زيارة للأردن الذي لا يطرد لاجئين


في مطار عمان يقف إسرائيلي، عراقي وسوري. هكذا يمكن أن يكون، وهكذا تمنينا مرة أن يكون. محادثة مع فلسطينيين لاجئين في بيت الرسّامة التي لا تزال تحنّ إلى بيتها الذي تركته في يافا وزيارة متكررة في مخيّم للاجئين

بقلم : جدعون ليفي هآرتس، 2018/2/2 ترجمة : أمين خير الدين 

  في بيتها الواسع في حيّ الرابية غرب عمّان، تجلس الرسامة تمام الأكحل وتحنّ إلى بيتها في يافا القديمة. أرملة الرسام الفلسطيني الوطني، إسماعيل شمّوط، وبيتها منهل للعلم مقدّس لإحياء ا ذكراه. رسوماته ورسوماتها تزيين كل الجدران وتتراكم في استوديو الرسم الذي ترسم به، والموجود في أحد غرف البيت. معظمها تصوّر النكبة والاحتلال. رسومات واقعيّة لفنان وطني مجنّد، قويّة، وقابلة للنقل.

        
خادمة أسيوية تقدّم لنا السحلب. ولم تمض إلا دقائق قليلة حتى بدأت الأكحل، إبنة ال- 82، بالحديث عن بيتها في يافا، البيت الذي اضطرّت إلى تركه عام 1948 مع والديها في سفينة واهنة إلى بيروت، ولم يُسْمح لها بالعودة إليه مرة ثانية. كانت في حينه طفلة عمرها 12 سنة. ومنذ ذلك التاريخ وحياتها وإبداعها يقيم في ظلّ هذه المأساة. لا يمكن للغريب أن يستوعب ذلك، والإسرائيلي لا يقبل ذلك، ومن المؤكد أنه لا يُبْد رحمة، أو تضامنا، أو مسؤوليّة أو أيّ إحساس بالذنب.
     
يقيمون في الأردن ويحنّون إلى الوطن، أجسادهم في الشرق وقلوبهم في الغرب. الأكحل لم تنس ولن تغفر للرسّامة الإسرائيليّة، التي في سنة 1997، بعد 49 سنة من ترحيلها، لم تسمح لها بدخول البيت الذي كان بيتها وكانت الإسرائيلية التي تسكن فيه رسامة. في واحد من رسومات الأكحل، رسمتها بشخصيّتين قبيحتين، تلوّثان بوابة البيت من الداخل ومن الخارج، تغلقه أمام الضيفة غير المدْعوّة وقد كان البيت بيتها.
   
من سخريات القدر: بيت الطفلة التي أصبحت فنانة صار بيتا لفنّانة أخرى، من شعب آخر. وبعد سنوات من ذلك، استطاع ابن الفنانة الأكحل وشموط، دكتور يزيد شموّط، من زيارة البيت في حيّ الفنّانين في يافا. وهو رجل أعمال ناجح، يعيش في هانوفر مع شركة استثمارات من الكويت ومديرا لشبكة مساكن في شمال ألمانيا، تشغّل آلاف العمال الألمان.
   
عدتُ في اليوم التالي إلى بيت الأكحل مع أصدقائها، من صفوة كبار السن من اللاجئين الفلسطينيين هنا، منهم طبيب نفساني، ورجل أعمال من الرازيل وعدد من أطباء الأسنان، وهم أيضا تكلموا فقط عن فلسطين، قلوبهم معها، معظمه يشدد على تسميتها " البلاد" بالإنجليزية. المهجرون من غزة تهامسوا مع ألمهجرين من غزة، ومثلهم الخليليون، وكانه لم تمرّ عشرات السنين، بالضبط كما كان عندنا مع "الليندسمنشافطيين [منظمة للمساعدات المتبادلة للمهاجرين اليهود من أبناء مدينة واحدة – المترجم] في السنوات الأولى من قيام دولة إسرائيل.
    
س‘، صاحب شركة للعلاقات الاجتماعيّة ولاجئ من نابلس، كان منفعلا بشكل خاص. لم يلتق بحياته مع إسرائيلي. زوجته متطوِّعة في مخيم غزّة للاجئين، لم توافق على حضور الأمسية، كان الموقف صعبا جدّا عليها ، وروى زوجها، ما قالته زوجته "ماذا سأقول في المُخيّم"، "أنني تناولت وجبة عشاء مع إسرائيلي في الوقت الذي يوجد أشخاص في المخيّم لا يجدون الخبز؟".
   

شباب في مخيّم البقعة يدعون إلى حوانيتهم، "تفضلوا، أدخلوا" لكن الحانوت كان لا يزال في مرحلة بناء  


صحيح أنه كان مساءا مشحونا. "كيف تشعر وأنت تعيش في إسرائيل، على أرضنا وفي بيوتنا؟"، سأله س‘. رويت له عن أبي الذي تخضخض في البحر في سنة 1939 ونُقل إلى مُعْتَقل في بيروت، وأُقْفِلت أمامه كل الأبواب خلال هروبه في حياته، باستثناء باب الهجرة السريّة وغير القانونية إلى فلسطين، لكن هذا لم يقْنِع س‘ . وقد تفهمت مشاعره. 
   
كان هناك مَن لا يُسْمَح له بزيارة بلاده وكانت أيضا ابنة لاجئين مريضة بالسرطان وتُعالج في مستشفى هداسا عين كارم، مقابل مبالغ باهظة وتصل مرة كلّ عِدّة أسابيع وتحفظ الجميل لأطبائها. وكان أيضا مَن لا تسمح لهم كبرياؤهم بطلب تأشيرة دخول من إسرائيل، كي يحصلوا على إذن بزيارة بيوتهم وقراهم، وكان أيضا مَن سلّم بالأمر الواقع وبدأ حياة جديدة ومليئة، ومن ضمنهم مَن أصبحوا أثرياء جدا يسافرون في سيارات جيب فاخرة ويسكنون فيلاّت مُتْقَنة.
     
تمام الأكجل وإسماعيل شموط تعرفا على بعضهما في القاهرة. وقد حضر القادة الفلسطينيون ياسر عرفات وأبو جهاد وأبو إياد حفل زفافهما. وكان الشاعر محمود درويش صديقا مقربا لهما لمدة طويلة، ومنذ توفي زوجها سنة 2006، تكتب تمام كل يوم رسالة لإسماعيل، زوجها المتوفى، تحكي له ما يحدث معها في حياتها. وتزور قبرة كل ما مرّت أسابيع . كان لاجئا من اللد، مدينة جورج حبش، حيث جرت فيها مجزرة راح ضحيّتها العشرات.

واقع عادي  


رحلة الطيران القصيرة إلى عمّان تثير ذكريات تآكلت. الكابتن أسامه الحيّ من خيرة الطيّارين، يعطي تعليماته للمسافرين باللغة العربية. طيّار عربي ينقل إسرائيليين لدولة عربيّة- كل السنوات التي مضت لا يمكنها أن تفلّ التجربة. شاب من مستوطنة ألون وصديقه من غبعات شموئيل يعتمران كيباه [ طاقية صغيرة يلبسها المتدينون اليهود – المترجم] ، في طريقهما للتزلّج في سيرالانكا، مع توقف للاستراحة في الدوحة ، في قطر. 
   

وهما في طريقهما يتكلمان عن رحّالة آخر وأول سؤال يسألانه طبعا: أين خدمت في جيش الدفاع الإسرائيلي. وعند الهبوط في عمان يستبدلان قبعتيهما بقبعة بيسبول. على هوامش مجموع العواصف ثمّة واقع بديل للطيران إلى الشرق عن طريق قطر، التذكرة أرخص، واقع يعرض مِعْيارية جديدة مؤقّتة: سوري من الأمام وعراقي من الخلف في الطابور لفحص جوازات السفر. في اوروبا يسأل رجال شرطة الحدود حامل جواز سفر إسرائيلي أكثر مما يسألونه في مطار الملكة عاليه في عمّان. كل المكوث الممتع في الأردن لا يتوقف عن التذكير: هكذا كان يمْكِن ان يكون، هكذا كان يجب أن يكون. هكذا اعتقدنا في سنوات ال-90 المسكرة.
 
لكن الواقع يعود فورا ليصفع على الوجه بعد ذلك: فقط ثلاث حقائب تتحرك على الناقل، من أمتعة إيرباص A320 المليئة جدا. كلهم توقفوا هنا لهبوط مؤقت. لم يبق في عمان أي منهم. خسارة، تبيّن انها مدينة خلاّبة ومضيافة.

 يوم ميلاد الملك

   
الأردن دولة ملاذٍ. لا يوجد في المنطقة دولة استقبلت عددا كبيرا من اللاجئين وعلى مدى سنوات طويلة كهذه المملكة. بعد كل حرب وأحيانا قبلها، يهرب الجميع إلى هنا والأردن لا يُغْلِق أبوابه. حوالي ثلث سكان هذه الدولة من اللاجئين. يوجد حوالي 670 ألف سوري في مخيمات للاجئين بالقرب من الحدود مع سوريا، محاصرون منذ سنوات، لكنهم في أماكن آمنة. وهناك حوالي مليوني سوري كوّنوا لهم عائلات واستوطنوا هنا. وأيضا لاجئون من العراق ومن ليبيا، والآن يتدفّقون من اليمن إلى هنا. الأردن ضوء للأمم أكثر من جارتها الغربية، على الأقل عندما يتعلق الأمر بفتح الأبواب أمام اللاجئين.
    
في الشارع إحساس بالاستقرار والاطمئنان: قليل من قوات الجيش أو الشرطة. عمّان، مدينة في النهار أربعة ملايين إنسان وفي الليل مليونان، دائما فيها اختناقات سير، هي المدينة الوحيدة في الشرق الأوسط التي ليس بها إزعاج صفّارات السيارات. وايضا تختلف عن جارتها الغربية ذات الصفّارات، تل أبيب. حتى في شارع السوق المزدحم، شارع الملك فيصل، ثمّة هدوء نسبي، إذا قارنّاها مع القاهرة، أو رام الله أو تل أبيب.

صاحب شركة للعلاقات العامة: "كيف تشعر بحياتك في إسرائيل، على أرضنا وفي بيوتنا؟"

  
 بَسْطَة جرائد ليست كبيرة في مركز الشارع، "بسطة الثقافة العربية، يُعْتبرهنا أفضل حانوت للكتب في المدينة. "ليس هناك كتاب لا يجده لك أبو علي"، قالوا لي، طلبنا من أبي – علي كتاب الأمير الصغير. سأل إن كان بالإنجليزية أو العربية، اتصل تلفونيا مع مَن اتصل وبعد دقائق كانت النسخة العربية من كتاب أنطوان دي سنت- أخزوفري بين يدينا. أربعة دنانير، حوالي 22 شيكل ، ثمنه.
    
تقريبا لا يوجد سائحون غربيون في الشوارع، بالقرب من مدخل جامع الحسيني يُرْفَع أعلان صادر عن الغرفة التجارية في عمّان، تحتجّ على قرار الولايات المتحدة الأمريكية بالاعتراف بأورشليم عاصمة لإسرائيل. كوب من عصير الرمّان بدينار. احتُفِل يوم الثلاثاء بعيد ميلاد الملك عبدالله وعدد من المؤيدين المتحمسين للملك زينوا شبابيك سياراتهم بصوره وبتهانيهم. في المدرج الروماني القديم لا يوجد سائحون، فقط بعض أطفال أردنيين يلعبون كرة القدم. وأيضا في قلعة المدينة، حيث المنظر الجميل الذي يطل منها، يسود مَلَلٌ.
      
سائق سيارة الأجرة من إربد كان سابقا مرشدا سياحيا مؤهلا. بعد أن توقف السائحون عن ارتياد الأردن - برأيه، بسبب ما يجري حولهم في المنطقة - أضطر إلى أن يغيّر مهنته لسائق سيارة أجرة. لكنه في أعماقه لا زال مرشدا سياحيا: في كل مكان سافرنا إليه، عرض فيلما توضيحيا قصيرا من محموله عن المكان، بما في ذلك مخيم البقعة للاجئين، المخيم الذي سافرنا إليه في ساعات بعد الظهيرة من يوم الثلاثاء من هذا السبوع.
    
المخيم الذيي بدأ ب - 5000 خيمة ل- 26 ألف لاجئ من الكرامة وأماكن أخرى عام 1967، بعضهم لاجئون للمرة الثانية، اليوم هو حي فقر مُخْجِل، يسكن فيه حوالي 120 ألف آدميّ، حي فقير عند مدخل عمّان، على بعد نصف ساعة سفر عن المحل التجاري في العبدلي، الجديد، اللامع المُتْقَن. البقعة، على بعد حوالي 20 كيلومترا شمال - غربي مركز عمّان، أكبر المخيمات للاجئين الفلسطينيين في الأردن، وفي الأردن ثمة خمسة مخيمات أخرى مشابهة. وهو يُعْتَبَر أحسنهم. مخيم غزّة بالقرب من جرش حالته ألأكثر سوءا. البيوت في البقعة مكتظّة جدّا، ازحام غزّاوي تقريبا، وتنتشر بيوته في البقعة التي تحيطها أراضٍ زراعيّة.
  
عند مدخل الشارع الرئيسي ترتفع لافتة كُتِب عليها: يوم الأول من شباط هو يوم علاج طبي مجّاني. من هذا المخيّم وأمثاله يطالب دونالد ترامب تقليص مخصّصاته. حتى مَن اعتاد مثل هذه المناظر في مخيّمات اللاجئين لا يكون المنظر سهلاا عليه. الدكاكين وبسطات القِلّة، لا نهاية لعدد الأولاد في الشوارع، أزقة ضيّقة، تراكم أبنية، أسلاك الكهرباء وأسلاك التلفونات بشكل فوضوي مُطْلّق.
     
سيارات شحن تُفرغ لُعبا رخيصة من الصين، بعض الشبان يدعوننا إلى حوانيتهم، "تفضلوا، أدخلوا"، لكن الحانوت في مرحلة البناء. "صوِّر، صوِّر"، ينادي صاحب بسطة الخبز، "صوّر الذهب الأبيض". ارتفع سعر الخبز هنا هذا الأسبوع 60% وكان الخوف من أن تنفجر مظاهرات. لم يحدث هذا. علقت على كُشْك للسجائر العبارة التالية: "القدس ، خطّ أحمر".
  
 كنتُ هنا في أواخر 1999، وكتبتُ في حينه "مات الأمل وأصبح اليأس نهائيّا ومسيطرا". وبدا لي هذا الأسبوع أن حالة المخيم قد ازدادت سوءا تقريبا خلال أل-20 سنة التي مرّت منذ ذلك التاريخ، والازدحام به أكثر سوءا. "كلما كان الحاضر صعبا، يحنّ الناس إلى ماضيهم ويضخّمونه"، كتبتُ في حينه، بتاريخ 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1999. لم يتغيّر شيء من حينه، ومن المؤكد أنه لم يتغير إلى الأفضل.

أمين خير الدين