كنوز نت - عفيف قاووق- لبنان.


قراءة في رواية "تعويذة الجليلة" للروائي الفلسطيني الأسير المُحرر كميل أبو حنيش.
  • عفيف قاووق- لبنان.

عندما تتجسد القضية الأم فلسطين في قلب امرأة تحمل وجعها وتصبرمحافظة على أبنائها وتبثُ فيهم روح الكفاح والأمل فإننا نكون امام رواية "تعويذة الجليلة" الصادرة عن دار الشامل للنشر والتوزيع عام 2023،" وفيها يأخذنا الروائي الفلسطيني والأسير المُحرركميل أبو حنيش لنتعرف على سيرة ومسار الشعب الفلسطيني من خلال يوميات عائلة الجدة /الأم "الجليلة".
لا تنحصر الأحداث في هذه الرواية على حقبة تاريخية معينة ؛ بل تتطرق إلى حقبات متعددة ومتعاقبة من التاريخ الفلسطيني، رواية تعزز في الأجيال ثقافة المقاومة - بكل أشكالها- كما تحافظ على الذاكرة الجمعية. 
لا نغالي إذا قُلنا أنّ روايتنا هذه هي رواية المرأة الفلسطينية بامتياز فالشخصية المحورية فيها هي "الجليلة" - من الطفولة إلى الكهولة-، ومن خلال سيرتها يمكننا تصور معظم ما تعرض له الشعب الفلسطيني والتحولات التي عاشها منذ ما سُميَ بالنكبة وما تبعها من تهجيرقسري. ويبدو أن الكاتب أراد منها تسليط الضوء على دور المرأة الفلسطينية المجاهدة والصابرة والرؤيوية. 
اعتمد الكاتب في روايته على حضور السارد العليم وتقنية الإسترجاع بحيث ينتقل بالقارىء من الحاضر إلى الماضي ليعيده مجدداً لمواكبة الحدث دون ان يشعره بالتشتت او الضياع . فقد بدأ روايته من لحظة عودة الغائب"عودة" الى منزل الأهل ثم إنتقل بنا إلى الماضي ليسرد يوميات تلك العائلة في ظل الإحتلال البريطاني لفلسطين وما رافقه من تعديات العصابات اليهودية على السكان. 
بالعودة إلى الجليلة وكما أسلفنا فهي الشخصية المحورية في العائلة ومركز القرار فيها يخبرنا السارد ان هذه الطفلة تفتح وعيها في قريتها "الخيريّة" القريبة من يافا، على الحوش الكبير الذي يكتظ بحجرات كثيرة حيث تختلط فيها الجدّات بالعمّات والأمهات، والأباء بالأعمام بالأجداد، والإخوة والأخوات ببنات أعمامهن.(10).وتصور الرواية وداعة المجتمع الفلسطيني قبل النكبة بحيث نجد الأسرة بالرغم من كثرة أفرادها متماسكة متآلفة فمع كل صباح يتهيأ الرجال للمغادرة إلى أعمالهم في البيارات والحقول، والنساء والصبايا يتوزعنّ على اعمال منزلية متنوعة من حلب الأبقار والأغنام إلى أعمال التنظيف وغسل الملابس ونشرها أما الجدّات يقمن بتجهيز الطعام والخبز على الطابون او جرش الحبوب كالقمح والعدس(13).
تنتقل جليلة بعد زواجها من مصطفى للعيش في قرية سلمة التي ستضطر لاحقا لهجرتها قسرا والإستقرار في مخيم الفارعة في الضفة الغربية. ولو حاولنا دراسة شخصيتها ربما يمكننا استخراج العناوين التالية:
  • الجليلة رمز البراءة والوفاء:
عندما شاهدت الطفلة جليلة سيارة للإنكليز وأخرى لليهود تمران امامها تسارع لسؤال جدّها عن الفارق بين الانجليز واليهود فيجيبها لا فرق كلهم محتلون جاؤوا ليسرقوا بلادنا، وببراءة الأطفال تسأل "لماذا نقبل نحن أن يقيم اليهود مستعمراتهم على ارضنا؟".(20).
وفي موضع آخر نجد سمة الوفاء بادية في تصرفاتها وقرارتها، فبعد أن أنقذها "أمين" من الحارس اليهودي لم تفارق صورته خيالها حتّى بعد استشهاده، ورفضت الزواج من شقيقه مصطفى لانها كما قالت لجدتها مريومة "انا لا أزال أحلم به منذ أن حملني بين ذراعيه قبل سنوات، لقد استوطن قلبي وصورته لا تفارقني (49)، لكن الجدّة مريومة تمكنت من إقناعها بقبول مصطفى بعد ان شرحت لها عدم التعارض بين الوفاء لذكرى أمين (المتوفى) والزواج من أخيه.
مظهر آخر من مظاهر الوفاء الذي يميزها عندما برَّت بوعدها لتلك العجوز من بلدة "يازور" التي أوصتها بحفيدها اليتيم "بشير" اجابتها "أعدك أن أعامله كما أعامل أولادي"(58). وبالفعل نشأ بشير كواحد من أفراد اسرتها دون أي تمييز. 
  • الجليلة صاحبة النظرة الثاقبة والرأي ألمُطاع:
بعد ان لاحظت الجليلة أن زوجها مصطفى قد تمكن منه الشعور بالهزيمة والإنكسار تتوجه إليه قائلة: علينا ألا نظل منكسرين يتعين علينا النهوض من جديد، أريدك أن تتخلص من شعورك بالإنكسار والذل حتى يكون بوسعك النهوض.(68). ولكي تقرن القول بالفعل تقترح الجليلة على زوجها شراء قطعة أرض وبمساحة كبيرة لتبني عليها بيتهم الجديد في قرية الفارعة وتستثمر باقي المساحة لتنشىء بيارتها التي ستزرعها بالاشجار المثمرة وكافة أنواع الخضار إضافة إلى انشاء زرائب الأغنام والأبقار والدجاج معتبرة ان هذا هو شكل من أشكال الكفاح "فمن قال أن الكفاح يقتصر على حمل السلاح؟ ألا نكافح نحن أيضا؟ أليست هذه الأرض بقعة من أرض الوطن؟(118). ولأنها ذاقت مرارة التهجير الأول من قريتها "سلمة" فإنها تُصر على عدم الإستسلام مرة ثانية للتهجيرفتقول: لن نرحل ثانية يكفينا رحيل واحد وحنين واحد.(134).
  • الجليلة المؤمنة بعدالة قضيتها وضرورة المقاومة:
تبرزالرواية إيمان الجليلة بواجب الدفاع عن الوطن ومقاومة الإحتلال لذا عندما ساور الشك أختها عديلة بأن ابنها ربحي وعودة قد يكونان من الفدائيين تجيبها الجليلة : "دعيهما يفعلان ما يطيب لهما، وإذا كانا يعملان مع الفدائيين فهذا أمر يبعث على الإعتزاز والفخر".(136). وفي موضع آخر نراها تتبرع بقطعتي ذهب ليتمكن حفيدها فادي من شراء مسدس لحمايته. ولم تكتف الجليلة بهذا بل كانت تستقبل العشرات من المفررين وتعد لهم الطعام على مائدتها تحت شجرة البلوط وتقول لهم "أخي وسلفي استشهدا في ثورة ال36، زوجي مصطفى قاتل عام 48،إبني عودة انضم للفدائيين، وانتم الآن ثوار هذه المرحلة اسمكم المفررون، لكل مرحلة ثوارها ومسمياتها".
كما ان الإعتقال لم يخيفها فبقيت صامدة امام المحقق لا بل أكثر من ذلك استطاعت ان تؤثر في حفيدها نزار الذي سبق وان اعترف عليها تحت التعذيب بأنها تعرف مكان البارودة فكان ردها هو التالي: "إلى متى ستظل تكذب يا ولد وإلى متى ستبقى تصدق كل ما يخيّل إليك أو تحلم به؟(173) وهذا ما تنبه إليه نزار فتراجع عن إعترافاته. فأفرج عنها لاحقا وحكم على نزار بعقوبة مخففة.
  • الجليلة صاحبة رؤية سياسية:
من خلال ظاهرة الشقاق والتنافر التي نشأت بين الأختين صفية ورقية وانعكاس ذلك على تردي العلاقة بين ازواجهن عمر وبشير-أولاد الجليلة- نجدها تتدخل بحزم لتصويب الأمر، وإذا اردنا التمعن في هذا يمكن لنا القول انها تشير إلى التشققات التي اصابت النسيج الفلسطيني سياسيا واجتماعيا وبالتالي فإن الجليلة هنا تدعو إلى وحدة الصف والتضامن وتقول "نحن عائلة صغيرة خرجنا من بلدنا بثيابنا وعانينا الأمرّين، رأس مالنا هو ترابط علاقة أبنائنا وتضامنهم ولا نحمل كعائلة أي شقاق (155). 
وفي موضوع ظاهرة حمل السلاح تدلي الجليلة بمفهومها حول البندقية ودورها فتقول لحفيدها نزار "لقد رأيت المئات من الرجال ممن حملوا بنادقهم، منهم من كانوا رجالاً بحق ومنهم من كانوا زائفين"،وليس المهم ان تصبح مقاتلًا ولكن المهم ان تعرف كيف تقاتل،،ومن تقاتل ولماذا تقاتل"(173). 
ولأن الجليلة ليست من الذين يبدلون جلودهم ويمحون ذاكرتهم فإن حلم العودة لم يفارقها أبدا، لذا نجدها توصي أبناءها وأحفادها بالوصية الاساس" لا تنسوا سلمة" تلك البلدة التي هجرت مع عائلتها منها.
كما يمكننا الإستدلال على الموقف السياسي للجليلة من خلال موقفها من رجوع إبنها "عودة" بعد غيابه الطويل وعودته الملتبسة وغير المقنعة للكثيرين فكان قرار الجليلة التبروء منه ومن أفعاله حفاظا منها على وحدة بيتها الداخلي، وإذا عرفنا ان آخر محطة قبل رجوعه كانت في تونس وعاد لإستلام وظيفة في وزارة التخطيط في رام الله، عندها يصبح تبرؤ الجليلة من إبنها وكأنه تبرؤ من المسار الذي سلكه عودة وأتى به وهذا المسار قد يكون في أغلب الظن مسار أوسلو.


    إذا اردنا التوغل أيضا في محاور الرواية يمكننا أيضا تسجيل الآتي:
تداعيات الهزائم أمام العدو :
تورد الرواية في أكثر من موقف ما يمكن تسميته التخاذل العربي عن نصرة الفلسطيني في محنته يقول مصطفى زوج الجليلة : قاومناهم حتى الرصاصة الأخيرة وكنا نراهن أن نظل نشاغلهم حتى دخول القوات العربية لنجدتنا لكنهم لم يأتوا (61).
أما الجليلة فهي تروي لحفيدها أنها رأت الكثيرين ممن حملوا بنادقهم من العرب سنة النكبة لكنهم لم يحاربوا، ورأت الجنود عام النكسة وهم يلقون بنادقهم في الأودية ويفروا هاربين (173).
وتشير الرواية نتيجة للتراجع العربي أمام المحتل إلى ما يشبه الإحباط لدى مصطفى أدى إلى نوع من الفتور في العلاقة الزوجية مع الجليلة، هذه العلاقة لم يعيدها إلى سابق عهدها سوى الخطب الحماسية للزعيم عبد الناصرالتي تعد بالنصر والتحرير.
ومنذ النكبة أصبح المذياع رفيق مصطفى لمتابعة نشرات الأخبار لكنه بعد حرب تشرين وما نتج عنها من إتفاقية كامب دايفيد اعتزل المذياع وبدأ بالترحم على عبد الناصر قائلا :"عبد الناصر لم يَمُت بل هو خالد فينا بعكس خليفته، ثم يردد عبارته التي بقيت تلازمه حنى وفاته "عاش الإسم وماتت فكرة صاحبها"(166). 
  • الشباب ودورهم في حمل الأمانة:
تبرز الرواية أيضا الدور الطليعي الذي إضطلع به الجيل الشاب (شبان وفتيات)، وإيمانهم بضرورة النضال لإسترجاع ما سُلب منهم، وأصبحت البارودة بمثابة الإرث الذي ورثوه ممن سبقهم وهذا ما اقدم عليه عودة عندما التقط البارودة التي كانت مركونة بجانب والده مصطفى وقال له "انا اولى منك بها الآن لقد جاء دوري"(134) وقد ساهم عودة مع ابن خالته ربحي في العمل الفدائي ولاحقا كان لإبنه فادي الدور المهم في مقارعة الإحتلال والمشاركة في الإنتفاضة وتنظيف الساحة الداخلية من العملاء والمتعاملين وأصبحت مفردة الإنتفاضة جزءًا من الحياة اليومية في العمل والمدرسة والشارع ودور العبادة. 
ولم تكن فعاليات الإنتفاضة تقتصر على الرجال فقط بل كان للمرأة دورها أيضا في المشاركة وهذا الدور جسدته روزا حفيدة الجليلة حيث انخرطت منذ يوم الإنتفاضة بفعالياتها ودأبت على تفعيل دور المرأة ودفعها للمشاركة بالانشطة الثقافية والاجتماعية والسياسية.
ولم تغفل الرواية الإشارة إلى الافخاخ التي ينصبها الإحتلال للإيقاع واستدراج الشباب للتعامل معه والإيقاع بالفتيات واجبارهن على التعامل مع المخابرات كما حصل مع رنا صديقة روزا والتي جرى تصويرها وهي عارية في حضن رجل بتدبير من شبكة عماد وسهام. 
  • ألأسماء الواردة في الرواية ورمزيتها:
لا يمكن قراءة الرواية من دون أن تلفتنا أسماء معظم شخصياتها وما ترمز إليه وسنحاول الإشارة ولو لماما إلى بعضها:
1- التعويذة: من المتعارف عليه ان التعويذة او ما يعرف عنه بالحرز قد يتضمن بعض الأدعية او الآيات يلبسه الفرد لحمايته من الشرور، لكننا هنا أمام حرزٍ او تعويذة من نوع آخر أنه ما روته الجدة الجليلة من ذكريات وما انتهجته من أعمال وأفعال ليكونوا بمثابة الحصن الحصين للأجيال المتعاقبة من ذريتها.
2- الجليلة: فخامة الإسم تكفي للدلالة على أن هذه المرأة لديها من المكانة والمعرفة وحسن الدراية ما يؤهلها للقيادة وفرض إحترامها على الآخرين.
3- عودة: الإسم يدل على أن الفلسطيني لا تغيب عن ذهنه مفردة وحلم العودة.
4- عائد: أيضا وكما ان عودة يمثل الحلم فإن عائد يرمز إلى العودة الحتمية وإن طال البعاد.
5- فادي: وهوالفداء وبذل المهج في سبيل إسترجاع ما سُلب.
6- نصرة: تعببر عن الإنتصار ولو تأخر ألم يطرح شعار"إنها لثورة حتى النصر".
7- نداء: لا بد وان يبرز نداء الواجب لرفع الإحتلال والظلم عن كواهلنا. 
  • السلسلة الفضية والصدفة البحرية : 
صدفة بحرية إلتقطتها الحاجة عريفة في طفولتها عندما كانت تلهو على شاطىء يافا، وكانت إذا اشتاقت لسماع صوت بحر حيفا تقربها من أذنها، لا يمكن لنا ان نغفل رمزية هذه السلسلة والصدفة المدلاة منها، تلك السلسلة كانت في عنق الجدة عريفة لتذكيرها دومًا بصوت البحر القادم من يافا وحتى لا تمحى هذه الذكرى أهدتها مع بداية الرواية لحفيدتها الجليلة التي بدورها وهي على فراش الموت تهديها لحفيدتها ابنة عائد التي سميت بالجليلة تيمنا باسم جدّتها تقول الجدة الجليلة : "تعال يا ميمة انتزع السلسة من عنقي" ووضعتها في عنق الطفلة للدلالة على ان المسيرة يجب ان تستمر كما ارادتها الجليلة . 
ختاما مبارك للروائي كميل ابو حنيش هذا الإصدار الذي أرخ لحقبات زمنية متعددة من سيرة ومسيرة الشعب الفلسطيني على أمل ان تشكل هذه الرواية قيمة مضافة في المكتبة العربية والفلسطينية.