.jpg)
كنوز نت - بيان للصّحافة
تمّوز/ يوليو 2026
دَيْمومَة الإعمار: حيفا تواجه محوَها
- عروة سويطات وهمّت زعبي ضيفا جيرَة في فتّوش
أطلق «فتّوش» في حيفا برنامجه الثقافيّ الجديد «جيرَة- سلسلة ثقافيّة»، بمحاضرة تفاعليّة عنوانها «دَيْمومَة الإعمار: حيفا تواجه محوَها»، قدّمها الباحث عروة سويطات، وعقّبت عليه الباحثة همّت زعبي.
افتتح الحدث القيّم على البرنامج، الشاعر والباحث علي مواسي، مرحّبًا بالحضور وشاكرًا ثقته الكبير، معرّفًا بروح البرنامج، رؤيته وخطّته، قائلًا "إنّ ’جيرَة‘ لفظة دالّة على الألفة، والمحبّة، والأهليّة، كما الصّحبة والمعرفة الطيّبة بين الناس، وأيضًا أن يلجأ الإنسان إلى ما يأمنه ويواسيه ويخفّف عنه. وهْيَ تلتقي وتتناصّ مع مبادئ ’المجاورة‘ لدى المفكّر التربويّ منير فاشة، الّتي استلهمها مِن الموروث العربيّ والإسلاميّ وبنى عليها، مستكملًا مشروع مَنْ يمكن أن نعدّه أبا التربية الفلسطينيّة الحديثة، خليل السكاكينيّ، مؤسّس ‘المدرسة الدستوريّة‘ في القدس عام 1909، حيث التعلّم حرّ وتحرّريّ، أهليّ ومُوَطَّن، غير هرميّ أو بيروقراطيّ أو كمّيّ وعموديّ التقييم، بل هو عيش جماعيّ وفعل مجتمعيّ، يؤمن أنّ قيمة المرء ما يُحْسِنُه، وهذه هي المعرفة والثقافة الّتي نريدها في ‘جيرَة‘، معرفة صُحْبَةٍ وأهل، أمانٍ وإحسان".
كما أشار مواسي إلى أنّ إطلاق السلسلة يتزامن مع ذكرى ميلاد ’فتّوش‘ الـ 28، لصاحبيه وديع وعايدة شحبرات، حيث افتُتِحَ في مثل هذه الأيّام مِن شهر تمّوز/ يوليو عام 1997 في جادة الكرمل بحيّ الألمانيّة، وله الحقّ أن يحتفي ويحتفل بنفسه لدوره الثقافيّ والمجتمعيّ والجماليّ الممتدّ ثلاثة عقود في مدينة حيفا. وقد شكر الطاقم الّذي تمكّن في فترة قياسيّة مِن الإعلان عن ولادة «جيرَة» وإنتاج حدثها الأوّل؛ المخرج والروائيّ بشّار مرقص مستشارًا للبرنامج، ومدير «فتّوش» التنفيذيّ بيان شقير، والمصمّم وائل واكيم، ومسؤول الإضاءة والصوت هاني هردل، وعموم طاقم «فتّوش».
إعادة التموضع واستعادة الأنقاض
في محاضرته المعنونة بـ «دَيْمومَة الإعمار- حيفا تواجه محوَها»، استعرض د. عروة سويطات، الباحث في الدراسات الفلسطينيّة، مشروعه البحثيّ في جامعتي «هارفارد» و«براون» حول العلاقة بين الناس والأنقاض في المدن المُهَدَّمَة، مِن خلال نموذج مدينة حيفا تحديدًا، رابطًا إيّاها مع حالة مدينة غزّة وقطاعها، مع التركيز على فاعليّة السكّان الأصلانيّين في استعادة سرديّاتهم وأحيازهم في مدن تاريخيّة تعرّضت للهدم، وإستراتيجيّات إعادة التموضع في مواجهة سياسات الاقتلاع المستمرّ.
استعرض سويطات منهجيّة البحث متعدّدة الأدوات، الّتي شملت حوسبة الخرائط التاريخيّة، وتطوير برمجيّة ذكاء اصطناعيّ مخصّصة، ورَقْمَنَة التاريخ الشفويّ وأرشيف الأوقاف، وإجراء مقابلات مع مختصّين ولاجئين، وصناعة أفلام تروي قصص الصمود والاستعادة، إلى جانب تطوير نموذج تخطيطيّ يقترح تصوّرات تخطيطيّة مستندة إلى الإرث التاريخيّ والبيانات المُرَقْمَنَة. وقد أنتجت هذه الأدوات مجتمعةً خرائط متعدّدة الطبقات الزمنيّة والسرديّة. وفي نهاية المحاضرة، عُرِضَتْ أربعة أفلام قصيرة مِن المشروع، تناولت أحيازًا دينيّة وثقافيّة جرى استعادتها في مدينة حيفا.
وخلص سويطات إلى أنّه، مِن خلال مادّيّة الأنقاض ومعانيها، يستمرّ الناس في الحياة، ويقاومون ويصمدون في وجه الاقتلاع. ومِن خلال ممارساتهم وسرديّاتهم، تُسْتَعاد الأنقاض، وتُحْمى، وتُرَمَّم، وتُجَدَّد، ويُعاد تصوّرها بوصفها أحيازًا حيّة في الحاضر، لا أطلالًا على هوامش الذاكرة.
’حيفا التحتى‘ على أنقاض ’حيفا العربيّة‘
جاءت مداخلة د. همّت زعبي، الباحثة في علم الاجتماع الحضريّ بجامعة «Eume»، تعقيبًا على مشروع عروة سويطات، مضيفةً منظورًا سوسيولوجيًّا للهدم والإعمار مِن خلال قراءة الحيّز الحضريّ بوصفه نتاجًا لعلاقات السلطة وأداةً لإعادة إنتاجها. وبيّنت أنّ سياسات الهدم والإهمال الإسرائيليّة بعد عام 1948 لم تكن مجرّد نتائج للحرب والنكبة، بل شكّلت مشروعًا متواصلًا لمحو المركز المدنيّ الفلسطينيّ وإعادة تشكيل المدينة. وأشارت إلى أنّ تحويل ’حيفا العربيّة‘ إلى ’البلدة التحتى‘ عكس تغييرًا في نظرة السلطة إلى الحيّز الفلسطينيّ، مميّزةً ذلك عن مقاربة الاستعمار البريطانيّ الّتي تعاملت مع المدينة بوصفها تراثًا يُحْفَظ ويُسْتَغَلّ، لا فضاءً حيًّا، في مقابل مشروع ’حيفا الجديدة‘ الّذي ارتبط بازدهار المدينة في عهد ظاهر العمر الزيدانيّ.
وتناولت المداخلة التحوّلات اللاحقة، مستعرضةً نشوء ‘النظام البيئي الثقافيّ غير الدولتيّ‘، وهو شبكة مِن المبادرات الثقافيّة والمؤسّسات الأهليّة والمشاريع المستقلّة الّتي أسهمت في إعادة إنتاج الحياة المدنيّة الفلسطينيّة، وحفظ الذاكرة، وبناء العلاقات الاجتماعيّة، وابتكار أشكال جديدة مِن الفعل الثقافيّ والسياسيّ. وفي المقابل، حذّرتْ مِن محاولات احتواء هذا الحضور عبر سياسات التجديد الحضريّ والاقتصاد الثقافيّ، الّتي تُعيد تقديم الثقافة الفلسطينيّة بوصفها عنصرًا مِن عناصر ’التنوّع الثقافيّ‘، مع تجريدها مِن أبعادها الوطنيّة والسياسيّة، مؤكّدةً على أنّ الصراع على المدينة يمتدّ إلى الذاكرة والثقافة والحقّ في تعريف المكان وإنتاجه.






01/08/2026 05:39 pm 19
.jpg)
.jpg)