وما زلنا في عصر الآستحمار


بقلم النائب : مسعود غنايم


هناك بعض المصطلحات لها حقوق طبع ومحفوظة لبعض المفكرين الذين لا ينبغي تجاهلهم أو المرور على ذكرهم مر الكرام. 


فمصطلح الاستحمار هو تعبير للمفكر الإيراني دكتور علي شريعتي صاحب كتاب العودة إلى الذات. 


ولعل هذا المصطلح سيلتقي مع مصطلح آخر هام للمفكر الجزائري مالك بن نبي، وهو مصطلح القابلية للاستعمار. 


فكلا المصطلحين يصفان أو يحاولان وصف حالة داخلية تعيشها الذات الإسلامية أو العربية. هذه الحالة تجعل من الإنسان العربي أو حتى عالم ثالثي عرضة للغزو الخارجي، ليس لأن الخارجي هو الأقوى فقط، بل لأن الذات والعقلية العربية- إن صح التعبير- تعاني من شروخ وأمراض داخلية تمهد الطريق للاستعمار الخارجي وتكون على استعداد دائم للغزو والاحتلال.


الاستعمار كاصطلاح يُفهم منه البناء والتعمير. ولكنه في الحقيقة استخراب لأراضي الآخرين ولثرواتهم، من أجل إعمار بنيان القوي المسيطر. وقد تعددت دوافع الاستعمار عبر التاريخ، ولكن أخطر أنواع الاستعمار هو استعمار العصور الحديثة: القرن التاسع عشر، والقرن العشرين. وقد جعله لينين أعلى مراحل الرأسمالية، لأن الاستعمار انعكاس تلقائي للنظام الرأسمالي الذي يبحث عن الأسواق لبضاعته، وعن المواد الخام لمصانعه. 


وقد عانت دول العالم الثالث من هذا النوع من الاستعمار الذي جعلها خرابا بعد أن امتصت الدول الكبرى خيراتها وثرواتها تحت شعار رسالة الرجل الأبيض الحضارية التي تسعى لنشر المدنية بين الشعوب البدائية المتأخرة.



أما الاستحمار فهو حالة خطيرة جدا من حالات الاستعمار. فهو تعبير عن استعمار الإنسان والسيطرة على عقليته وأسلوب تفكيره. وهذه العملية تؤدي إلى تسخيره- دون أن يدري أحيانا- لخدمة مصالح الآخرين الكبرى، حتى لو عاد هذا التسخير عليه وعلى مجتمعه بالضرر. 


فهو في أحيان كثيرة لا يدري أنه مُستَحمَر. والمُستْحمَر- يقوم بدوره بكل متعة ورضى عن النفس، فهو قد تقبّل كونه حاملاً لأفكار ومشاريع الآخرين ولأمتعتهم الفكرية المختلفة، وهو لا يستطيع أن يتقن دور العصامي المستقل في فكره وكيانه، ويرى نفسه فقط عبر تسخير الآخرين لقدراته الحمارية على الحمل.


أصحاب هذه العقلية والنفسية الاستحماريّة كانوا فيما مضى ومستمرون حتى ايامنا هذه الأيام، وقد جعلتنا مثل هذه العقليات مجرد زبائن مستهلكين لبضائع الآخرين، أو تلاميذ دائمين نعاني من تلمذة مزمنة لا فكاك منها لمعلم الكتّاب الجديد صاحب اللكنة الغربية. ورحم الله مفكرنا مالك بن نبي الذي قال في أحد كتبه:

 لقد ذهب اليابانيون والصينيون إلى الغرب وتعلموا، لا ليبقوا تلاميذ، بل ليصبحوا أساتذة، أما نحن فنتعلم من الغرب لنصبح مجرد مستهلكين لمواد حضارته وفضلاتها أيضاً ، لهذا فنحن لا ننتج حضارة بل نكدّس حضارة الآخرين التي استوردناها.


يجب أن نعترف. بأنّ الاستعمار والاحتلال والمخططات والمشاريع التفتيتية طائفيّة كانت أو قوميّة ما كانت لتنجح. لولا أنّ لدينا القابليّة والاستعداد الداخلي للخضوع لها أو تمريرها أو الإصابة بها .


وإذا بقي الوضع كما هو عليه اليوم فسنبقى مستحمَرين، نتنافس على المرابط الأولى في قوافل المستحمَرين العالمية.


مقال كتبته قبل سنوات أنشره مرة أخرى كما سبق من مقالات للفائدة وإثراء النقاش حول سؤال : لماذا وصلنا إلى هنا ؟ -