.jpeg)
كنوز نت - بقلم: رانية مرجية
«مِلحَةٌ وذابَت»… حين لا يكون الغياب نهاية الحكاية
قراءة تأويلية في رواية الناشئين للكاتبة ازدهار عبد الحليم
- بقلم: رانية مرجية
أهدتني الصديقة الكاتبة ازدهار عبد الحليم روايتها القيّمة للناشئين «مِلحَةٌ وذابَت»، الصادرة عن دار سهيل عيساوي للنشر، فوجدتني أمام عمل لا يكتفي بسرد حكاية عائلية، بل يفتح أسئلة عميقة حول الإنسان، والمرأة، والصوت، والتعليم، والقرية، والذاكرة، وما يفعله الزمن بالأمكنة والحكايات.
ثمة حكايات لا تُروى كي نعرف ماذا حدث، بقدر ما تُروى كي نسأل: ماذا بقي مما حدث؟
منذ الصفحات الأولى، تبدو القرية في الرواية أكثر من مجرد مكان؛ إنها ذاكرة حيّة: حارات وبيوت وطابون وبئر وجرة وسناسل وأغنيات وأعراس وطقوس. ومع مرور الزمن تتبدل الحياة، وتغلق الأبواب، وتخفت الضحكات، فيصبح السؤال عن الماضي سؤالًا عن مصير الهوية نفسها.
ومن هنا يبدو عنوان الرواية مفتاحها الأكثر مراوغة: «مِلحَةٌ وذابَت».
فالملح حين يذوب لا يفنى؛ يغيب عن العين، لكنه يبقى أثرًا في الماء. ومن هذه الزاوية، يصبح الذوبان صورة أخرى من صور الحضور.
أحمد وفاطمة… الحب بوصفه اعترافًا
في أحمد وفاطمة لا تقدم الكاتبة حبًا رومانسيًا تقليديًا، بل حبًا يمنح الآخر حقه في أن يكون نفسه.
أحمد رجل بسيط، قليل الكلام، يجد في الطبيعة عالمه الخاص بعدما حُرم من الأرض التي رآها إخوته الأهم. يبني كوخه، ويحفر بئره، ويزرع الزهور، ويصنع من القليل حياة كاملة.
أما فاطمة فتحمل جرح الصوت؛ فقد عانت التأتأة والسخرية والتهميش، حتى بدت كأنها «ظل لا يُرى». لكن أحمد لا يراها بعين الجماعة، ولا يجعل من اختلافها سببًا للشفقة، بل يمنحها القبول والثقة.
وهنا يبدأ التحول: الحب لا يغيّر فاطمة بقدر ما يعيد إليها صورتها عن نفسها.
وحين تصبح لاحقًا امرأة واثقة وفاعلة، يتضح أن ما تغيّر لم يكن شكلها، وإنما علاقتها بذاتها.
لبنى… ابنة النور
تولد لبنى بوصفها «خيطًا من نور»، لكن حضورها يتجاوز كونها ابنة تنمو في أسرة؛ فهي ابنة تعيد بناء والديها.
تكتشف مشكلة الصوت لديهما، وتختار العلم، وتتخصص في علاج النطق، ثم تجعل معرفتها وسيلة لمساعدة الآخرين. تمنح أمها ثقة أكبر في صوتها، وتفتح لأبيها طريقًا إلى القراءة، ويمتد أثرها إلى الجارة التي كانت تسخر من فاطمة، فإذا بها تأتي طالبةً للتعلم.
هنا تتحول المعرفة من وسيلة للارتقاء الفردي إلى فعل إنساني.
من كانت تُضحك الآخرين بتلعثمها، أصبح بيتها مكانًا يتعلم فيه الآخرون.
الصوت… الرمز الذي يتكرر بصمت
الصوت أحد أهم مفاتيح الرواية.
فاطمة تعاني من صوت متعثر، وأحمد قليل الكلام، ولبنى تتخصص في علاج النطق، والقرية تحفظ ذاكرتها بالأغنيات والحكايات، وحين تعجز لبنى عن الكلام في لحظة الخوف، تكتب رسالتها.
كأن الرواية تقول: حين يُغلق الخوف الفم، تبحث الحقيقة عن وسيلة أخرى لتتكلم.
وهذه مفارقة جميلة: الفتاة التي اختارت علاج الكلام تجد نفسها في النهاية أمام موقف يصبح فيه الكلام خطرًا، فتستعين بالكتابة.
البئر والجرة… صورتان للذات والذاكرة
لا يبدو البئر مجرد مصدر للماء؛ إنه مرآة.
حين تنظر لبنى إلى صورتها في الماء ثم تلقي الحجر فتتشوش، يمكن قراءة المشهد بوصفه صورة مبكرة لعلاقتها بذاتها وبعيون الآخرين.
ففي البداية تعكر لبنى صورتها بيدها، ثم يأتي المجتمع ليعكر صورتها في عينيها. وحين يتحول جمالها إلى سبب لملاحقة شباب القرية لها، يصبح النظر إليها تهديدًا، ويُسلب منها حقها في أن تكون ذاتًا لا موضوعًا للنظر.
أما الجرة، فهي أكثر من أداة منزلية؛ إنها وعاء للماء والبيت والمرأة والعادة والذاكرة.
وحين تهرب لبنى إلى بيت العجوز، تُلبس ثوبًا بدويًا وتحمل جرة فخار لتبدو كأنها من بنات الديرة. كأن هوية المكان نفسها تصبح، في لحظة الخوف، وسيلة لحمايتها.
حين تخاف لبنى من القرية، تحميها امرأة من القرية.
العجوز… من تهجير إلى تهجير
العجوز من أكثر الشخصيات عمقًا في الرواية. فهي لا تؤدي دور المنقذة فحسب، بل تحمل جرحًا تاريخيًا أقدم؛ فقد غاب أخوها إلى لبنان زمن النكبة عام 1948، وظل الفراق معلقًا في قلبها.
وحين تقول للبنى:
«كلنا تهجّرنا يا بنتي؛ انتِ تهجيرك من الشباب، وأنا من غدر الزمان وأهله».
ترتفع الرواية من حكاية فتاة إلى ذاكرة تاريخية أوسع.
لبنى ليست مهجّرة جغرافيًا، لكنها مُهجّرة من أمانها، والعجوز مهجّرة من زمنها وأحبتها.
وبينهما تتشكل ذاكرة نسائية لا تحفظ التاريخ في الوثائق وحدها، بل في الأغنية والقهوة والثوب والجرة والدمعة.
الأغنية… ذاكرة لا تحتاج إلى وثيقة
الأغنيات الشعبية في الرواية ليست زينة تراثية، بل لغة للذاكرة حين تعجز الكلمات العادية عن حمل الفقد.
العجوز تغني عن الغائبين والديار والأحبة، ولبنى تستعيد أمام الراهبة أعراس القرية وطقوسها وأغانيها.
امرأتان من زمنين مختلفين، لكنهما تتكلمان اللغة نفسها: لغة الفقد والحنين.
التعليم لا يعني مغادرة الجذور
لا تقرأ الرواية رحلة لبنى إلى المدرسة والمدينة بوصفها قطيعة مع القرية.
تتعلم، لكنها لا تنسى. تسافر، لكن قلبها يبقى في البيت. تعيش في المدينة، لكن رائحة الطابون تستعيد طفولتها.
بل إن الحداثة نفسها لا تأتي في الرواية لتلغي التراث؛ فأحمد يتعلم استخدام التكنولوجيا، بينما يستمر عمل الطابون ويتحول إلى مشروع يصل إلى الآخرين.
وهنا تقدم الرواية تصورًا متوازنًا للحداثة:
ليس علينا أن نختار بين الطابون والتكنولوجيا، بل أن نجعل التكنولوجيا تخدم ما يستحق البقاء.
فالتراث قد يغيّر شكله، لكن معناه يمكن أن يبقى.
«دار الأمل»… حين يتحول الألم إلى رسالة
مع تأسيس لبنى «دار الأمل» يكتمل مسار الشخصية.
بدأت طفلة تحاول مساعدة والديها، ثم صارت طالبة تتعلم، ثم امرأة تنقل المعرفة، وأخيرًا صاحبة مشروع يساند الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ويدمج التعليم بالحرف اليدوية وسرد القصص.
هنا يتحول الألم إلى فعل.
ما عانته فاطمة، وما عاشه أحمد، وما تعلمته لبنى، لا يبقى داخل الأسرة، بل يصبح خدمة للآخرين.
وهذه من أكثر الرسائل إنسانية في الرواية: أن الألم، حين يمر عبر الوعي، يمكن أن يتحول إلى معنى.
ثم يحدث الاختفاء
بعد كل هذا النور، يأتي الظل.
تلاحق لبنى عيون الشباب، ويكبر خوفها، فتلوذ ببيت العجوز وتكتب رسالتها.
وحين تصل الرسالة إلى والديها، يقرأ أحمد كلمات ابنته ويقول:
«لبنى خُلقت من نور».
أما فاطمة فتدور في الحارات وتردد:
«لبنى ملحة وذابت».
هنا تبلغ الرواية ذروتها التأويلية.
الأب يرى النور، والأم ترى الذوبان.
وبين العبارتين يتشكل مصير لبنى.
النور والذوبان
«لبنى خُلقت من نور»؛ لأنها أضاءت حياة والديها، وفتحت للجارة باب التعلم، ومهدت للأطفال طريق «دار الأمل».
أما «ملحة وذابت»، فهي العبارة الأكثر وجعًا؛ لأن الملح حين يذوب لا يعود مرئيًا، لكنه لا يصبح عدمًا.
وكذلك لبنى.
تغيب عن المشهد، لكن أثرها يبقى.
وهنا يتجاوز العنوان مصير فتاة واحدة ليصبح استعارة لمصير القرية نفسها.
ماذا ذاب فعلًا؟
المغارة، والطابون، والتبن، والطين، والبئر، والجرة، والسناسل… هل اندثرت؟ أم ذابت في زمن جديد؟
الرواية تقاوم هذا الذوبان بالكلمة. فما دام أحد يتذكر الطابون، فهو لم يمت تمامًا. وما دامت أغنية العجوز تُروى، فالغياب لم ينتصر بالكامل.
النهاية المفتوحة… حين يصبح القارئ شريكًا
لا تقدم الكاتبة جوابًا نهائيًا عن مصير لبنى. تبقى الاحتمالات مفتوحة، ويبدأ التحقيق، بينما تظل الحقيقة غائبة.
وهنا تكمن قوة النهاية.
فالكاتبة لا تغلق الباب بإجابة جاهزة، بل تتركه مواربًا، وتجعل القارئ شريكًا في البحث عن الحقيقة.
وبذلك لا يصبح الاختفاء خاتمة للرواية، بل سؤالها الأخير.
وأخيرًا…
«مِلحَةٌ وذابَت» ليست، في تقديري، رواية اختفاء بقدر ما هي رواية أثر.
أحمد وجد في ابنته نورًا، وفاطمة وجدت فيها صوتًا، والجارة وجدت بابًا للتعلم، والأطفال وجدوا «دار الأمل»، والقرية وجدت ذاكرة تحمل ما كان يمكن أن يندثر.
لهذا لا أقرأ «ذابَت» بوصفها نهاية.
فالملح حين يذوب لا يصبح عدمًا؛ إنه يصير جزءًا من الماء.
ولبنى، حين غابت، لم تأخذ نورها معها؛ لقد تركته في أمها، وأبيها، والحكايات، والتعليم، وذاكرة المكان.
لقد ذابت لبنى، لكن الرواية لم تذب.
بل لعل الحكاية تبدأ حقًا من لحظة ذوبانها؛ لأن ما يغيب عن العين قد يصبح أكثر حضورًا في الذاكرة.
وهنا تكمن براعة العنوان:
«مِلحَةٌ وذابَت» ليست جملة عن امرأة اختفت، وإنما سؤال عن كل ما نخشى أن يذوب من حولنا: الأرض، والذاكرة، والمرأة، والصوت، والحكاية، والهوية.
ولعل الإجابة التي تقترحها الرواية، دون أن تقولها صراحة، هي أن الأشياء لا تنجو من الذوبان لأنها تبقى كما كانت، وإنما لأنها تجد من يحمل أثرها إلى المستقبل.
ولبنى فعلت ذلك.
حملت الماضي إلى الغد.
ثم غابت.
وبقيت

01/09/2026 07:28 am 15
.jpg)
.jpg)