كنوز نت - علي هيبي


مونديال سياضيّ  (سياسيّ رياضيّ)
                                                                                   
  • علي هيبي
كنت أشاهد مباراة منتخب البرتغال الأوروبيّ ومنتخب جمهوريّة الكونغو الدّيمقراطيّة الأفريقيّ، ضمن ألعاب كأس العالم لهذا العام 2026، والّتي تقام في ثلاث دول: أميركا وكندا والمكسيك. ولكنّ المباريات مهما كانت قويّة رياضيًّا أو مثيرة فنيًّا لم تكن لتلهيَني عن الأخبار السّياسيّة المتعلّقة بمنطقتنا، في إيران ولبنان، خاصّة وهي تترنّح وتتحرّك بشكل غير رياضيّ، بين المواقف الأميركيّة المتقلّبة والمتغيّرة صباح مساء، ومع كلّ تصريح ترامبّي، وكلّ ذلك في أجواء كالحة، وحوار دائم حول مَن المحرِّك ومَن المحرَّك، هل ترامب يأمر ونتنياهو ينفّذ أم العكس؟ وهو حوار مفرغ وبلا قيمة، لأنّ لكلا الاثنيْن غالبًا أهدافًا ومصالح مشتركة في منطقتنا العربيّة والإسلاميّة، وبين المواقف السّياسيّة الرّاسخة لإيران وإيمانها بحقّها في الدّفاع عن سيادتها وثرواتها أمام الهجمة الغربيّة عامّة والأميركيّة خاصّة والإسرائيليّة توسّعًا والخليجيّة خنوعًا، وسواء كان الآمر هو ترامب والمأمور هو نتنياهو أو العكس، وهما بغلان على مربط مصالح واحدة، فإنّ إيران تتربّص في كلّ الأحوال، ترصد الميدان العسكريّ والسّياسيّ كما تربّص لاعبو منتخب الكونغو الدّيمقراطيّة الفقير للمنتخب البرتغاليّ الغنيّ والعريق، ورصدوا حركاته وسدّدوا هدف التّعادل. وقد يكون الانسجام بين إيران الثّورة والدّولة والشّعب عاملًا على تسديد أكثر من هدف واحد للفوز في ميدان السّياسة والحرب، رغم أنّها لم تحقّق فوزًا في ملعب الكرة، ولكنّها في الحاليْن: السّياسيّ والرياضيّ تملك الإيمان والإرادة.               
ومن المعروف والواضح أنّ الحرب العدوانيّة على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران وأحداثها العسكريّة جعلت من مونديال هذا العام باهتًا رغم كثرة الصّخب والبذخ والبريق، خاصّة أنّ معظم مبارياته تجري على أرض أكثر الدّول شراسة وعدوانيّة وهيمنة، نعم إنّها أميركا، فالسّياسة الأميركيّة ومجرورتها السّياسة الإسرائيليّة بوحشيّتهما في قصف المدارس وقتل الأطفال والإبادة الجماعيّة ومؤازرة الباطل في كلّ مكان تتناقض مع الحدث الرّياضيّ العالميّ والإنسانيّ الكبير، وتتناقض مع قيم العدالة وسموّ الفنّ والجمال، ومع الرّغبة عند كلّ شعوب العالم بالاستقرار والسّلام. ومن المعروف أيضًا أنّ ثمّة منتخبات في العالم أكثر عراقة كرويّة وأعمق تاريخًا وأعظم تجربة في كرة القدم، مع أنّ بعض المنتخبات الجديدة والّتي تنتمي غالبًا لدول العالم الثّالث أثبتت جدارتها ومكانتها وتجربتها عندما التقت مع منتخبات الكبار، كما فعل المنتخب المغربيّ أمام المنتخب البرازيليّ العريق، أو كما فعل منتخب الكونغو أمام المنتخب البرتغاليّ، أو كما فعل المنتخبان الإيرانيّ والمصريّ أمام المنتخب النّيوزيلنديّ. 
ولكنّنا تعادلنا فقط ولم نكسب مباراة حتّى الآن إلّا فوز المنتخب المصريّ على المنتخب النيوزيلنديّ، وعندما التقى منتخبان من دول العالم الفقير، كما اللّقاء بين منتخب غانا الرّابح ومنتخب بنما الخاسر، وكما اللّقاء بين منتخبيْن عربيّيْن، هما: منتخب الجزائر الرّابح ومنتخب الأردن الخاسر. وللفقر سبب واضح في انحراف الفقراء عن أجواء المونديال الباذخة هذا العام، ولذلك فضّل الفقراء بذْلَ عرق الجبين في البحث عن لقمة العيش الكريمة، لأنّهم لا يملكون ما يبذلونه من مال على مشاهدة ألعاب المونديال، وظلّوا بعيدًا حتّى عن إمكانيّة حضور المباريات عبر الشّاشة المنزليّة أو العامّة، أوّلًا وبشكل موضوعيّ للمواقيت المتفاوتة بكثير من السّاعات عن مواقيت أماكن المونديال، وثانيًا غدت الرّياضة بروحها ولعبة كرة القدم بشعبيّتها تخضع لتجارة السّوق والاستهلاك، حتّى قيل بصدق، هذا المونديال للأغنياء، إذ يفوق سعر حضور بعض المباريات ما يربحه عامل مسحوق في شهر كامل من الشّعوب الفقيرة، وغدا سعر بعض اللّاعبين من المستوى الرّفيع أعلى من ميزانيّة بعض الدّول من العالم الفقير والمنهوبة ثرواته، ليتمكّن النّاهبون في دول العالم الغنيّ من توفير تلك الأسعار الباهظة للّاعبين. وتبقى السّياسة غير الإنسانيّة بل المتوحّشة القذرة هي المسؤول الأوّل والمباشر عن حرمان الجماهير العريضة من المتعة والفرح ومشاهدة هذا الحدث الرّياضيّ والإنسانيّ العظيم الّذي يأتي مرّة كلّ أربع سنوات.

ولذلك أفهم وأتفهّم في كثير من الأحيان معظم منتخبات الدّول الفقيرة، الّتي تبقى بلا تنظيم ولا مبادرة ولا فعل أمام التّنظيم والمبادرة والفعل لمنتخبات الدّول الغنيّة ولاعبيها من ذوي السّعر العالي والخياليّ، تتلقّى تلك المنتخبات الضّربات الكرويّة على أرض الملعب وتقوم أحيانًا بردّ الفعل، وقد تُحسِن في بعض الأحيان مثلما فعل منتخب الرّأس الأخضر الجديد أمام المنتخب الإسبانيّ العريق وأمام منتخب الأوروغواي العريق وتعادل مع كليهما، وهو المنتخب الجديد الّذي يشارك لأوّل مرّة في المونديال، وكما لم يُحسِن المنتخب القطريّ أمام المنتخب الكنديّ، وكندا ليست عريقة إلى حدّ كبير في كرة القدم، وقد تكون قطر أكثر عراقة. فليت منتخباتنا العربيّة تتعلّم من منتخب الرّأس الأخضر، الّذي لم يسمع به أحد من قبل.   
يحضر أحدنا مباراة لمنتخب عربيّ أمام منتخب غربيّ أو أيّ منتخب أجنبيّ آخر فيبقى مشدود الأعصاب، من مدى إهدار الفرص وإضاعة الكرة أمام استغلال كلّ فرصة بتنظيم فنّيّ من المنتخب الخصم ومن التّسديد وتحقيق الأهداف. لا أنكر أنّني أنظر إلى الرّياضة من منظور سياسيّ وقوميّ وطبقيّ وإنسانيّ، ولا أنكر أنّني لا أهتمّ بلعبة كرة القدم إلّا في المونديال، ومن المنظور السّياسيّ والقوميّ والطبقيّ الإنسانيّ ذاته، وأحبّ أن يعود أحد المنتخبات: المغرب أو مصر أو الأردنّ أو إيران أو غانا أو أوزبكستان بالكأس العالميّ منتصرين على أحد المنتخبات: أميركا أو ألمانيا أو فرنسا أو إنجلترا أو سويسرا، وإلى الجحيم أيّها الفنّ الكرويّ. والله لو أعجبت فنّيًا بأداء الفريق البريطانيّ، لا يمكن ليدي ولا لضميري أن تطاوعني وأرفع علم بريطانيّا، الّتي كانت سببًا فاعلًا في ضياع وطني فلسطين وتشريد شعبي، حين أعطت ما لا تملك لمن لا يستحقّ، في وعدها المشؤوم.  
تذكّرني حالتنا الكرويّة العربيّة على وجه الخصوص بحالتنا السّياسيّة، فهل هذه الحالة الكرويّة اللّافاعلة وليدة الحالة السّياسيّة اللّافاعلة ذاتها، الّتي تهيمن على دولنا وشعوبنا، واللّافعل يجرّ اللّافعل واللّاتنظيم يجرّ اللّاتنظيم والتّخاذل يجرّ التّخاذل والهزيمة الكبرى تستدعي الهزيمة الصّغرى، والانبطاح السّياسيّ في الميدان أمام العدوّ يجلب انبطاحًا كرويًّا في الملعب أمام الخصم. سمعت مؤخّرًا تحليلًا سياسيًّا مفاده أنّ هناك أربع قوًى في المنطقة: إسرائيل، تركيا، إيران واثنتيْن وعشرين دولة عربيّة، للثّلاث الأولى رؤًى وبرامج وأهداف وإرادة تسعى وتفعل من أجل تحقيقها وتستخدم كلّ الوسائل المتاحة لذلك، وبغضّ النّظر عن مضامين تلك الرؤى والبرامج، أمّا الدّول العربيّة فلا تملك لا وهي مجتمعة ولا وهي منفردة – وهي لم تجتمع قطّ، ويا ريت كلّ عنزة تكون معلّقة من عرقوبها، لكن العراقيب كلّها عرقوبًا عرقوبًا معلّقة بخنوع ذليل بيد مخطّطات السّياسة الأميركيّة وهيمنتها - ولأنّها غير مجتمعة إلّا على الخضوع والهوان، فهي لا تملك رؤًى ولا برامج ولا أهدافًا تسعى وتعمل من أجل تحقيقها، مع أنّها تمتلك الوسائل العديدة والكثير من أسباب القوّة، لكنّها بلا حول ولا طول ولا إرادة إلّا على قمع شعوبها. 
هكذا كان المنتخب القطريّ بلا إرادة ولا فعل وبلا حتّى هدف واحد وخرج مهزومًا أمام المنتخب الكنديّ الّذي كان دائم الفعل وخرج منتصرًا بعد أن هزّ أركان المرمى القطريّ ستّ مرّات بستّة أهداف، وهكذا خرج المنتخب التّونسيّ مهزومًا مرّتيْن أمام المنتخبيْن: اليابانيّ من الشرق الأقصى بأربعة أهداف نظيفة، والسّويديّ من الغرب الأقصى بخمسة أهداف لهدف يتيم، وكذا كان المنتخب السّعوديّ بلا أيّ عناد أو قتال على الكرة، والله وصل الأمر أن يعتقد المشاهد العربيّ لوهلتيْن أنّ اللّاعبين يتآمرون بأمر من ملكهم أو وليّهم الّذي غنّوا له النّشيد الملكيّ، وليس الوطنيّ بإعطاء الكرة للخصم كما يعطي نظامهم المال لترامب ثمنًا للخنوع والحماية الّتي ثبت زيفها في الحرب العدوانيّة الأخيرة على إيران، لقد افتقدنا في المنتخب السّعودي الهجوم والدّفاع فخسر بأربعة أهداف نظيفة أمام المنتخب الإسبانيّ، وحظي المنتخب السّعوديّ بالضّربة الرّكنيّة الأولى في المباراة في الدّقيقة الرّابعة والأربعين، وفي ذلك دلالة أنّه لم يكن لهم أيّ هجوم، وبلا دفاع مجدٍ، كان لهم ردّ فعل غير ناجح في معظم الأحيان على الفعل الإسبانيّ. 
وفي الليلة نفسها، وبعد ساعتيْن لعب المنتخب الإيرانيّ نعم بلا هجوم إلّا لمامًا ولكنّه كان عنيدًا في الدّفاع وحراسة المرمى ومنع المنتخب البلجيكيّ العريق والقويّ وصاحب التّجربة والرّاغب في الانتصار من تسجيل أيّ هدف، وظلّ المنتخب الإيرانيّ عنيدًا في الدّفاع عن مرماه، كما كانت إيران عنيدة سياسة وجيشًا ودبلوماسيّة في الدّفاع عن سيادة إيران وسيادة لبنان أيضًا. وكذلك حدث مع المنتخب العراقيّ الّذي بدا أنّه يملك تجربة وقدرات، لكنّه فشل في تحقيق حتّى التّعادل وخسر أمام المنتخبيْن: النّرويجيّ بأربعة أهداف لهدف يتيم وأمام الفرنسيّ بثلاثة أهداف نظيفة. وكما تلقّت معظم المنتخبات العربيّة هزيمة ماحقة، تلقّت من قبل وتتلقّى الآن الأنظمة الحاكمة بالقمع الدّاخليّ والخضوع الخارجيّ في العالم العربيّ الهزيمة العسكريّة تلو الهزيمة السّياسيّة منذ "مونديال" الألعاب السّياسيّة: منذ لعبة "كامب ديفيد" وخيمة "الكيلو 101"، مرورًا بلعبة "مدريد وأوسلو" وخيمة التّشرذم العربيّ، حتّى لعبة "كامب ترامب" وخيمة اتّفاقات أبراهام والتّطبيع وضمّ بيت المقدس الفلسطينيّ الشّريف وضمّ الجولان السّوريّ المحتلّ، وكلّ ذلك في خيام الخنوع الرّسميّ العربيّ عند "الشّيخ" محمّد بن سلمان و"الشّيخ" محمّد بن زايد"، "ومشايخ ملءُ الخليج، مراحل بعد الفراغ"، مع الاعتذار للشّاعر العراقيّ مظفّر النّوّاب. إنّهم جثث بلا أرواح، فقدوا حتّى الرّوح الرّياضيّة يا شاعرنا الثّائر المظفّر. وأنتم يا ساكني الخيام الممزّقة في غزّة الفلسطينيّة وتحت الأنقاض المتراكمة في الجنوب اللّبنانيّ ما لكم إلّا الله والمقاومة، حتّى يصير لكم منتخبات تملك الإرادة والقدرة والتّسديد وتسجيل الأهداف وتحقيق الانتصارات في كلّ الميادين.
ملاحظة: 
أنهيت كتابة هذا المقال يوم الثّلاثاء الموافق لِ 23/6/2026، وبعد أن لعب كلّ منتخب من المنتخبات العربيّة الثّمانية المشاركة في ألعاب مونديال 2026 مباراتيْن اثنتيْن. يعني 16 مباراة حتّى ذلك اليوم، منها 3 انتصارات، واحد منها فاز منتخب عربيّ على منتخب عربيّ (الجزائر على الأردن) ومنها 4 تعادلات، ومنها 9 خسارات، وإذا نظرنا نجد أنّ عدد الخسارات يفوق عدد الانتصارات والتّعادلات معًا.