرف ذلك. الإسرائيليون لا يخْطَفون هكذا من بيوتهم.

محمد دووادي وابنه ناصر في بيتهم في حلحول تصوير: أليكس ليبك

 المقصود الاختطافات – كلمة التوقيف أصبحت ممجوجة لكثرة استعمالها. مع فروق كبيرة عمّا في الأنظمة الدكتاتوريّة، هنا المخطوفون لا يضيعون ويمكن لعائلاتهم أن تعرف مكان اعتقالهم بعد يوم أو يومين. ومع مرور الوقت يتمكّنون من رؤيتهم في المحاكم. عاجزين، وقد تعوّد الفلسطينيون على ها الوضع، لكن الأجيال القادمة من الأبناء سيحملون الإحساس بالخوف وبالصدمات من هذه الليالي المرْعِبَة. جيش الدفاع الإسرائيلي لا يعطي معلومات عن مدى هذه الظاهرة، لكن الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي يعلن يوميا عن الغنائم. اعتُقِل في السنة الأخيرة 2700 شخص من مناطق الضفة الغربية. أمّا استدعاء الشخص للتحقيق بدون اختطافه من سرير نومه وبدون استعمال العنف. لم يخطر على بال أحد،
     
زرنا هذا الأسبوع بيتَيْن من البيوت التي اقتحمها جيش الدفاع الإسرائيلي مؤخرا، برفقة محقق منظمة بتسيلم موسى أبو هشهش. بيت عائلة دواودي من حلحول وبيت أبو ماريّا من بيت أُمّر لقد استقبلونا برحابة صدر. وسألونا في البيتَيْن لماذا يعاملهم الجنود بهذا الشكل.
   
 قبل شهر في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، استيقظ أبناء عائلة دواودي على صوت اقتحام لبيتهم المبني على رابية في الجهة الغربية من حلحول. كانت الساعة بعد الرابعة بقليل قبل الفجر، أغلبية أبناء العائلة كانوا نياما. عدا محمود وأحمد الذين كانوا يلعبون لُعْبَة باجي، لعبة الحرب التي يلعبها الفلسطينيون في الحاسوب. سُلِّطت أضواء الكشّافات الضوئيّة على البيت في الوقت الذي كسر الجنود باب المدخل الرئيسي بواسط توسيع عارضة الباب العليا. أحاط بالبيت حوالي 30 جنديّا، واقتحم إلى الداخل حوالي اثنا عشر جنديّا، جميعهم مقنّعين بأقنعة سوداء.
    
 في البداية اقتحموا الطابق الأرضي من البيت، حيث كان ينام فيه محمد ابن أل-27 سنة، وزوجته منال وابنهم الرضيع نصر، ابن السنتين. قيّدوا محمد وسألوه عن أخيه مُهند. قال لهم، إنه يسكن في الطابق الثاني، مع والديه وباقي الأخوات والأخوة العُزب. استقبلهم في الطابق الثاني ربّ العائلة، خالد، ابن أل-52 سنة، وهو الذي فتح لهم الباب كي لا يكسروه، وزوجته نويفه، 50 سنة، إندفع الجنود إلى الداخل دون أن يتفوّهوا بكلمة. يقول محمد، ابن ال-25 سنة، استعمل الجنودُ العنف فور دخولهم، قيّدوا أبناء العائلة بقيود من البلاستيك وضربوهم. دفعوا بالأمّ وابنتها كينده، ابنة ال- 14 سنة، إلى المطبخ، ورموا الوالد على اريكة في الصالون، وأدخلوا الأخوة إلى إحدى غرف البيت، كان معهم صورة لمهند فسألوا عنه. يقول محمد ابن ال 25 سنة، بلغة عبرية صحيحة: عمل ثماني سنوات في إسرائيل، منها سنة واحدة بتصريح.

     
 أخذوا مُهند لإحدى الغرف ويقول محمود إنه سمع الجنود يضربونه هناك. قيّدوه وطلبوا أن يأخذوه معهم. كان مُهنّد بملابسه الداخليّة فقط وقالت الأم للجنود إنّها لن تفتح باب المَدْخل الذي أقفلته، حتّى يُسْمَحَ لها بإلباسه. طلب محمود أن يتكلّم مع الضابط. نَهَرَه الجنود: "أنتم مُخرِّبون ولا أحد يقبل الحديث معكم".
    
يسأل الآن: "ماذا تعني، مافيا"؟. أخيرا استطاعت الأم أن تضع ثوبا ومِعْطفا على رأس مُهنّد، وسمح له الجنود بأن يلبس بنطلونا وينتعل حذاءا، وبعد ذلك نزلوا على الدرج وخرجوا إلى الشارع البارد. ماذا حدث هناك ليس واضحا، لكن فجأة سمع محمود أحد الجنود يقول: "أعْطِه رصاصةً"، ورأى أباه يسقط بالقرب من مَدْخل البيت. لم يسمع صوت الطلقة الناريّة، على ما يبدو أنهم استعملوا كاتم الصوت. أطلق جندي النار على خالد قريبا من الرُكْبَة، ولحسن الحظ لم يصب صابونة الركبة، فقط أصاب العضلة. نُقِل إلى مستشفى عاليه في الخليل وعاد إلى البيت بعد ثلاثة أيّام. عندما كنّا هذا الأسبوع في بيته، كان الأب في المحكمة في عوفر، حضر مُحاكمة مُهنّد، الموجود منذ اعتقاله في السجن بتهمة رشق الحجارة والزجاجات الحارقة.

كرم محروق في حلحول، أيّار من هذه السنة تصوير: أليكس ليبك
   
"زوجتي توقظني وتقول إنها تسمع ضجّة، يقتحم الجنود داخل البيت ويصوّبون بنادقهم نحْوَنا ونحو ابننا الصغير". هذا ما يقوله محمود، ابنه الطفل الصغير يجلس في حضنه. بدأ الطفل نصر بالبكاء فصرخ عليه الجندي كي يسْكُت كيف يمكنه أن يصرخ على طفل عمره سنتان؟" منذ تلك الليلة، يقول محمود، إن ابنه يستيقظ في الليل ويصرخ: "يهود، يهود"
     
مَلْحَمَة في البلدة المجاورة بيت أُمّر. حيدر أبو ماريا يربي دجاجا في ساحة بيته. قبل ثلاث سنوات فقد حيدر أباه، مُزارع عمره 52 سنة، حين كان يقف على شرْفَة بيته في الوقت الذي كان الجنود يقتحمون بيته. نحن نسافر من المَلْحمَة إلى بيت عائلة أبو ماريا، ترافقنا رائحة القُنّ ورائحة الدجاج الميّت. يقولون في البيت إن الجنود قتلوا الأب بعد أن أطلقوا النار على ابننا، محمد، حاول الأب الاستغاثة من على شرفة البيت. لم يعتقل الجنود في حينه أحدا. في 6 نوفمبر/تشرين الثاني عاد الجنود ثانية إلى بيت أبو ماريا. كانت الساعة الثالثة صباحا. بحثوا عن أحد الأخْوَة، محيي، ابن ال- 21 سنة. اقتحموا البيت بالقوّة. حسب أقوال حيدر إنهم ضربوا أخاه، يحيى. الأم، فائقه، صرخت وبكت مذعورة. كان مع الجنود هذه المرة كلب. طلب الجنود بطاقات الهويّة لكن الأم التي كانت مذعورة ارتبكت ولم تتمكن من إيجاد البطاقات. كان البيت في حالة إعداد لحفل زواج الإبن نبيل. وحسب أقوال الأمّ، أوصل الجنود تيّارا كهربائيا بجسم ابنها يحيى من الأمام ومن الخلف. وبدأ ينزف من الضربات التي تلقاها في وجهه. وأخيرا أخذ الجنود مُحيي ويحيى، مع أن يحيى لم يكن مطلوبا أبدا، أُطْلِق سراحه بعد يوم واحد. ولا يزال محيي مُعتقلا حتى الآن.
      
 كان ردّ جهاز الأمن أنه " بدأ ت في حلحول اضطرابات عنيفة داخل بيت المتّهم"، ولذلك "اضطر افراد القوّة إلى تقييد ثلاثة أفراد". لماذا أطلقوا النار على الأب؟ "لدى خروجهم من البيت بدأ إخلال عنيف بالنظام وشكّل خطرا على أفراد القوّة، فاضطروا إلى الردّ بإطلاق النار باتجاه أحد قادة المُخلّين بالنظام". وخلال الاعتقال في بيت أُمّر، قالوا أيضا، " لقد هاجم أحد أبناء العائلة الجنود فردّ الجنود باستعمال التايزر* لإبْعاده، وبما أنه ظل يشكّل خطرا على القوّة اعْتُقِل بتهمة مهاجمة شرطيٍ، لم يُمارسْ العنف ضدّ أفراد البيت الآخرين كما يدّعون".
  
في نفس اليوم الذي زرنا فيه عائلة أبو ماريا عُقِدت جلسة للنظر في اعتقال محيي، لم يُسافر أحد من أبناء العائلة إلى عوفر. احتفلوا بزواج نبيل في موعده، 17 من الشهر، بغياب الأخ المُعْتَقَل. يقولون إنهم لا يعرفون بماذا يتّهم. تطل علينا من على حائط الصالون صورة ربّ العائلة. لقد قُتِل على الشرْفة التي خلفنا.
8.12.2018

*تايزر سلاح كهربائي يُباع بواسطة الشركة الأمريكيّة تايزر إنترنشيونال يُطْلِق اسهما تنغرز في الجسمفتوقف مؤقّتا السيطرة على العضلات