بين لون العتمة وضوء الشمعة تضيع المسؤولية

مقال النائب مسعود غنايم - بين لون العتمة وضوء الشمعة تضيع المسؤولية  


الكثير من القضايا التي تعرض عليّ كعضو كنيست أجد أن صاحب المسألة يريد تحميل العالم والكواكب السيارة وكل المجموعات النجمية والكوكبية المسؤولية عن المشكلة أو القضية التي يعاني منها، ولا يريد أن يتحمل هو ولو جزءا بسيطا من المسؤولية، والأمثلة كثيرة. 

فنحن أدمنّا اتهام الآخر ووضعنا أنفسنا وذواتنا في أبراج عاجية مقدسة تجعلنا أنقياء وأطهارا أصحاب أيد نظيفة بريئة من أي مسؤولية أو اتهام، فالمتهم هو أو هم أو هن أو هما!!

إلى متى سنبقى عباقرة في نظم قصائد الذم والقدح بلون العتمة وحلكة الظلام؟ لماذا نحن أفذاذ وشعراء عندما نندب الأوضاع والظروف المسؤولة عما نحن فيه من أبسط القضايا إلى أعقدها؟ متى ننتقل لمرحلة إشعال الشمعة أو على الأقل التفكير في كيفية الخروج من دوامة اتهام الآخر إلى نقد الذات ومحاسبتها ومن ثم تحريرها من مفهومنا الضيق لها؟

الأسئلة صعبة ولا أتوقع الإجابة السريعة، ولكني على الأقل دائم التفكير في كيفية بناء الإنسان العربي القادر على التفكير الواقعي الموضوعي والذي يتحمل مسؤولية سلوكه وعمله والبعيد عن عالم الازدواجية والتناقض الذي يعاني منه مجتمعنا.

لست مثاليا، ولا أطلب القداسة من أحد، ولكن أطلب أبسط درجات السلوك الإنساني التي طالبت بها على الأقل الأديان السماوية وعلى رأسها الإسلام. 

لا أستطيع أن أطلب من الناس والآخرين أن يكونوا صادقين منصفين أو عادلين في تعاملهم معي وأنا لست كذلك مع نفسي ومع أقرب الناس إليّ.

 لا نستطيع الاستمرار بقاعدة الملك البابلي حمورابي (العين بالعين والسن بالسن) وقد أبدلها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله: (لا يكن أحدكم إمّعة، يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم).


 وقد ضرب القرآن أعظم مثال في تحمل المسؤولية ومحاسبة الذات عندما سرد أحداث معركة أحد التي هزم بها المسلمون وقد أجاب هناك على تساؤل {وقلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم} صدق الله العظيم.

عندما نتعامل مع قضايا مثل الميزانيات من وزارة الداخلية، وجباية الضرائب وأثمان المياه، وعندما نتعامل مع قضايا التراجع في معدلات امتحانات البجروت، أو قضية اللجان المعينة في البلدات المختلفة، لا نستطيع وضع كل المسؤولية على سياسة التمييز والاضطهاد والتهميش التي تمارسها الحكومات الإسرائيلية. 

نعم هذا السبب هو الرئيسي، ولكن السؤال عن دورنا: 

ماذا عن حصتنا في تحمل المسؤولية؟ ألا يقع علينا ولو 30% أو 20% من المسؤولية؟ ماذا فعلنا بهذه النسبة؟ هل حاولنا إصلاح أنفسنا أو تصحيح مسارنا ولو بهذه النسبة التي قد يعتبرها البعض بسيطة؟

المثال المؤلم الذي أريد ذكره فقط هو نسبة الغش في امتحانات البجروت في المدارس العربية. هذا انهيار قيمي وأخلاقي يجب أن يدق ناقوس الخطر لدينا جميعا، وكلنا نتحمل مسؤوليته.

الحديث عن المحاسبة وعن النقد لا أحصره في شريحة أو مجموعة، بل أطالب به الجميع، وعلى رأسهم نفسي، وبالتالي من حق الفيلسوف الصيني كونفوشيوس أن نذكر جملته الحكيمة كاملة بعد أن اقتبستها في العنوان وهي: خير للإنسان أن يشعل شمعة من أن يلعن لون العتمة، فلنبدأ بالتحضير لإشعال الشمعة ، ولنسترح من سب العتمة التي أشبعناها شتما.

مقال كتبه النائب مسعود غنايم  قبل سنوات حول معنى المسؤوليّة في مجتمعنا بتاريخ 19/08/09

ننشره للفائدة وإثراء النقاش حول هذا الموضوع الهام .