وقائع سياسية


كتبها الخبير السياسي و الاستراتيجي الدكتور حسن مرهج


إعداد .. أمجد إسماعيل الآغا

غصن الزيتون في يومها الخامس .. ماذا تريد تركيا من الشمال السوري .


تطورات متسارعة تشهدها الحرب المفروضة على سوريا ، فخلال الأيام الماضية ظهرت العديد من التطورات سواء الميدانية او السياسية ، ما يشي بتغيير في الاستراتيجيات و المصالح و الأهداف ، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر حتما على سياق التطورات في سوريا ، و يطرح وقائع سياسية و ميدانية جديدة سيكون لها تداعيات مباشرة على الحرب في سوريا .

التطور الابرز في الحرب السورية هو العدوان التركي على عفرين ، و الذي دخل يومه الخامس من دون إحراز أي إنجاز لافت على الأرض ، حيث اضطرت القوات الخاصة التركية وفصائل الجيش الحر، إلى الانسحاب من معظم المناطق التي تقدمت فيها خلال الايام السابقة ، وسط ظروف جوية قاسية تصاحب العمليات العسكرية الدائرة هناك ، فمنذ اليوم الأول للعدوان تركزت محاور الهجوم التركي على نفس المناطق، في محيط جبل برصايا التابع لناحية شران شمال شرق عفرين ، وعلى عدد من بلدات ناحية راجو غرب عفرين، إلى جانب تصعيد العمليات على أطراف جنديريس جنوب غرب عفرين .


هذا في الميدان ، أما في السياسة فالكثيرون تساءلوا عن ردّ الفعل الضعيف للموقفين الروسي و الأمريكي على قيام تركيا بغزو عفرين تحت ذريعة أنّ هذه المنطقة تقع تحت سيطرة جماعات إرهابية ، و للعلم فإن هذه المنطقة لا تتواجد بها الجماعات إرهابية من قبل مجلس الأمن والدول الغربية ، كما أنّ مسلحي هذه المنطقة لم يقدموا على أيّ عمل ضدّ تركيا طيلة سيطرتهم على هذه المنطقة التي تمتدّ لأكثر من خمس سنوات.

في واقع السياسية ، يمكن القول أن رد الفعل الأمريكي يعكس شيئا من توزيع الأدوار، ومحاولة لإرضاء حلفاء الولايات المتحدة، تركيا والأكراد، التي لم تستطع واشنطن التوفيق بينهم ، الإدارة الأميركية أصدرت بياناً فُهم منه أنها لا تؤيد غزو عفرين، ولكن في المقابل و للمفارقة فقد أوعزت لحلف الناتو، الذي تسيطر واشنطن على مؤسّساته، بإصدار بيان يؤكد وقوف حلف الناتو إلى جانب تركيا، و ربما الولايات المتحدة تريد اختبار أوهام الحكومة التركية عبر توريطها في عمل عسكري ، سوف يجعل أنقرة أكثر ضعفاً ، وبالتالي أكثر انصياعاً للإملاءات الأميركية ، و في التاريخ مثالا قريبا للدهاء الامريكي ، فكلنا يذكر ما فعلت سفيرة الولايات المتحدة، أبريل غلاسبي في العراق، عندما هدّد الرئيس العراقي صدام حسين باجتياح الكويت، في ذلك الوقت كان جواب السفيرة الأميركية حول الموقف من تهديدات الرئيس العراقي تشبه مواقف المسؤولين الأميركيين من قيام تركيا بغزو عفرين ، و عليه من الواضح أن واشنطن تسعى إلى إضعاف تركيا تمهيدا لدورها الجديد في سوريا .

أما روسيا ، فلا شك بأن الكثير من الأسباب دفعتها لكي لا تتخذ موقفا حاسما و قويا من الغزو التركي لعفرين السورية ، في البداية يمكن القول بأن مع اقتراب موعد سوتشي فإن الروس يسعون إلى إنجاح هذا المؤتمر ، و بالتالي كف التهديدات التركية لإفشال هذا المؤتمر ، لأن أردوغان يسعى إلى موقف روسي متفهم لما يقوم به في عفرين ، لا سيما أنّ وحدات عسكرية روسية لا تزال ترابط في منطقة قريبة من عفرين، وبالتالي فإنّ أيّ موقف غير محسوب لتركيا إزاء روسيا يمكن أن يرتدّ سلباً عليها، وقد تقف روسيا إلى جانب الدولة السورية التي أعلنت معارضتها للغزو وأكدت عزمها على مواجهته.

من جهة ثانية ، فمن المعروف أن عملية عفرين تحتاج إلى حشد الجماعات المسلحة المتواجدة في إدلب للقتال على جبهات عفرين ، و بالتالي و بنظرة ميدانية هذا يسهّل على الجيش السوري تحرير هذه المحافظة التي لا يزال الجزء الأكبر منها تحت سيطرة جماعات مسلحة مدعومة من قبل تركيا، يضاف إلى ذلك قد يكون هناك تطابقا في توجهات الروسي و الأمريكي إزاء تركيا لجهة السماح لها أن تستمر بغبائها و تتحرر من أوهام قدرتها على السيطرة على مناطق واسعة في شمال سورية ، و من ثم سيتم التعامل مع التركي و وضعة جانبا أي سيكون له دور أخر ستعمل أمريكا على تهيئة مناخ جديد سيكون للتركي دورا فيه .

أما الموقف السوري ، فكما ذكرنا في قراءات سابقة ، فإن الاستراتيجية التي تعتمدها القيادة العسكرية في سوريا ، تتركز أولا على القضاء بالكامل على الفصائل الإرهابية و تنظيف الجغرافية السورية من الإرهابيين ، و السير قدما في مسار الحل السياسي ، و من ثم يتم الالتفات إلى التركي و الأمريكي و التعامل معهما ، فإما الخروج من سوريا ، و إما الحديد و النار ، و حين نقول الحديد و النار نعي جيدا ، أن الزخم الهجومي الذي يتمتع به الجيش السوري إضافة إلى المنجزات الميدانية المتراكمة ، سيكون لها أثرا كبيرا في التصدي لأي عدوان امريكي أو تركي ، فلا مساومة من قبل القيادة السورية على السيادة بعد سبع سنوات من الحرب ، قدمت خلالها التضحيات كافة .