
كنوز نت - بقلم الشاعر علي هيبي*
الذاكرة عند عمر سعدي كالقناعة كنز لا يفنى
(مقدّمة كتاب رحيق الذاكرة)
بقلم الشاعر علي هيبي*
أعرف الرفيق عمر سعدي منذ زمان طويل، كنت ولدًا لا يعي من أمور السياسة شيئًا، عندما كنت أراه في قريتي "كابول" عندما كان يحضر ليشارك ويحاضر في اجتماعات الشيوعيّين، وكان عددهم في تلك الفترة من بعد أواسط الستّينيّات أكثر بقليل من عدد أصابع اليد الواحدة، وأقلّ من عدد أصابع اليديْن الاثنتيْن. لم أكن واعيًا لشيء من كلّ ذلك، ولكنّي كنت أحسّ بميل عاطفيّ لأولئك النّاس الذين يصرخون ضدّ الظّلم، ويقفون ضدّ السّلطة الّتي تظلم العرب.
عمر سعدي كان أحد الرفاق الذين صنعتهم التجارب وتفولذوا في ساحات الكفاح وانصقلوا في ميادين المواجهة المباشرة، بأكفّهم التي لاطمت مخارز السلطة، ولا شكّ في أنّهم صاروا من صنّاع التجارب ومبدعي أساليب النضال السياسيّ والوطنيّ، وبخاصّة بما سطّروه من حروف نور وسطور ذهب في يوم الأرض الخالد، سنة 1976، ذلك اليوم المفصليّ الذي فيه استطاعت الجماهير العربيّة الفلسطينيّة من كسر طوق الخوف الذي فرضته سياسة التخويف والترهيب الحكوميّة، وأبرزها ممارسة مصادرة الأرض العربيّة، وكافّة أساليب التّمييز العنصريّ ضدّ العرب، حتّى طفح الكيل عندما صادرت الحكومة بذرائع أمنيّة أرض "الملّ" المحاذي لقرى يوم الأرض، ما عرف إثر ذلك بمثلّث يوم الأرض: سخنين، عرّابة ودير حنّا، في هذا اليوم أريقت دماء الشهداء زكيّة، طاهرة روت الأرض بكرامة الانتماء وشرف الكفاح الشعبيّ، الذي سجّل أسطورة "الكفّ لاطم المخرز".
المناضل عمر سعدي المولود سنة 1938 كان شابًّا في مقتبل العمر ورجلًا في ميدان الكفاح وقائدًا شيوعيًّا في صميم المواجهة، كان عمره آنذاك 38 ربيعًا، لم يكن متفرّجا على الأحداث ولم يكن مشاركًا فيها من بعيد، بل كان من صانعي المأثرة الكبرى، كان وبحقّ من القادة الذين قادوا الكفاح والمواجهة المباشرة مع السلطة، في أزقّة قريته "عرّابة البطّوف". ولا نغالي لو قلنا إنّ كلّ ما حدث كان من صنع الشيوعيّين وحزبهم الشيوعيّ، وأصدقائهم الوطنيّين، ومن ثمّ جبهتهم، الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساوة التي تأسّست بعد يوم الأرض بقليل، وبعد انتصار جبهة الناصرة الديمقراطيّة في الانتخابات البلديّة ووصول المناضل الكبير الفقيد توفيق زيّاد إلى رئاستها. وعندما أقول لا نغالي، فقد كان البيان القصير الذي تلاه زيّاد في "شفاعمرو" "الشعب قرّر الإضراب"، كان ذلك شرارة انطلاق النضال عشيّة يوم الأرض، ومن الشرارة اندلع لهيب الكفاح الشعبيّ الذي تكلّلت انتصاراته بعودة أرض "الملّ" لأصحابها الفلّاحين، وكان من أبرز نتائج هذه المأثرة الكبرى أن تحوّلت الجماهير العربيّة من واقع القبول والإذعان لممارسات السلطة إلى واقع رفض تلك الممارسات، فقد تحوّلت الجماهير العربيّة من القبول بالذلّ إلى السلوك في طريق جديد، طريق الكرامة. وكان عمر سعدي ورفاقه هناك في الطريق مع سائر الوطنيّين والشرفاء.
وما زال عمر سعدي وهو اليوم ابْن ال88 ربيعًا ثابتًا، مناضلًا، فلم أشهد مظاهرة أو وقفة كفاحيّة إلّا وكان في طليعتها، ولم أشارك في مؤتمر جبهويّ أو في اجتماع حزبيّ إلّا والتقيته فيه، ورغم كلّ ما يستحقّه من تقدير ظلّ متواضعًا على طريق التفاني والعطاء غير المحدود.
ولأنّ عمر سعدي الشاهد الأمين يدرك أهمّيّة ما حدث، وبخاصّة للأجيال القادمة، التي لم تعش تلك الأحداث، بدأ يكتب ويوثّق أوّلًا، ولكنّه في كتابته وتوثيقه لم يكن محايدّا، بل كان منحازًا إلى الناس والأرض ونبل الكفاح واستقامة الطريق ونظافة اليد، مع أنّه مزج انحيازه الذاتيّ بنزاهة وموضوعيّة كي تكتسب مكانة الوثائق والموادّ التي قد تكون مستقبلًا مراجع لدراسة تلك المرحلة الفاصلة في تاريخ مواجهة المجتمع العربيّ الفلسطينيّ للسياسة الحكوميّة الإسرائيليّة الرسميّة. وممّا يسجلّ للكاتب عمر سعدي أنّه قبل هذا الكتاب "رحيق الذاكرة" كان قد أصدر ثلاثة كتب: كتاب "دروب وأشواك" صدر سنة 2018 وكتاب "صقور ونمور" سنة 2020 وكتاب "مأثرة يوم الأرض الخالد" صدر 2010. وعلى وجه الاختصار، كلّها كانت مستقاة من المجتمع، من حياة الناس، من الفلّاحين وقصصهم، من النازحين والمهجّرين وحكايات معاناتهم، ولعلّ يوم الأرض يقف محورًا رئيسًا في موادّ مؤلّفاته الأربعة، لما لهذا اليوم من أثر خالد عند الكاتب وعند الجماهير. ويدرك عمر سعدي ضرورة تنظيم الحركة الأدبيّة ورعاية شؤون الأدباء، ولذلك كان من أوائل الداعين لتأسيس اتّحاد يشكّل إطارًا تنظيميًّا لهم ولنشاطاتهم، وهو اليوم عضو بارز في اتّحادنا "الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين".
هذا الكتاب سلّمني موادّه وقال: صحّح، نقّح ولك مطلق الحرّيّة في التعديل والتغيير، ولكنّي بعد أن فعلت، أعترف أنّني صحّحت ونقّحت ولكنّي لم أمنح نفسي - رغم ثقته بي – أن أبدّل في تجربته ومضامينه ودلالاته ككاتب عاش ما كتب وأدرك قيمة ما كتب. لقد سمّيت الكتاب "رحيق الذاكرة"، بعد استشارته وموافقته، لأنّني رأيت أنّ عمر سعدي ينهل من ينبوع ذاكرته الفيّاض، أو كأنّه نحلة عاملة، كادحة يبحث عن رحيق الحكايات القرويّة والمآثر الوطنيّة كما تبحث النحلة عن رحيق الأزهار والورود، ومن ثمّ ليقدّمها للقارئ والمتلقّي أطباقًا شهيّة من العسل الحرّ. قيمة هذا الكتاب لا تقتصر على موادّه المتنوّعة، قصصًا وحكايات، مقالات سياسيّة وصور اجتماعيّة، مواقف وأدبيّات متنوّعة، بل ما يزيد من قيمة هذا الكتاب هو رسالته الخالدة خلود يوم الأرض، وبخاصّة للأجيال القادمة كي تعرف وتدرك وتتعلّم وتتربّى على هذا النهج الكفاحيّ القويم وعلى صراط الكرامة المستقيم. (انظر خبر عن صدور الكتاب في هذا العدد)
*الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين
14/07/2026 05:28 pm 19
.jpg)
.jpg)