اقتحم جيش الدفاع الإسرائيلي القرية، وعلى إعلان لذكرى فتى فلسطيني كُتِبَتْ عبارة باللغة العبرية "إبن زانية"


بعد أن أطلق الجنود النار على مصعب التميمي، فتَى عمره 16 سنة، شُوِّهَ إعلان لذكراه ورُسٍمَتْ علية نجمة داود. يدّعون في جيش الدفاع الإسرائيلي بأنه لا علاقة للجنود بذلك، لكن لم يدخل القرية في تلك الليلة أيُّ يهودي آخر

بقلم : جدعون ليفي و أليكس ليبك


هآرتس، 2018/1/19 ترجمة: أمين خير الدين


     
هذا ما كتبه جنود جيش الدفاع الإسرائيلي على إعلان الحداد لذكرى مصعب التميمي، ابن أل - 16، وكان قد أطلق أحدهم النار عليه أصابه بعنقه فقتله: وقد كتبوا على الإعلان "إبن زانية، شرمو...، مُتْ" وأضافوا رسما لنجمة داود السداسيّة. وكان هذا بعد يومين من مقتل التميمي، حين اقتحم جنود جيش الدفاع الإسرائيلي قريته، ديرنظام شمال رام الله.
       
وصلوا القرية في ساعات الليل المتأخرة، اعتقلوا أربعة من شباب القرية، وخلّفوا وراءهم إعلان الحداد المشوّه كذكرى. يدّعون في جيش الدفاع الإسرائيلي أن أيدي الجنود لم تقم بالإساءة، ليست هناك طريقة لفحص ذلك لكن ما هو معلوم أنه لم يدخل القرية في تلك الليلة أيّ يهوديّ آخر. الإعلان مطويّ ومحفوظ الآن لدى الأب الثاكل، فراس التميمي، عندما عرضه علينا غطّت وجهه مسْحة من الألم. هو مَن حمل ابنه وهو ينزف إلى سيارته ونقله إلى المستشفى، حيث أُعْلِنت وفاته.

فراس التميمي يحمل إعلان الحداد لذكرى ابنه: "لو كانت معه بندقيّة، كيف لم يأت جيش الدفاع الإسرائيلي للقبض عليه: تصوير: أليكس ليبك
وُلِد مصعب في البيت الذي نجلس فيه. في نفس اليوم الذي وُلِد فيه،2001/5/18، قُتل على الشارع المحاذي لقريته الضابط يئير نبنصئيل من نيران فلسطينيّة، مستوطن من مستوطنة حلميش المجاورة، وفي اللحظة التي ركعت دينا التميمي لتلد كانت المنطقة كلّها مغلقة. في حينه أطلق جيش الدفاع الإسرائيلي الغاز على بيوت سكان القرية التي كانت محاصرة بالحواجز. حاولت سيارة إسعاف فلسطينية نقل المرأة التي تلد إلى المستشفى لكنها اصطدمت بحاجز لجيش الدفاع الإسرائيلي الذي منعها من العبور. فاضطرت دينا التميمي إلى أن تلد ببيتها. وهكذا وُلِد مصعب، الابن البكر، الأول من بين أبنائهم الأربعة. قبل أسبوعين قُتل على بُعْد أمتار من المكان الذي وُلِد فيه.
   
العائلة ممعنة بالمعاناة، بسبب مرض القلب عند الأب، ابن أل 43 سنة ورجل الاستخبارات الفلسطينية المتقاعد، انتقلت العائلة قبل أربع سنوات إلى الأردن، لتلقي العلاج الطبي. وعندما طلبوا الرجوع إلى قريتهم، منعتهم إسرائيل: كانت دينا مسجلة كمواطنة من غزّة لذلك منعوها من العودة إلى بيتها. صحيح انها ابنة قرية ديرنظام لكن بما أن أباها، فرهود التميمي، كان الطيّار الشخصي لياسر عرفات، لهذا ترعرعت في غزّة وكانت مسجلة هناك.
 فقط في الصيف الماضي، بعد اربع سنوات من النفي القسري في الأردن، سمحت لهم إسرائيل بالعودة إلى قريتهم.عادوا في 21 أغسطس /آب 2017. كان مصعب سعيدا بعودته إلى قريته مسقط رأسه. في مدرسته في الأردن كان رئيسا لمجلس الطلاب وعضوا في جوقة المدرسة، وكان أيضا بدير نظام يعتبر نشيطا، وأيضا في المظاهرات ضدّ الاحتلال. يعرض علينا أبوه شريط فيديو من محموله: يُلْقي مصعب قصيدة من نظمه. فتى مفتول العضلات يلبس قميص تي أحمر يلقي قصيدة عن حبه لبلاده.

أصوات إطلاق نار

     
يطل من ساحة البيت منظر طبيعي لكروم الزيتون. صورة الابن المقتول ملصقة على باب المدخل الحديدي. تقع مستوطنة حلميش على الهضبة المقابلة وخلفها القرية المشهورة النبي صالح، معظم سكانها من عائلة التميمي، كقرية دير نظام.


  يوم الأربعاء، 3 يناير / كانون الأول، سافر فراس مع مصعب إلى القرية المجاورة، عابود، لشراء خبز من المخبز المشهور في المنطقة. كانت ايام العطلة الفصليّة في الضفة الغربيّة. في الطريق أشار له والده على المدرسة الثانوية التي تعلّم بها وكيف أغلقها جيش الدفاع الإسرائيلي لمدة نصف سنة خلال الانتفاضة الأولى، في ذلك الوقت كان فراس شابا يتعلم فيها. بعد ذلك عادا إلى بيتهما وتنالا طعام الفطور. حوالي الساعة العاشرة سمعا أصوات إطلاق نار من جهة القرية.
   
بعد سماعهما لأصوات إطلاق النار خرج مصعب من البيت، ليرى ماذا يحدث وربما ليشارك في إلقاء الحجارة على الجنود. نبهه ابوه إلى أن يأخذ حذره. قبل يومين من تاريخه كانت قوّة من جيش الدفاع الإسرائيلي في القرية وأوقف الجنود مصعب وصوّروه. وحسب أقوال ابوه إن احد القادة قال لابنه، "لا نريد أن نعتقلك اليوم، لكننا سنعود وسنلتقي بك . ستندم". الآن تتردد هذه الكلمات في فراغ الغرفة.
     
حاليا اشتعلت الأجواء في القرية. في الأسفل، بالقرب من الشارع الرئيسي، بدأت المواجهات العادية مع الجنود وبدأ الجنود بمطاردة الذين يلقون الحجارة. أوقفوا مصطفى صالح التميمي، شاب عمره 19 سنة معروف بالقرية بأنه مريض نفسانيّا. فراس وهو يراقب ما يحدث من ساحة بيته في أعلى التلّة، أسرع بالنزول بسيارته إلى الشارع الرئيسي بمحاولة لتحرير الفتى، وهو قريب له.
    
طرده الجنود وأخذوا مصطفى معهم. يقول فراس إنه رآهم يضربون مصطفى، قبل أن يُدخلوه إلى سيارتهم. سافر خلفهم إلى معسكر جيش الدفاع الإسرائيلي القريب، ليحاول تحريره. رأى الضابط الذي أوقفه وهو يُدْخِلَه إلى المعسكر ويعود أدراجه إلى مكان المواجهات في القرية، وقد اشتعلت المواجهات أكثر بعد الاعتقال. وضابط آخر وعَدَ فراس أنه بعد الفحص سيُطْلَق سراح مصطفى، وبالفعل هذا ما تمّ بعد وقت قليل.
     
عاد فراس إلى المراقبة من ساحة بيته. بينما استمرّت المواجهات على الشارع. صدّ الجنود الفتيان الذين يلقون الحجارة بإطلاق النار وبالغازات إلى القرية، وأحاطتهم قو’ة أخرى جاءت من جهة القرية. رفرف محلِّق من جيش الدفاع الإسرائيلي فوق المكان وصوّر الأحداث. كان مصعب هناك مع أخيه الأصغر منه بسنة، أسامه، بين أشجار الزيتون عند آخر القرية.
  
كان الوقت ساعة ظهيرة، حوالي الواحدة. سمع فراس أصوات إطلاق نار كثيف. سارع بالنزول بسيارته إلى ساحة الأحداث الواقعة على بُعْد دقيقة سفر عن بيته. أوحى له قلبه بالشر. كان له ابنان هناك. رأى عند منحدر الشارع فتى ملقًى على الأرض والدم ينزف من عُنُقه، يحيط به بعض الفتيان. فقط بعدما خرج من السيارة عرف أن هذا هو ابنه، مصعب. اسرع ليحمله إلى السيارة، وضعه على الكرسي الخلفي وبدأ السير باتجاه رام الله. يحكي ذلك بخجل، وبلا دموع.
   
الفتيان اللذان رافقاه فحصا طول الوقت إن كان مصعب حيّا. وكان الأب يمدّ يده إلى الخلف احيانا،خلال السياقة، كي يتفحص إن كان ابنه يتنفس. على ما يبدو لم يكن يتنفس. في الطريق طلبا سيارة إسعاف فلسطينية وقد التقت بهم بالقرب من حاجز عطاره، نقلوا مصعب إليها. ووصلوا بسرعة إلى المستشفى الجديد الاستشاري. بعد وصولهم بوقت قصير اعلن الأطباء وفاته.
   
أخو مصعب، أسامه، كان يقف بجانب مصعب عندما أصيب، يقول إنهم كانوا مجموعة صغيرة من الفتيان الذين هربوا لينجوا بحياتهم خوفا من الجنود. اختبأ اسامه خلف شجرة زيتون. بينما جلس مصعب على كومة من الحجارة بجانب الشارع الضيق الموصل إلى القرية. رأى أسامه جنديّا يصوّب سلاحه باتجاه أخيه فصرخ عليه ليهرب نحوه، حيث أكثر أمنا. فصلت بين الأخَوَيْن أمتار قليلة. وعشرات الأمتار بينهما وبين الجندي المختبئ خلف شجرة التين العارية من الأوراق عند منحدر التلة، بالقرب من آخر بيت في دير نظام.
  
انبطح أسامه على الأرض عندما سمع صوت طلقة نارية وحيدة. قام أخوه من مكانه ليهرب لمكان أكثر امنا وعندها أصيب بعنقه. بعد ذلك سمع أسامه صراخا: جريح، جريح. قام من مكانه فشاهد أخاه مُمَدّدا على الأرض بجانب الشارع. تقدم نحوه وطلب منه أن يقرأ سورة من القرآن. حاول أخوه، لكن الدم الغزير الذي انفجر من فمه تغلّب عليه. بعد ذلك وصل أبوهما وأخذ مصعب.

الكابتن من المخابرات (الشاباك)


أُعْلِن في الإعلام الإسرائيلي أن مصعب كام مسلحا ببندقيّة ولهذا قُتِل. أخوه أسامه الذي كان يقف معه ينكر بشدة أن أخاه كان يحمل بندقيّة أو أيّ جسم آخر بيديه. يقول والدهما: "لو كانت معه بندقيّة، كيف لم يأت جيش الدفاع الإسرائيلي للقبض عليه؟ ومهما قلنا ونقول عمّا حدث، لن يقتنع الإسرائيليون.

 سيستمرون بادّعائهم أن مصعب كان يحمل بندقية بيده". استُدْعي هذا الأسبوع أحد سكان القرية لمحادثة مع الملقّب "كابتن مالك" من المخابرات (الشاباك). بعث الكابتن بواسطته رسالة إلى أبناء عائلة مصعب ينصحهم بالصمت، وألّا يتكلمون مع وسائل الإعلام وأن يعملوا على المحافظة على الهدوء في القرية، هكذا يقول الأب.
  
 صرح الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي لجريدة "هآرتس"أنه جرى قبل أسبوعين إخلال للنظام تخلله عنف في قرية دير نظام. شاهدت قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي فلسطينيا مسلحا وكردّ فعل على ذلك، أُطْلِقَت النار باتجاهه. وقد نُقِل هذا الفلسطيني بسيارة خاصّة لتلقي العلاج الطبي. وفي أعقاب الحادث، قامت قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي بالتفتيش في أرجاء القرية، بهدف التعرّف على المتهَم. ولا زال التحقيق بالحادث مستمرّا" وصرح أيضا أنه "وصلت مؤخرا معلومات عن كتابات تحقير وشتائم رُشّت’ في القرية. ومن الفحص لم تتوفر معلومات عن الجهة التي قامت برش هذه الكتابات، ومن خلال فحصنا يتضح أنه لا علاقة للجنود بذلك".
  
في اليوم التالي شُيعت جنازة مصعب في القرية. ومرة أخرى جرت مواجهات بالقرب من الشارع وأطلق جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الغاز والرصاص المعدني المُغطى بالمطاط مرة أخرى. وقد أصابت أحدى هذه الرصاصات أحد سكان القرية برأسه، محمد عفيف عوّاد، شاب في ال- 20 من عمره، وكانت إصابته خطيرة.