
كنوز نت - حسن عبادي| حيفا
متنفَّس عبرَ القضبان (199)
- حسن عبادي| حيفا
بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024.
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بالأهالي محاولاً أن أكون جسراً بينهم وبين بناتهم عبر القضبان؛
- سُئلت في أكثر من لقاء: لماذا تنشر عن اللقاءات؟
سمعت آهات حرائر الدامون وصوت البسمة التي ارتسمت على وجوههن آخر كلّ لقاء؛
سمعت من غالبيّتهن بأنهن انتظرن اللقاء، والبعض حلِمن به، ليشاركنني ما مررن به من لحظة الاعتقال ورحلة العذاب ودرب الآلام حتى وصول الدامون؛
لمست في لقاء الأسيرات توقهن للحديث عن أوجاعهن، ومشاركة "غريب" ليصغين لصدى ألمهن ويُخرجنَ كلّ ما يضايقهن ليسترحن من هذا الحمل الثقيل، وخبّرنني أنّ إحداهن نامت ليلها الطويل للمرّة الأولى منذ اعتقالها بعد لقائنا والحديث، للمرّة الأولى، عمّا مرّت به مذ ساعة الاعتقال:
سؤال تردّد على لسان غالبيّتهن "مش حابب تعرف شي عن الاعتقال؟"؛ وجدت في اللقاءات تفريغاً كبيراً؛
غلب الطابع الإنساني على تلك الزيارات، وأخبرنني كثيرات منهن "مش مصّدقة حالي إنّي حكيتلك شو صار معي، حتّى لإمي وأبوي مش متخيّلة حالي أحكي"؛
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي البغيض، وهذا أضعف الإيمان؛
- وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
حين غادرت بوابة السجن جاءني لقائي براتب حريبات [1] في سجن نفحة الصحراوي وما دار بيننا؛ كان في صغره يعشق العصافير وصيدها في البراري، وحين تعرّف على عصافير آدميّة بات يكرهها، وخاصّة بعد تعرّفه على عصافير عوفر ومجيدو، نفس الخطأ يتكرّر، الوقوع مع العصافير، ولم يأخذ شبابنا العبرة ممّا كتبه الصديق وليد الهودلي [2] في "ستائر العتمة"... ما أشبه اليوم بالأمس!
عقّب الشاعر عبد القادر مراعبة: "بوركت جهودك الرجل الحر الذي لا تكل عزائمه، يخترق تلك الأبواب المغلقة ليشتم رائحة الظلام هناك، حيث الوحدة هي الرفيق الوحيد لأنفاسٍ تشهق متى وعد الله؟!
وعد الله قريب إن شاء الله... ستضيء حولكم وحولكن شعلة الخلاص... وما ذلك على الله بعزيز".
وعقّب رامي رمانة: "دمت ودام نبض حسك الوطني فأنت خير من يحمل رسالة أسرانا وخير من يسلط الضوء على قضيتهم العادلة ... بوركت".
- "عارفة مش جاي نزهة"
زرت صباح الأحد 12.07.2026 سجن الدامون، والتقيت مباشرة بالأسيرة ربى محمد عبد الجليل قمحية؛ (مواليد 16.11.1967 من نابلس)، أم لولدين وابنتين، وجدّة لخمسة أحفاد.
بعد التحيّة أوصلتها رسائل العائلة؛ ورشة الترميمات بالبيت (جوزي يعمل يلّي بشوفه مناسب، الله يبارك فيه ويحفظه)، عبود خلّص تغيير الديكور بالمحل، الحفيدة الصبية الشلبية سارة من 3 شهور لهلأ وهي كل يوم بتطلب تشوفك عالتلفون صور وفيديوهات وبتضل تذكرك، والحفيد السيد يوسف فطم حاله عن الرضاعة مفكر حاله كبير، وطمأنتها على صحّة الوالد وقعدات أختها حنين، وتخرّج سوما، بتبارك لها، فتنهّدت وارتاحت.
حبّيت كيف شفت سعد يوم المحكمة.
اعتقلت فجر 09.04.2026، الساعة الثالثة، من البيت إلى حوارة، الجلمة، الشارون (5 أيام، سيئ، ما أكلت شي هناك)، الدامون.
- عارفة مش جاي نزهة.
ربى بغرفة 7؛ برفقة أسيا مرعي، لينا وزوز، آلاء عبده، فاطمة/ سلواد وإسلام حماد.
في الغرفة 3 أبراش؛ ع الأرض آسيا وآلاء وإسلام. الغرفة كثير صغيرة، مرطّبة، معفّنة، كثير قارص، أربعينيّة بتتجوّل بالغرفة، ذبّان مملّي الغرفة، ريحتها مقرفة وقاتلة. مضغوطة. شو بصير لو بينفتح الأشناب تتهوّى الغرفة؟!
غرفة 8 بعدها بعقاب شديد. صادروا المصاحف.
ضروري جداً فتح الأشناب.
سلامات للجميع. إمكم بتثبّت سورة البقرة.
سلام خاص لكريم (خالتك كثير بتحبك وإن شاء الله بتشوفك بأعلى المراتب).
مشتاقة أعبط الأحفاد، أشوف أبوي، ومستفقدة آكل البوظة وأشرب القهوة مع أختي حنين.
- "يا دوب بنتنفّس"
بعد لقائي بالأسيرة ربى قمحية، أطلت الأسيرة yyy" "، طالبة علم حاسوب في جامعة بير زيت.
بعد التحيّة أخبرتها أنّ العائلة تواصلت معي لزيارتها وبعد أن أعلمتهم بترتيب الزيارة بعثوا لي برسالة "إن شاء الله الجمعة أو السبت الصبح ببعث الرسالة"، ثم وصلتني رسالة لاحقة "... إذا سمحت تشيل "yyy" من زيارة الأحد وحط صبية ثانية..."، بعثت رسالة للسجن، ولكنهم أحضروها لغرفة المحامين خلال لقائي بربى ولم أرغب بتخييب أملها والتقينا.
حدّثتني عن الاعتقال فجر 24.03.2026 ودرب الآلام عبر الشارون وصولاً إلى الدامون.
yyy" " بغرفة 1؛ برفقة ياسمين شعبان، مياس عرمان، دعاء جرارعة، ملاك مرعي وبراءة عواودة. غرفة صغيرة، 3 أبراش، 3 صبايا بناموا ع الأرض.
الوضع كثير صعب بالصيف، رطوبة عالية، يا دوب بنتنفّس. أشهر 4،5،6 كانوا صعبات من جهة القمعات. الصبايا قويات، معنوياتنا عالية.
90 أسيرة بالدامون. غرفة 8 معاقبة. 3 صبايا بالعزل؛ شيرين وآية ونداء. سحبوا المصاحف. 3 بنات وزنهن تحت المفروض وبحاولوا يزيدوا لهن أكل.
بعرف السجن مرحلة صعبة وغداً تطير العصافير وتنتهي الحكاية.
طلبت إيصال رسالة وسلامات لأهلها؛ تقلقوش، مربيّين جبل.
مباشرة بعد مغادرة الدامون تواصلت مع أهلها وأوصلتهم رسالتها وفوجئت برنقيّة منهم جاء فيها " الرجاء عدم النشر بطلب من الأهل"!
لكن عزيزتيّ ربى و"yyy" أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون.
الدامون/ حيفا تموز 2026
[1] تحرّر راتب حريبات يوم 30.07.2024
[2] اعتقل وليد الهودلي مجدّداً يوم 21.01.26
24/08/2026 11:29 am 28
.jpg)
.jpg)