مبادئنا أقوى من جيوش الأرض


بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس رئيس الحركة الإسلاميَّة 

كان عصر الصَّحابة الكرام عهدٌ للمبادئ ، والمُثُل العليا . لم يكترثوا فيه للكثرة ، بل لقيم الرُّجولة والأصالة والصِّدق والأمانة ، وغيرها من قيم الإسلام . ولذلك ، فقد ارتفع أُناسٌ بإيمانهم وعلمهم وتقواهم ، رغم كونهم فقراء مغمورين . وحورب أُناسٌ وأُقصوا بعيداً ، لمّا جحدوا وكفروا وارتدوا أو أجرموا . 

فهذا جبلةُ بن أيهم ملكٌ من ملوك الغساسنة ، أسلم وزار البيت الحرام بملابس الملوك ، وأثناء طوافه بالبيت ، داس أعرابيٌّ بسيطٌ على طرف ردائه ، فلطمه جبلةٌ لطمةً قويَّةً حطَّمت أنفه ، فشكاه الأعرابيُّ إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه . إستدعى الفاروق ذلك الملك ، فمثل أمامه ، وطلب منه أن يسترضي الأعرابيَّ ، أو ليُحطمنَّ أنفه كما حطَّم أنف الأعرابيَّ . تعذَّر الملك بالفوارق الطبقيَّة ، وأبى مبدأ المساواة بين الأمير والفقير ، بين السَّيِّد والخفير ، فاستأذن للغد ثمَّ قفل راجعاً مرتدَّاً عن الإسلام .

نعم ، هي مبادئ لا تنازُل عنها ، ولو أدَّت إلى ردَّة ملكٍ ذي جاهٍ وسلطان . لا محاباةً للملك ، ودوساً على الضعفاء ، استكساباً وطمعاً .

ثمَّ جاءت بعدهم مرحلة الأشخاص ، فأصبحنا ننتقي من التَّاريخ الطَّويل بعض الأسماء التي رسخت في أذهاننا ، وكأنَّهم واحات وسط صحراء مترامية الأطراف ، فنفاخر بهم وبأفعالهم . فمن عمر بن عبدالعزيز ، إلى هارون الرّشيد ، إلى صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ ومحمَّد الفاتح ....... وغيرهم من قادةٍ وعلماء أجلَّاء . والتفَّ النَّاس حول ذوي القامات والأسماء والشَّخصيات فمالوا معهم حيثما مالوا .

واليوم نعيش عصر الأشياء

في زماننا المعاصر ، يُعرَف النَّاس وينالون احترامهم ، بقدر ما تزيَّنوا به من متاع الدُّنيا وأوسمتها . فهذا قدره بماله ، وذاك بجاهه ، وآخر بمنصبه ، بعمارته ، بسيَّارته ، بلقبه ، بعشيرته ........

ولمَّا كان الأمر كذلك ، حرص النَّاس على أن يقتنوا أشياءً ليست ضروريَّةً لهم ، وأكبر من استطاعتهم ، فاستدانوا ، وعملوا الليل مع النَّهار ، هم وأزواجهم ، فضيَّعوا أبناءهم . ثمّ كانت الدُّيون سبباً في مشاكل وأزمات وصلت أحياناً لحدِّ القتل .


بفساد الذِّمم تذلُّ الأُمم

ما استطاع أعداء الإسلام أن يذلُّوا المسلمين ويقهروهم ، إلَّا عندما أغرقوهم بالمغريات ، وأفسدوا زعماءهم بالرَّشاوى والفساد ، وزرعوا بينهم العداوات والحروب الَّتي لا تنتهي . هذا كلُّه رغم أنَّ المسلمين أمَّة واحدة ، دينها واحد وقبلتها واحدة ومبادئها واحدة . زرعوا بيننا أسباب الشقاق والعداوات والحروب فوافقناهم . وبالمقابل فأوروبا ، لا يجمعها دين ولا لغة ، ولا قوميَّة ، بل تاريخهم مليءٌ بالحروب الطاحنة ، ومع ذلك ، هم يتوحَّدون ، ونحن نتقاتل ..... كلُّ ذلك لمَّا فرَّطنا في مبادئنا ، واختلفنا على مصالح مزعومة .

إنَّهم يرضون لنا رؤساء مهابيل ، وأمراء فاسدين ، وقادةً جزَّارين ، ولاؤهم لأعداء الأُمَّة ، وبأسهم على شعوبهم شديد . لأنَّ هؤلاء هم من يعزِّزون قبضة الأعداء على رقابنا . 

وفي المقابل ، يحاسب الغربُ قادته ، ويجبرهم على الإستقالة ، بسبب الفشل أو الفساد أو الفضيحة الأخلاقيَّة .

خلاصة الأمر :


إنَّ مَن يتحكَّمون في مصائر الأُمم ، ويؤسِّسون نظامها الجديد والأجدَّ ، يبنون أمجادهم على إفساد العرب والمسلمين ، ثمَّ إضلالهم ، ثمَّ تدميرهم .......

 وأخوف ما يخافون ، أن نعود لننتصر لأخلاقنا وقيمنا ومبادئنا . فإن عادت فينا قيم الأخوَّة والتَّراحم ، توحَّدنا . وإن عادت قيم العدالة والأمانة ، قضينا على الفساد ، وولَّينا أمرنا صلحاءنا ، فارتقينا وقوينا ، فانتصرنا ثم سُدنا ........ وكلُّ ذلك مرهونٌ بعودتنا لقيم الإسلام العظيم ومبادئه وأخلاقيَّاته .

إنّما الأُمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

والله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الرّاحمين