كنوز نت - علي هيبي*


كوّة نور على الشّاعر الفلسطينيّ خيري منصور وقصائده من ديوان "لا مراثيَ للنّائم الجميل" 
                                                                                                                                   
  • علي هيبي*
القصائد

فلسطين وأخواتها
لنسمِّ القتيلةَ ليلى 
وقاتلَ ليلى أخاها
لنسمِّ فلسطينَ صيدا
وبيروتَ تابوتَها أوْ مداها

الكتاب
هذهِ أوّلُ الصّفحاتِ
اقرأي يا رمالْ
ضيّعوا ملكَهُمْ وبكوا
هذهِ آخرُ الصّفحاتِ
اقلبي تجدي قبرَهُمْ
وسؤالًا منَ الدّمِ 
خطّتْهُ أيدي رجالْ

علي فودة
الأفقُ: سربُ أراملَ يعوينْ
الماءُ: سربُ أراملَ يعوينْ
الحبرُ: سربُ أراملَ يعوينْ
الخبزُ: سربُ أراملَ يعوينْ
إنّهُمْ يسجنونَ الصّدى
فالعواءُ خيانة
وأنا يا بلادَ الرّدى

في يديْ قاتلي
تركوني أمانة

نزوح
 قالَتِ الرّيحُ هذا المساءْ
منْ بلادِ الحبيبِ أتيتْ
افتحوا بابَكُمْ فالسّماءْ
أوصدَتْ 
وأنا دونَ بيتْ

الشّاهد
دعيني أشعلِ القنديلْ 
وأعدو في ظلامِ الموتْ
خذي عينيَّ في منديلْ 
لأجيالٍ 
ستولدُ بعدَ هذا الصّمتْ"
 الشّاعر الفلسطينيّ خيري منصور (1945 - 2018) كاتب وشاعر وناقد عاش في الأردنّ، وهو فلسطينيّ، وزوجته هي الكاتبة أمل منصور. ولد في قرية "دير الغصون" بالقرب من طولكرم، عام 1945، درس في الضفّة الغربيّة حتّى أنهى دراسته الثانويّة، ثمّ انتقل للدراسة في القاهرة. أثناء نكسة حزيران عام 1967، أبعدته سلطات الاحتلال الإسرائيليّ عن فلسطين، فانتقل إلى الكويت ومن ثمّ إلى بيروت فالعراق. وهناك أصدر مجلّة "الفكر العربيّ المعاصر" في بيروت وعمل في تحريرها. ثمّ عمل محرّرًا في مجلّة "الأقلام" العراقيّة، ثمّ محرّرًا أدبيًّا في جريدة "الدستور" الأردنيّة، حيث كان يكتب في أحد أعمدتها اليوميّة. شاعر كبير ذو إنتاج غزير ما بين سنة 1981 وسنة 1992، وله مجموعة من الدواوين الشعريّة وهي: "غزلان الدمّ"، صدر سنة 1981، "لا مراثي للنائم الجميل" صدر سنة 1983، "ظلال"، صدر سنة 1978، "التّيه وخنجر يسرق البلاد"، صدر سنة 1987، "الكتابة بالقدميْن"، صدر سنة 1992.
وله كتب في النقد الأدبيّ ومواضيع أخرى وهي: "الكفّ والمخرز"، 1980، "دراسة في الأدب الفلسطينيّ بعد عام 1967 في الضفّة والقطاع"، "أبواب ومرايا: مقالات في حداثة الشعر"، صدر سنة 1987، "تجارب في القراءة"، صدر سنة 1988.
عاش طفولته في قريته "دير الغصون" وكان لها أثر عليه فقد رسمت له خيالاً مكّنه من العيش وفقًا له، والكتابة بصوت يخصّه ويميّزه، ومن ثمّ يردّها إلى قواسم مشتركة تجمع سكّان الجبال الّذي يعتقد بانتسابه إليهم أنّه "أقرب إلى السماء"، وتأتي المصادفة في أن ينشأ في بيت يقع على قمّة جبل يرى منه الأشياء فتبدو أصغر، لكنّها تظهر بشكل بانوراميّ واضح ورحيب. تزامن ذلك مع احتلال فلسطين عام 1948، التي كان يؤكّد دومًا أنّه "أجهض نموّ المجتمع الفلسطينيّ كلّه"، ومنذ تلك اللحظة برع في التقاط الجزئيّ والتفاصيل، ووظّفها في سياقها ومعناها الكلّيّ. (بتصرف من مقالة عنه لمحمود منير)
توفّي الكاتب والشّاعر الفلسطينيّ الأردنيّ خيري منصور عن عمر ناهز 73 عاما، في أيلول سنة 2018. وقد نعاه الاتّحاد العامّ للأدباء والكتّاب العرب: "إنّ رحيل خيري منصور خسارة كبيرة للأدب وللصحافة والثقافة العربيّة بشكل عامّ، فقد ظلّ صادقًا متمّسكًا بمبادئه ووفيًّا لقناعاته حتّى لحظة رحيله، كما عبّر عن القضيّة الفلسطينيّة الّتي أثّرت على قصائده وعلى إنتاجه الأدبيّ والنقديّ والثقافيّ". صدرت أعماله الشعريّة الكاملة في طبعتها الأولى سنة 2006، عن "المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر"، في بيروت. وقد قدّم لها الناقد الفلسطينيّ الكبير، د. إحسان عبّاس بمقدّمة نقديّة رصينة، تحت عنوان "خيري منصور وظلاله"، بيّن فيها مزايا شعره، وممّا قاله عن قصائده القصيرة الّتي تميّز منصور بظلاله فيها: "إنّ أيّ تصفّح لهذه القصائد يدلّ على أنّها كتبت بطريقة جديدة، أو جُعلت على شكل خطوط مكتنزة بالمعاني والإشارات والتلويحات، ولا يضيرها أنّها خُطّت في سهولة ظاهرة ويسر وفي استرسال طبيعيّ"، وهذا هو فعلًا ما وجدته أثناء قراءتي لقصائده القصيرة في ديوانه "لا مراثي للنائم الجميل" وقد اخترت القصائد أعلاه منه، وقد صدر سنة 1983، بعد صدور ديوانه "ظلال" سنة 1978، وتناول د. عبّاس ديوان "ظلال" في مقدّمته للأعمال الشعريّة الكاملة، ويجدر التنويه إلى أنّ الشاعر الفلسطينيّ الكبير، محمود درويش قد ذيّل على الغلاف الأخير للأعمال الكاملة بتذييل رقيق وشفّاف وجميل، قدّر فيه تجربة منصور الشعريّة والفنّيّة الّتي تعالج الضياع والبحث عن الذات في عالم فقد الكثير من العلاقات والقيم، وفي عالم عربيّ تعرّى من قضاياه وعاش تيهًا صحراويًّا لا خلاص منه كما يبدو، وقد قال عن ذلك درويش وبانْدهاش بارز: "كم تبدو تقليديًّا يا خيري وأنت تدافع عن حقّ العرب في الهواء والغنائيّة في الشعر كي لا أقول: عن فلسطينهم ووعيهم لذاتهم، وعن غد يؤجّله حاضرهم إلى أجل غير مسمّى وتطرده تبعيّتهم إلى زمن مائع، لا ماضيه يمضي، ولا مستقبله يلوح ولو من بعيد". وقال عنه أيضًا خلال حفل تكريمه بفوزه "بجائزة أفضل كاتب مقالة في العالم العربيّ"، عام 2005: "لستَ في حاجة إلى جائزة لتُعرف؛ ولنعرف مكانتك الخاصّة والعامّة، في حياتنا العطشى إلى الماء والكبرياء، ولكنّنا نحتفل معك، لنصدّق أنّ في وُسع العرب المتعَبين أن يكرّموا أحياءهم، بعدما صارت حياة المبدع تهمة، يصعب دحضها في محكمة الحاقدين على الوردة".
ظلّ منصور وفيًّا لكلّ ما آمن به، ولتلك الخلطة "المتناقضة" الّتي كوّنت بناءه النفسيّ والشخصيّ، والّتي منها كتب قصيدة تنبني عادة على صورة واحدة تحملها فكرة بسيطة لكنّها محتشدة بالتساؤلات والإشارات الحرجة والمربِكة، حيث تحيل هذه التفاصيل المنتقاة بعناية القارئ إلى أن يربط تاريخه الشخصيّ بالجماعيّ وبالحياة بمفهومها الوجوديّ العامّ، فيقترن العابر بالخالد.                                  
لا أعرف كم من القرّاء العرب الفلسطينيّين، وبخاصّة هنا في الداخل يعرف خيري منصور الشاعر والكاتب ومؤلّفاته وسيرة حياته ونشاطه السياسيّ والأدبيّ العامّ، وما اعتقد أنّ هذا الكمّ قليل، ومن هذه المثابة اخترته لتعريف جمهورنا به كشاعر وكاتب غزير الإنتاج، وصاحب تجربة شعريّة مميّزة فنّيًّا وجماليًّا ووطنّيًّا وإنسانيًّا.
نلاحظ في قصائده القصيرة كمًّا والمكتنزة صورًا ومعانيَ أنّ الشّاعر يعيش حالة من القلق تصل به حدّ الضّياع، فلا أفق بعد الهزيمة واليأس والموت، ففي قصيدة "فلسطين وأخواتها" تبدو فلسطين قتيلة، وقاتلها ويا للمفارقة هو أخوها! الّذي كان من المفروض أن يحميها ويصونها وهي حيّة، ويأخذ بثأرها بعد قتلها، وضعها الآن أمام خيار صعب، لا خيار فيه، هكذا كان شأن "صيدا" الّتي تشكّل لها "بيروت" أختًا وتابوتًا وموتًا أو انفتاحًا على مدًى رحيب من الفراغ، هل هو الأمل والحياة، أمّ أنّه التّيه والضّياع. 
هذا هو الموت نفسه الذي نجده في قصيدة "الكتاب" قراءة عن رمال تقرأ في أولى صفحات كتاب الضياع والبكاء على ما فقدناه من مُلك ووطن، وفي آخر صفحاته سنجد رجالًا خطّت أياديهم أسئلة من الدمِ والموت، وفي سائر صفحاته إذا قلّبناها فلن نجد إلّا وطننا الذي صار قبورًا لنا بعد أن ضيّعناه، فهل يفيدنا البكاء، إنّه اليأس والضياع، فهل من معاناتهما قد ينبثق خيط أمل أو بصيص نور يستشرف غدًا يبشّر، ونعيد نحن ما ضيّعناه ففقدنا الحياة بعد أن حوّلناه بتخاذلنا إلى قبور!
لا تخلو قصيدة من قصائد منصور من مفارقة قاسية جامحة، تجعلك مخلوع اللّب، مهتزّ الوجدان والرّوح، ففي قصيدة "علي فودة" وهو اسْم لشاعر فلسطينيّ استشهد وهو يوزّع جريدة "المعركة" على المقاتلين الفلسطينيّين، أثناء اجتياح بيروت سنة 1982. وعلي فودة كموضوع في القصيدة محاط أفقه وماؤه وحبره وخبزه بالأرامل الثواكل، كأنّهنّ حيوانات عاوية في صحراء الموت وفي غابة الضياع، فقد انغلقت الآفاق وتسرّب الماء ونضب الحبر وانقطع الخبز، وكأنّ العواء خيانة في بلاد الموت والردى، وكيف لا! والمفارقة الكبرى أنّهم تركوا الشّاعر/الشّعب/ الأرامل/ علي فودة، أمانة كلّهم ولكن بين براثن القاتل.
حياة النزوح والتشرّد الدائم في الذهاب القسريّ إلى المنفى وفي العودة منه، وكأنّ العودة حلّ للنكبة، ولكنّها عند الشّاعر الّذي لا يجد ذاته ولا طريقه ولا أين تأخذه الرّيح الّتي عادت إلى الوطن ذات مساء من بلاد الحبيب، من هذه تنبعث قصيدة "نزوح"، وفي كلّ حرف من حروفها ضياع مركّب، أتت الريح تحمل أملًا، طالبة أن يفتحوا لها أبواب العودة في الأرض، بعد أن أوصدت السماء أبوابها، وما زالت هائمة بلا بيت يأويها فيحميها من الضياع بين أوهام السماء وأصقاع الأرض. 
وفي القصيدة الأخيرة بعنوان "الشاهد"، الشاعر هو الشاهد على الجريمة، يرصد بأمّ العين ويلمس بأمّ اليد ويحسّ من صميم القلب، ولكي يزداد حدّة في رؤيته وشهادته يطلب من المخاطبة أن تدعه يشعل قنديلًا كي يرى بوضوح فيجري في ظلام الموت والجريمة، ويطلب منها أن تأخذ عينيْه برفق وتضعها في منديل ناعم يقيها الخوف والعمى وتسلّمها أمانة للأجيال القادمة، علّها تقول وتنتصر على صمتنا القاتل الذي كرّسنا به نكبتنا، ولم نقل "والصمت موت" كما قال الشاعر الفلسطينيّ معين بسيسو في قصيدة "الصّمت" في حين كان يتوجّب علينا القول كبداية للفعل الوطنيّ، الذي قد يخرجنا مع الأجيال القادمة التي ستولد ولم تعرف صمتنا، علّهم يعودون بعد موتنا من ظلمات اليأس والمنفى ومن كابوس الرحيل والضياع والموت إلى نور الأمل وحلم العودة والاستقرار في الوطن.
القصيدة القصيرة عنده نبعت من إيمان بالشكل الفنّيّ المنشود من أجل المضمون السياسيّ أو الوطنيّ. في لقاء جمع بين النّاقد الأردنيّ، إبراهيم السعافين مع الناقد الفلسطينيّ، إحسان عبّاس، يقول السعافين: "قلت لعبّاس ممازحًا إنّ خيري منصور مثقّف واسع الثّقافة بلا ريب، وذكيّ شديد الذكاء، لكنّه يختزل القضايا والمسائل والعصور بكلمة واحدة". من هذه المقولة نستشفّ معنى هذه الومضات الساحرة المنعكسة من قصائد منصور القصيرة والمنبعثة من المفارقة الطافحة بالسخرية المبكية والمضحكة في آن واحد. الناقد حسين نشوان يؤكّد ما ذهبت إليه من خلاصة، فيقول: "يسيطر على الشاعر منهج الشكّ، بينما اليقين هو الخطأ، معزّزًا فكرة التضادّ التي ‏نجدها في جمل مفتاحيّة في غالبيّة كتاباته، وبخاصّة في ديوانه "لا مراثي للنائم ‏الجميل"،‏ وعلى هذا الأساس اجترح منصور فكرة الضدّيّة في كتاباته الشعرية التي تقوم ‏على الصورة وبلاغة التكثيف والمفارقة كأسلوب حداثيّ شكلًا يتواءم مع المضمون".
                                                             *علي هيبي الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين