
كنوز نت - هانم داوود
نقد في رواية في مهب الريح
نقد في رواية «في مهب الريح» للروائية هانم داود،
يتجلى السرد كلوحة تشكيلية تتصارع فيها أمواج العاطفة مع عواصف القدر؛ تقف الرواية كصرخة أدبية تسبر غور النفس البشرية، وتشرّع الأبواب أمام أسئلة مسكوت عنها في وجدان المجتمع، مفسحة المجال لقراءات نقدية وإنسانية متعددة الزوايا.
المرتكزات البلاغية والجمالية
اتسمت الرواية بتصاعد درامي متزن؛ حيث وظفت الكاتبة لغة شجية تجمع بين الجزالة والرقة، مستعارة من "الريح" رمزيتها للبلاء والتقلبات التحولية الفجائية في الحياة، ومحولةً المحسنات البديعية والاستعارات المكانية إلى مجاز مكثف لتجسيد حالة الضياع والبحث عن المرفأ.
كما انصب اهتمام الطرح الاجتماعي والسيكولوجي على الغوص في أغوار النفس؛ فالشخصيات لم تكن مجرد أسماء على ورق، بل نماذج حية تتجاذبها أطياف الأمل والألم بين مطارق الأعراف وسندان الأوجاع.
مشروعية الفكاك وأغلال الأعراف
تطرح الرواية بحس بلاغي محرق سؤال الحق: هل للزوجة حق في طلب الطلاق؟ الشرع والإنسانية يقيدان الإجابة بنعم حين تحال الحياة إلى سجن من النفور والجفاف؛ لكن المجتمع يرتدي عباءة القاضي متسائلاً بفضول لا يخلو من الوصم: هل يحق لمن حولها سلّها عن أسباب إصرارها؟ تجيب السطور بمرارة: إن الأسباب الحقيقية غالباً ما تظل دفينة في عتمة البيوت، لا تدركها أعين الفضوليين الذين لا يتقنون سوى ممارسة الجلد الاجتماعي.
المغامرة الكبرى: بين سراب العشق وضياع الأبناء
تأخذنا الكاتبة إلى المنعطف الأشد قسوة: هل تسوغ عاطفة الحب المستجدة للأم أن تقذف بأطفالها في أتون التشتت والضياع؟ تتجلى التراجيديا في أبهى صورها؛ فالمرأة التي تلهث وراء "المعشوق" حالمة بمباهج جديدة، قد تغفل عن أن السراب لا يروي ظمأ، وأن الفوز المنشود قد يكون وهمًا مصبوغاً بالحرمان.
تتداعى التساؤلات في عمق الروايه حول عدة إشكاليات:
وهم البدايات: هل المطلقة على يقين مطلق بأن هذا "العشيق" يحمل لها بين يديه الفردوس المفقود؟
صدمة الحقيقة: ماذا لو كان هذا العشيق مجرداً من الأخلاق، أو مجرماً يتخفى خلف قناع الوداد؟
صحوة الضمير: كيف تستفيق الأم حين تكتشف أن ثمن حلمها كان تشرد أطفالها من الزوج الأول؟ وما الذي ينبغي عليها فعله حينئذ سوى ابتلاع غصص الندم والمحاولة البائسة لترميم ما هدمته عواصف الرغبة؟
محاور القراءات النقدية
النقد الأسلوبي: يتجلى في التناغم البديعي بين العاطفة الجياشة وموسيقى الألفاظ والاعتماد على الصور البيانية المتلاحقة.
النقد الموضوعاتي (الثيماتي): يعالج ثنائيات (الثبات / التغير) و(الضياع / الانتماء)، فضلاً عن التنازع الحاد بين العاطفة الفردية والواجب الأمومي.
النقد البنيوي: يظهر من خلال انسجام المعمار الروائي وتماسك الخيط الزمني رغم تنقلات الذاكرة وتداعي الأفكار تحت وطأة الأزمة.
إن الزوج الثاني، في معادلة هانم داود، ليس دائمًا طوق النجاة؛ بل قد يكون الهاوية التي تكتمل بها المأساة. تظل رواية «في مهب الريح» نصاً مفتوحاً على تأويلات شتى، تستفز ذائقة الناقد وتدعو القارئ للغوص في أعماق كلماتها؛
حيث تتحول الحروف إلى أشرعة تجابه أنواء الحياة، ونكتشف في النهاية أن الحب الذي يُبنى على ركام الأبرياء لا يعقب سوى الرماد، وأن الخروج من جحيم لا يبرر إلقاء الصغار في جحيم أشد ضراوة.
هانم داود


28/08/2026 06:42 am 15
.jpg)
.jpg)