كنوز نت - بلدية باقة


باقة الغربية في برنامج القيادات الدولي IVLP

من واشنطن إلى ديترويت وميامي وبوسطن: باقة حاضرة في مساحات التعلّم والابتكار وصناعة المستقبل.

رئيس بلدية باقة الغربية الربي رائد دقة،
 الولايات المتحدة الأمريكية، آب 2026.

في إنجازٍ يعكس الحضور المتنامي لمدينة باقة الغربية ومكانتها في مساحات العمل والتعلّم المهني على المستويين المحلي والدولي، اختيرت بلدية باقة الغربية لتكون ممثَّلة ضمن وفد قيادي رفيع المستوى في برنامج القيادات الدولي (International Visitor Leadership Program – IVLP)، التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، حيث شاركتُ في الأيام الأخيرة ببرنامج مهني مكثّف امتدّ عبر أربع محطات رئيسية في الولايات المتحدة: واشنطن العاصمة، ديترويت، ميامي وبوسطن.

ويُعدّ برنامج IVLP من أبرز برامج التبادل المهني الدولي التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، وقد خُصّصت هذه الجولة للاطلاع المباشر على نماذج وتجارب متقدّمة في القيادة والحكم المحلي، الإدارة البلدية، التنمية الاقتصادية، الابتكار والتكنولوجيا، الإدارة القائمة على البيانات، الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إشراك الجمهور، والتنسيق بين مستويات الحكم المختلفة.

ولم تكن المشاركة زيارة بروتوكولية أو جولة للاطلاع العام، بل مسار تعلّم مهني مكثّف، انتقل خلاله الوفد بين مؤسسات حكومية، سلطات محلية، هيئات إقليمية، مؤسسات بحثية وأكاديمية، ومراكز للتكنولوجيا والابتكار؛ بهدف الوقوف عن قرب على تجارب أمريكية مختلفة، وفهم آليات الإدارة والقيادة التي تقف خلفها، ومناقشة التحديات التي تواجه المدن اليوم والأدوات التي طوّرتها لمواجهتها.

وفي كل محطة، لم يكن السؤال: ماذا فعلوا؟ فحسب، بل أيضًا: كيف فعلوه؟ ما هي المنظومة التي مكّنتهم من النجاح؟ وما الذي يمكن أن نتعلّمه من هذه التجارب لخدمة باقة وأهلها؟

واشنطن | كيف تتحوّل المدينة من متلقٍ للسياسات إلى شريك في صناعتها؟

كانت البداية من واشنطن العاصمة، حيث تركّز البرنامج على بنية الحكم الأمريكي والعلاقة بين السلطات المحلية والولايات والحكومة الفدرالية، وعلى الأدوات التي تستخدمها المدن لبناء قوة جماعية والتأثير في السياسات والقرارات التي تمسّ حياة سكانها.

وشملت اللقاءات مؤسسات رائدة في مجال الحكم المحلي والدبلوماسية البلدية، من بينها National League of Cities وSister Cities International، إلى جانب لقاءات ضمن Meridian Center for State and Local Diplomacy.

وقد أتاحت هذه المحطة الاطلاع على تجربة المدن الأمريكية في إدارة العلاقة مع الحكومة المركزية، بناء شبكات التأثير، العمل المشترك بين السلطات المحلية، وتوظيف العلاقات الدولية للمدن في خدمة التنمية الاقتصادية والتعليم وتبادل المعرفة وبناء الشراكات.

وكان أحد الأسئلة المركزية في هذه المحطة: كيف تستطيع مدينة أن تكون فاعلة خارج حدودها الجغرافية، وأن تحوّل حضورها وعلاقاتها إلى قيمة حقيقية تعود على سكانها؟

ديترويت | التنمية لا يصنعها مشروع واحد… بل منظومة كاملة

في ديترويت وولاية ميشيغان انتقل التركيز من بنية الحكم إلى الطريقة التي يمكن من خلالها بناء منظومة متكاملة للتنمية الاقتصادية والابتكار.

وشملت الجولة لقاءات مع قيادات محلية في Rochester Hills وTroy، والاطلاع على نماذج مختلفة في توزيع الأدوار بين القيادة السياسية والإدارة البلدية المهنية، إلى جانب زيارة مؤسسات تعمل على المستوى الإقليمي والاقتصادي والتكنولوجي.

ومن أبرز المحطات كانت Automation Alley، التي تعمل على الربط بين التكنولوجيا والصناعة وتطوير قدرات الشركات؛ وSEMCOG، التي تجمع سلطات محلية مختلفة للتخطيط والتعاون الإقليمي في مجالات المواصلات والبنى التحتية واستعمالات الأراضي والتنمية الاقتصادية؛ وData Driven Detroit، التي توظّف البيانات لفهم واقع الأحياء ودعم صناعة القرار وتوجيه الموارد؛ إضافة إلى Michigan Israel Business Accelerator – MIBA، الذي يعمل على بناء جسور اقتصادية وتكنولوجية بين ميشيغان وإسرائيل.

وأظهرت تجربة ديترويت أن التنمية الاقتصادية الحديثة لا تُبنى من خلال مشروع منفرد أو منطقة صناعية بمفردها، وإنما من خلال منظومة تربط السلطة المحلية بالقطاع الخاص، والجامعات، والتكنولوجيا، والبيانات، والمستثمرين، وسوق العمل.

ميامي | عندما يصبح التنسيق بين عشرات الجهات شرطًا للنجاح

أما في Miami-Dade، فقد واجه الوفد نموذجًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا: منظومة حكم محلية ضخمة تخدم قرابة ثلاثة ملايين نسمة وتعمل بالتنسيق مع عشرات السلطات والهيئات والمؤسسات المختلفة.

وكان من أبرز اللقاءات زيارة Miami-Dade Emergency Management، حيث اطّلع الوفد على منظومة الاستعداد للطوارئ وإدارة الأحداث واسعة النطاق، وعلى أحد أكثر التحديات تعقيدًا: كيف يمكن جعل السلطات المحلية، وأجهزة الأمن والإنقاذ، والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص تعمل في لحظة الأزمة كمنظومة واحدة متناسقة؟

ومن الرسائل اللافتة التي طُرحت خلال اللقاء أهمية استعداد السكان أنفسهم لأن يكونوا قادرين على التعامل بصورة مستقلة خلال الساعات الـ72 الأولى من حالة الطوارئ، انطلاقًا من مفهوم يرى أن الحصانة المجتمعية لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل تُبنى قبلها.


كما تناولت لقاءات ميامي جوانب أخرى من عمل الحكم المحلي، شملت التنمية الاقتصادية، تطوير القوى العاملة، الابتكار، العلاقة بين المحافظة والسلطات المحلية، إشراك الجمهور وتعزيز الثقة بين المؤسسة والمواطن.

وهكذا قدّمت ميامي نموذجًا عمليًا للتعامل مع سؤال بالغ الأهمية لكل سلطة محلية: كيف ندير التعقيد، وكيف نجعل المؤسسات المختلفة تعمل معًا بدل أن تعمل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى؟

بوسطن | حين تلتقي المعرفة بالتكنولوجيا وصناعة القرار

واختُتمت الجولة في بوسطن وولاية ماساتشوستس، إحدى أبرز البيئات العالمية في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار.

وتضمّن البرنامج لقاءات مع مؤسسات بحثية وبلدية وتكنولوجية، بينها Pioneer Institute، ومؤسسات في مدينة بوسطن وبلدة Brookline، وبيئة الابتكار في Cambridge، وصولًا إلى Massachusetts Technology Collaborative – MassTech.

وفي هذه المحطة برز بصورة خاصة النقاش حول الشفافية والمساءلة، الإدارة المهنية، التخطيط الحضري، البحث التطبيقي، الابتكار، واستخدام التكنولوجيا والبيانات في تطوير الاقتصاد وتحسين أداء المؤسسات العامة والخدمات المقدّمة للمواطن.

كما أتاحت اللقاءات طرح التحديات التي تواجه السلطات المحلية العربية أمام مؤسسات بحثية وأكاديمية، وتحويل هذه التحديات من قضايا نناقشها فيما بيننا إلى أسئلة بحثية ومهنية يمكن أن تُبنى حولها حلول جديدة.

ومن بين الأسئلة التي طُرحت خلال الجولة سؤال يمسّ مباشرة مستقبل الحكم المحلي في مجتمعنا:

كيف يمكن تحويل مدينة عربية إلى سلطة محلية قائمة على البيانات (Data-Driven Municipality)، تستخدم الذكاء الاصطناعي والبحث التطبيقي لمواجهة الجريمة، وتحسين جودة الحياة، وتسريع التنمية الاقتصادية؟

وهو سؤال يختصر إلى حدّ بعيد روح المشاركة: ألا نكتفي بمشاهدة التجارب الناجحة، بل أن نضع تحديات مدينتنا على الطاولة، ونبحث لها عن معرفة وشركاء وأدوات جديدة.

من باقة إلى العالم… ومن العالم إلى باقة

بالنسبة لبلدية باقة الغربية، لا تكمن قيمة هذه المشاركة في عدد المدن التي زارها الوفد أو عدد اللقاءات التي عُقدت، بل في أن باقة كانت حاضرة في مساحات مهنية دولية تُناقش فيها قضايا مستقبل المدن: القيادة، الإدارة، الاقتصاد، التكنولوجيا، البيانات، الأمن المجتمعي، الشراكات وجودة الحياة.

وقد حملت إلى هذه اللقاءات التحديات الحقيقية التي تواجه باقة والسلطات المحلية العربية، وفي المقابل اطّلعت بصورة مباشرة على تجارب ونماذج في إدارة المدن، العمل بالبيانات، الاستعداد للطوارئ، بناء الشراكات، تطوير الاقتصاد المحلي، التكنولوجيا، إشراك الجمهور والعمل الإقليمي.

اهالي بلدي الكرام،
مشاركتنا في هذا البرنامج ليست هدفًا بحدّ ذاتها، ولا نقيس نجاحها بعدد المدن التي زرناها أو اللقاءات التي عقدناها. القيمة الحقيقية تبدأ عندما نعود إلى باقة ونسأل: ماذا تعلّمنا؟ ما الذي يلائم واقع مدينتنا؟ وما الذي نستطيع تحويله إلى أدوات وسياسات وشراكات ترفع جودة العمل البلدي وجودة حياة أهلنا؟ ذهبنا باسم باقة لنتعلّم من تجارب الآخرين، ولكننا ذهبنا أيضًا لنضع باقة، بتحدياتها وطموحاتها، على طاولات مهنية دولية مهمّة.

المدن التي تتقدّم اليوم ليست بالضرورة تلك التي تملك موارد أكثر، بل تلك التي تعرف كيف تدير مواردها بذكاء، وكيف تستخدم المعرفة والبيانات، وكيف تبني شراكات تجمع الحكومة والقطاع الخاص والأكاديميا والمجتمع حول أهداف واضحة. نحن لا نبحث عن استنساخ تجربة مدينة أخرى؛ نبحث عن أفضل الأفكار والأدوات التي يمكن أن تساعدنا في بناء نموذج باقة الخاص.

وتأتي هذه المشاركة في مرحلة تشهد فيها باقة الغربية مسارًا واسعًا من التطوير والتخطيط للمستقبل، الأمر الذي يجعل الاطلاع المباشر على تجارب دولية متقدّمة فرصة لتوسيع المعرفة، بناء علاقات مهنية، فتح أبواب لشراكات مستقبلية، وفحص أدوات جديدة يمكن أن تساهم في رفع جودة الإدارة والخدمات والتنمية في المدينة.

فالهدف ليس أن تصبح باقة نسخة عن واشنطن أو ديترويت أو ميامي أو بوسطن.

الهدف أن نتعلّم من أفضل التجارب، نفهم أسباب نجاحها، نختار منها ما يناسب واقعنا — ثم نبني في باقة تجربتنا الخاصة.

من باقة نحمل تحدياتنا وطموحاتنا إلى العالم… ومن العالم نعود بالمعرفة والعلاقات والأفكار التي تساعدنا على بناء باقة أفضل.

باقة تتعلّم، باقة تتطوّر، وباقة حاضرة حيث يُصنع المستقبل.