كنوز نت - الناشطة: شفاء حرزالله


المطلقة بين الزواج والرفض: 
حين يصبح الاستقرار أغلى من تجربة جديدة

في مجتمعنا، وللأسف، تُطلَق أحيانًا أحكام قاسية ومجحفة بحق المرأة المطلقة، وكأنها هي الطرف المذنب دائمًا، أو أنها خرجت عن الأعراف وانتهكت حقًا من حقوق المجتمع.

لكن ما لا يعرفه كثيرون أن نسبة كبيرة من المطلقات عشن صراعًا مريرًا، وتحمّلن الظلم والقهر والإجحاف لفترات طويلة خلال حياتهن الزوجية، حتى نفد صبرهن ولم يعد أمامهن سوى اتخاذ قرار الطلاق، بحثًا عن حياة أكثر أمانًا وراحة واستقرارًا.

فكيف يُطلب من الإنسان أن يتحمل فوق طاقته؟ وكيف يمكن لامرأة أن تستمر في علاقة تستنزفها نفسيًا وتجرّدها من أبسط حقوقها في الاحترام والكرامة؟

بعد الطلاق، تبدأ مرحلة مختلفة تمامًا. مرحلة تشعر فيها المرأة بالراحة النفسية والتحرر من علاقة أنهكتها، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها أمام سؤال صعب: هل تعيد تجربة الزواج من جديد، أم تختار الاستقلال والراحة النفسية وتواجه المجتمع بكل ما يحمله من أحكام وتحديات؟

الكثير من النساء المطلقات يرفضن خوض التجربة مرة أخرى، ليس لأنهن يرفضن الزواج بحد ذاته، وإنما لأنهن أصبحن أكثر وعيًا بما يردن وما لا يردن. فتختار بعضهن مواصلة حياتهن، وتحمل مسؤولياتهن كاملة، والعمل وبناء مستقبل أطفالهن دون أن يضعن أنفسهن مرة أخرى أمام احتمال تكرار الألم نفسه.

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لماذا تختار بعض المطلقات دفن مشاعرهن وتحمل المسؤولية كاملة، بدلًا من الزواج وإعادة التجربة من جديد؟

ربما لأن جزءًا من المشكلة يكمن في نظرة المجتمع إلى المرأة.

فلا يزال هناك، وللأسف، جزء من الرجال يتعاملون بعقلية ذكورية ونرجسية، وينظرون إلى المرأة على أنها بلا حقوق حقيقية، أو أن رأيها أقل قيمة، أو أن دورها يقتصر على الطاعة وتحمل المسؤولية والصمت.


وعندما تحصل المرأة على الطلاق وتستعيد هدوءها النفسي، تبدأ في التفكير بطريقة مختلفة. تسأل نفسها: هل أخوض تجربة زواج جديدة؟ أم أحافظ على استقراري الداخلي، وأعيش مع أولادي وفي بيتي بعيدًا عن الصراعات والمشكلات؟

فهي اليوم أصبحت قادرة على تحمل مسؤولياتها، والعمل، وتأمين احتياجاتها واحتياجات أبنائها، والقيام بالكثير من الأدوار التي كان المجتمع يربطها بالرجل.

كما أن الثقة تصبح عاملًا أساسيًا في قرارها.

تبدأ بالسؤال: هل سينجح الزواج الجديد؟ هل سيكون الرجل الذي سأختاره محبًا وعادلًا ومحترمًا؟ هل سيمنحني الأمان الذي أبحث عنه؟ أم أنني سأعيش التجربة نفسها من جديد، وأعود إلى دائرة الألم والقسوة والاستنزاف؟

لهذا، أصبح قرار الزواج بالنسبة إلى بعض المطلقات قرارًا يحتاج إلى الكثير من التفكير والتروي. فبعد أن اختبرت المرأة مرارة تجربة سابقة، لم تعد مستعدة للمغامرة باستقرارها النفسي بسهولة.

وهذا لا يعني أن المطلقة ترفض الزواج، ولا يعني أن الأرملة أو المطلقة يجب أن تختار الوحدة. فالزواج حق وخيار شخصي لكل امرأة، كما أن رفض الزواج حق وخيار شخصي أيضًا.

لكن قبل أن نحكم عليها، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بها حتى أصبحت ترى الاستقلال أكثر أمانًا من الزواج؟

فالمرأة المطلقة لا تحتاج إلى الشفقة، ولا إلى الأحكام المسبقة، ولا إلى نظرات الاتهام. إنها تحتاج إلى الاحترام، وإلى أن يُنظر إليها كإنسانة كاملة الحقوق، لها مشاعرها وقراراتها وحقها في اختيار مستقبلها.

وربما تكون الرسالة الأهم هنا:

عذرًا منكم أيها الرجال، وعذرًا منك أيها المجتمع... فربما أنتم من دفعتم بعض النساء إلى اتخاذ قرارهن بالابتعاد عن الزواج، وبالإصرار على بناء حياة مستقلة لا مكان فيها للقهر أو الظلم أو الانتقاص من الكرامة.

  • الناشطة: شفاء حرزالله