
كنوز نت - بقلم: د. غزال أبو ريا
في ذكرى وفاة المربي الأستاذ جمال طربية (أبو الأدهم)
رئيس المجلس المحلي في سخنين (1972–1983) وأحد قيادات يوم الأرض الخالد
- بقلم: د. غزال أبو ريا
في ذكرى وفاة المربي الفاضل الأستاذ جمال طربية (أبو الأدهم)، نقف بكل وفاء وإجلال أمام سيرة رجلٍ ترك بصمةً راسخة في التربية والوطن والمجتمع. فقد كان صاحب نهجٍ تربوي أصيل، آمن بأن التعليم رسالة قبل أن يكون مهنة، فكرّس حياته لبناء الإنسان، وربّى أجيالًا على العلم والأخلاق والانتماء. ورغم مرور السنوات على رحيله، ما زالت ذكراه حيّة في قلوب طلابه ومحبيه، وما زالت مواقفه التربوية والوطنية والإنسانية شاهدة على حياةٍ حافلة بالعطاء.
عرفت الأستاذ جمال طربية معلمًا لي في المدرسة الابتدائية، فكان من أوائل الذين تركوا في نفسي أثرًا عميقًا لم تمحه الأيام. لم يكن يكتفي بتعليمنا داخل الصفوف، بل كان يرى في طلابه أبناءً يستحقون أن تُفتح أمامهم أبواب المستقبل، فيغرس فيهم الثقة بالنفس، وحب المعرفة، والطموح، والإيمان بقيمة التعليم. وكان يربّي بالكلمة الطيبة، والقدوة الحسنة، والإخلاص لرسالته، فاستحق محبة طلابه واحترامهم.
وتعود بي الذاكرة إلى عام 1975، عندما كنت طالبًا في الصف الثاني عشر. حضر المرحوم إلى بيتنا، وقال لوالدتي: «بدي غزال ييجي معي على التخنيون». فابتسمت والدتي وقالت: «بنطلون غزال مش ناشف… بدّه شوي وقت». انتظرني بصبر، ثم انطلقنا بسيارة الـ«بيجو تندر» التي كان يقودها المرحوم أبو الكامل غنايم، رحمه الله، متجهين إلى حيفا.
في تلك الزيارة تشرفت بمرافقته في لقاء مع رئيس التخنيون، وكنت يومها طالبًا خجولًا أراقب كل ما يدور حولي، بينما كانت أسئلة المستقبل والعلم والحياة تملأ ذهني. وبعد ذلك حضرنا في قاعة التخنيون مسرحية «رجال في الشمس» للأديب غسان كنفاني، بإخراج الأستاذ رياض مصاروة، وكان الأستاذ رامز جرايسي رئيسًا للجنة الطلاب العرب في التخنيون. ثم انتقلنا إلى يوم الطالب في جامعة حيفا، وهناك تشرفت بلقاء البروفيسور جورج قنازع، رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة آنذاك. وكانت تلك الرحلة بالنسبة لي مدرسةً في الحياة قبل أن تكون رحلةً علمية، إذ فتحت أمامي آفاقًا جديدة ورسخت في نفسي قيمة التعليم العالي والانتماء، ولا تزال محفورة في ذاكرتي حتى اليوم.
ومن الذكريات التي تؤكد مكانته الإنسانية، ما رواه لي عام 1984 أخي العزيز الأستاذ رياض كبها (أبو محمود)، عندما حدثني عن أول زيارة له إلى سخنين عام 1970 لإجراء بحث ميداني. قال: «كانت أول محطة لنا بيت الأستاذ جمال طربية، لكنه لم يكن موجودًا في المنزل، فاستقبلتنا أم الأدهم بكل ترحاب، وقالت: تفضلوا، اقضوا أعمالكم، ثم عودوا لتناول الغداء». وبعد أن أنهوا مهمتهم عادوا إلى بيت أبي الأدهم، حيث استقبلهم بكل محبة وكرم. عندها أدركت أن بيت أبي الأدهم لم يكن مجرد منزل، بل كان بيتًا مفتوحًا لأهل البلد وضيوفها، وأن الكرم وحسن الضيافة كانا نهجًا أصيلًا في هذه الأسرة الكريمة.
ولم يكن الأستاذ جمال طربية مربيًا فحسب، بل كان أيضًا قائدًا مجتمعيًا حمل هموم أبناء سخنين ووطنه. فقد تولّى رئاسة المجلس المحلي في سخنين بين عامي 1972 و1983، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ المدينة والجماهير العربية في البلاد، اتسمت بتحديات كبيرة، وعمل خلالها بإخلاص من أجل خدمة أبناء مدينته، وتعزيز مؤسساتها، والدفاع عن حقوق أهلها.
وكان للأستاذ جمال طربية، بصفته رئيس المجلس المحلي في سخنين، دورٌ بارز في الإعلان عن يوم الأرض الخالد في الثلاثين من آذار عام 1976، وفي الإعداد لهذه المحطة الوطنية التاريخية التي شكّلت منعطفًا مهمًا في مسيرة الجماهير العربية في البلاد دفاعًا عن الأرض والهوية والحقوق. وقد جمع بين رسالته التربوية ومسؤوليته الوطنية، فكان يؤمن بأن التربية الصادقة لا تنفصل عن خدمة المجتمع، وأن بناء الإنسان والدفاع عن الأرض والكرامة هي رسالة واحدة.
رحل الأستاذ جمال طربية (أبو الأدهم) جسدًا، لكن حضوره بقي حيًا في ذاكرة طلابه وزملائه وكل من عرفه، وسيظل مثالًا للمربي المخلص، والإنسان الكريم، والقيادي الوطني المسؤول الذي جمع بين رسالة التربية وخدمة المجتمع. لقد آمن بأن بناء الإنسان هو أساس بناء المجتمع، وأن العلم والانتماء والكرامة هي الركائز التي تُبنى عليها الأوطان، فترك إرثًا تربويًا ووطنيًا سيبقى حاضرًا في وجدان أبناء سخنين والأجيال القادمة.
إن الوفاء لأمثال الأستاذ جمال طربية لا يكون بالرثاء وحده، بل بحفظ سيرتهم، وتوثيق عطائهم، واستلهام قيمهم، ليبقى أثرهم حيًا في الذاكرة الجماعية. فهم لا يصنعون طلابًا فحسب، بل يصنعون أجيالًا، ويؤسسون لمسيرة مجتمع بأكمله. رحم الله المربي الأستاذ جمال طربية (أبو الأدهم)، رئيس المجلس المحلي في سخنين (1972–1983)، وأحد قيادات يوم الأرض الخالد، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم وعطاء وخدمة لوطنه ومجتمعه في ميزان حسناته، وأبقى ذكراه الطيبة خالدة في وجدان أبناء سخنين وكل من تتلمذ على يديه.
04/07/2026 09:08 am 23
.jpg)
.jpg)