في ظهري جناح " بقلم ياسر خالد
إنها الثالثة وخمس دقائق فجرا .. البيت هادئ جدا .. ينام كل من فيه إلا أنا .. أكتب أسطر عدة ثم أمسحها .. تحلق الموسيقى في غرفتي الباردة، وأفكر في هذه الصفحة التي أهجرها رغم حاجتي لها، ويوم الأحد الذي أحس بثقله منذ الآن و( مذكرات التفاهم ) التي تركتها على طاولة العمل وعطلتي السنوية المتأخرة ..
وأشعر بأني أتحول شيئا فشيئا إلى شخص ممل / يرى الحياة بلون واحد .. حتى الكتب "الجسر" الذي أهرب عبره إلى مدن بعيدة ما عادت تجذبني .. كيف أصبحت هكذا ؟ شخص رمادي .. يسمح لروتين الأيام بقتل شغفه … هل تذكرون ذاك الوجع الذي يستولي على بطنك حين تضحك بشدة، لقد نسيته .. حتى الحزن الذي يخرُّ على رأسي فجأة، لا يوجعني ..
هل يسبب تتابع السنوات كل هذا أم أنني أتحول إلى حجر لن يشعر بشيء …
منذ أن قرأت كتاب "أراء أهل المدينة الفاضلة " للفارابي الذي انتهيت منه قبل أيام وفكرة العودة للكتابة مثل السابق تكبر في رأسي .. كل أولئك الناس الذين تخلوا عن الكثير من أجل الكتابة يدفعني للخجل من كسلي وتأجيل الكتابة عني وعن كل ما يزعجني ويؤرقني ويهمني في هذا العالم ..
بدءً من وضع الفرد في أسرته ومنزله حتى موقعه في العالم .. تلك الأفكار التي يصرّ البعض أنها أفكار مجنونة وآراء مضحكة لن يستمع إليها أحد .. الانسان هو هذا الكائن الذي أشفق عليه أحيانا على نحو لا يمكنني شرحه ..
بدأت منذ ستة أشهر بمراقبة حالتي النفسية، وتسجيل تلك التقلبات المزاجية التي تُجبرني على البقاء في غرفتي متأملا سقفها دون فعل شيء لساعات …
تلك الأيام التي أتحول فيها لآلة تستيقظ كل يوم في ذات الوقت وتحرص على الوقوف عند ذات الإشارة المرورية كل صباح في طريقها للعمل ..
فتصل مبكرا وتكتفي بإيماءة حين يُلقي أحد عليها السلام … واليوم استطيع القول أني أكثر قدرة على التحكم بنفسيتي .. المشي على شاطئ البحر ساعدني كثيرا وكلما شعرت بأني لست بخير أتوجه إلى الشاطئ القريب وأمشي دون هدف سامحاً لموج البحر باحتضان قدمي، والربت على روحي .. تناول وجبة غداء بمفردي في مطعم هادئ يُشعرني بالسعادة .. دخول قاعة السينما وفي يدي قهوتي يرسم على وجهي الابتسـامة .. لقاء احد الاصدقاء الذين لا يعاتبونني.
يااااه كم يُعيد لي الأمل بأن هناك من سينتظر عودتي من الكهف المظلم .. الكتابة على ورقة ومن ثم تمزيقها فعل بسيط جدا ولكن أثره كبير كبير .. متابعة مقاطع فيديو عن السفر تمنحني سفرة مجانية إلى أي بلد أختاره بضغطة زر .. لا أدري إن كنت كتبت هنا من قبل بأني أتمنى ذات يوم أن أجد وظيفة تتطلب السفر إلى مدن كثيرة ..
سأعود إلى ياسر الذي كنته .. قريبا، ولكني أحتاج الآن أن أجلس أمام البحر لساعات حتى أنسى صخب الدنيا .. وزاوية أخبئتني فيها حتى تُضيء روحي …
تصلني رسائل الله في الحلم .. أنا الذي الحّ في الدعاء حتى اخجل من رفع نظره للسماء يُضيء قلبي حلم أبيض تزين أطرافه شُجيرات رقيقة وخرير ماء يربت على روحي القلقة .. فأصحو بوجه مبتسم لأن الله يقودني إلى الطريق السهل ويذكرني بأن لا شيء مستحيل وكل شيء يتغير أمام "كن "..
فأخرج من غرفتي بهّم أقل وألم خافت .. هذه الحياة رحلة .. رحلة مُتعبة جدا لشخص مثلي تتفجر بداخله الأسئلة / يوجعه الاستسلام / يقتله الروتين .. شخص يؤمن بأن في ظهره جناح لا يراه أحد وأن الوطن أكبر من أرض وُلدت عليها ..
شخص مستعد لاتخاذ قرارات حادة كترك وظيفته فجأة .. كالهجرة إلى بلد لا يعرف لغته .. وقطع علاقته بشخص آذاه وإن كان من أهله .. لا أفهم الحياة وإن حاولت .. يقول الكثيرون لا تفهمها وسير مع السائرين .. لكني لا استطيع أن أكون وسط الحشود دون أن أفهم إلى أين المسير ..
تنهشني الأسئلة فأطيل الحديث مع الله ليلا .. وتعرف جدران غرفتي حجم قلقي وأرقي ومحاولاتي المستمرة لاحتواء الذات .. يوما ما ستخمد الحياة في مقلتي، ويسكن كل شيء.
نص محتلن
04/10/2016 06:43 pm
.jpg)
.jpg)