
كنوز نت - بقلم: سليم السعدي
أزمة العقل العربي في خطر
- بقلم: سليم السعدي
لم تعد أزمة العالم العربي أزمة اقتصاد أو سياسة أو أمن فحسب، بل أصبحت قبل كل شيء أزمة عقل؛ أزمة طريقة تفكير، وأزمة قدرة على قراءة الواقع وفهم المتغيرات التي تعصف بالعالم من حولنا.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات العربية اليوم ليس نقص الموارد، وإنما تعطيل الإنسان لعقله، وتحويل الاختلاف في الرأي إلى خصومة، والسؤال إلى تهمة، والنقد إلى إساءة، والمعرفة إلى أمر ثانوي أمام سلطة العادة والتقليد.
لقد أصبحنا في كثير من الأحيان نستهلك المعرفة ولا ننتجها، ونستهلك التكنولوجيا ولا نصنعها، ونناقش نتائج الحضارة الحديثة دون أن نسأل أنفسنا: لماذا تقدم الآخرون، ولماذا تأخرنا؟
العقل الذي يخاف من السؤال لا يستطيع أن يصنع مستقبلاً. والمجتمع الذي يعتبر التفكير خروجاً عن المألوف يحكم على أجياله بأن تعيش في الماضي، بينما العالم يركض نحو المستقبل.
ولا تعني الدعوة إلى العقلانية التخلي عن الدين أو الثقافة أو التراث، بل تعني أن نعيد قراءة تراثنا بعقل مفتوح، وأن نفرّق بين قدسية القيم وبين قدسية اجتهادات البشر. فالإيمان لا يحتاج إلى عقل مغلق، والثقافة لا تزدهر إلا بالحوار، والحقيقة لا تخشى السؤال.
إن أزمة العقل العربي تظهر أيضاً عندما يتحول الانتماء إلى تعصب، والوطنية إلى تخوين، والسياسة إلى عبادة للأشخاص، والدين إلى وسيلة للصراع، والمثقف إلى تابع، والإعلام إلى أداة لتكرار ما نريد سماعه بدلاً من البحث عما يجب أن نعرفه.
نحن بحاجة إلى ثورة هادئة في التعليم، تبدأ من الطفل الذي يجب أن يتعلم كيف يفكر، لا ماذا يفكر فقط. نحتاج إلى جامعات تنتج المعرفة، ومدارس تفتح أبواب السؤال، وإعلام يحترم عقل المواطن، ومؤسسات تشجع البحث العلمي، ومجتمع لا يخاف من النقد.
فالنهضة لا تبدأ من الأبنية ولا من الشعارات، وإنما تبدأ من الإنسان. وإذا تغير الإنسان تغيرت المؤسسة، وإذا تغيرت المؤسسة تغير المجتمع.
إن أخطر شيء يمكن أن يحدث لأمة هو أن تفقد قدرتها على اكتشاف أخطائها. فالخطأ ليس عيباً، لكن الإصرار عليه هو الكارثة. والاختلاف ليس تهديداً، بل يمكن أن يكون بداية للحقيقة إذا أُدير بالحوار والاحترام.
لقد آن الأوان أن نخرج من عقلية السؤال: من المخطئ؟ إلى عقلية السؤال الأهم: أين الحقيقة؟
وأن ننتقل من الدفاع عن الأشخاص إلى الدفاع عن المبادئ، ومن تقديس الماضي إلى فهمه، ومن الخوف من المستقبل إلى صناعة المستقبل.
العالم لا ينتظر أحداً. ومن لا يملك المعرفة سيصبح تابعاً لمن يملكها، ومن لا يصنع التكنولوجيا سيستهلكها، ومن لا يملك قراره الفكري والسياسي سيجد الآخرين يقررون عنه.
لذلك فإن إنقاذ العقل العربي ليس ترفاً فكرياً، بل هو معركة وجود.
نحن لا نحتاج إلى عقل عربي يقلّد الشرق أو الغرب، بل إلى عقل عربي يستفيد من تجارب الجميع، ويحافظ على هويته، ويعيد بناء نفسه على أساس العلم والحرية والكرامة والعدالة.
إن الأمة التي تعيد للعقل مكانته تستطيع أن تنهض، مهما كانت جراحها. أما الأمة التي تخاف من العقل، فسوف تبقى أسيرة للخوف والتخلف والصراعات التي لا تنتهي.
أزمة العقل العربي في خطر، ولكن الخطر الأكبر هو أن ندرك الخطر ثم نرفض أن نغيّر شيئاً.
سليم السعدي
كاتب وفنان
26/08/2026 11:22 pm 27
.jpg)
.jpg)