كنوز نت - حسن عبادي| حيفا


متنفَّس عبرَ القضبان (176)
                                                                     
  • حسن عبادي| حيفا


بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، ليعرفوا الحقيقة كاملة من مصدر أوّل دون تأويل، وبعدها أتصل بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت، وهذا أضعف الإيمان؛
  • وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّب الأسير المحرّر الأديب وليد الهودلي [1]: "طاب ممشاك وبوركت كلماتك التي تخترق ظلمات المكان".
وعقبت راية المجد (والدة الأسيرة إباء الأغبر) [2]: "بارك الله فيك أستاذحسن عبادي. في زمنٍ تشتدّ فيه المحن، يبرز أصحاب المواقف النبيلة الذين يجعلون من مهنتهم رسالة، ومن علمهم جسراً للعدل والرحمة".
وعقّب محمود قواريق: "لك أستاذ حسن تنحني الهامات على متابعتك وزياراتك اللامتناهية لأسيراتنا وأسرانا ونقل أخبارهم والوضع القاسي لهم من سجانيهم، فجهودك وعملك الدؤوب في هذا الملف تعجز كل الكلمات عن شكرك وعن مدى أصالتك ومعدنك النقي. لك كل المحبة والتقدير والاحترام".
  • وعقّب الشاعر أشرف حشيش (زوج الأسيرة المحرّرة سامية) [3]:
 رسالة شكر شعرية إلى (هدهد الكرمل) المحامي حسن عبادي على دوره البطولي في نقل رسائل الأسرى إلى ذويهم
(حسن عبادي أيقونة الوصل)
يا ملهما طاف القلوبَ محبةً
وسَمَا على هامِ السحاب وفاءا
يَمَّمتَ دامونَ الأسى لا تتقي
ضُرَّا. ولا تخشى السجون بلاءا
ووصلتَ أرواحا تقطّعَ حَبلُها
وحملتَ من رحم الأسى أنباءا
كنتَ السبيل إذا الدروب تقطّعتْ
ومنحتنا ـــ بعد القنوط ـــ رجاءا
يا منبعا للمكرمات عهدتُهُ
ما كنت تبغي مدحةً وثناءا
هي نخوة الحرّ الأبيٍّ وفعله
أبقى المروءة رايةً شمّاءا
طافت رسائلُكَ الكريمةُ بيننا
غيثا يردُّ إلى العطاش الماءا
جازاك رب العرش عنا جنةً
وكساك من حلل القلوب بهاءا
  •  " شفت البحر لأول مرّة بحياتي"
وصلت عصر يوم الثلاثاء 30 كانون أول 2025 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب للقاء ثلاث حرائر، وحين دخلت بوّابة السجن ابتسم السجان قائلاً: "تمّ إلغاء إحدى الزيارات بسبب اعتراض محامي/ محامية إحدى الأسيرات" ممّا عكّر مزاجي.
 ولجت غرفة لقاء المحامين فكانت الأسيرة نادين محمد أحمد الدغامين (مواليد 23.07.2005، طالبة طب/ سنة ثالثة/ جامعة الخليل) من السموع/ الخليل بانتظاري.
بعد إيصالها رسالة العائلة وطمأنتها عليهم، حدّثتني عن الاعتقال؛ يوم السبت 27.09.2025، الساعة ثنتين وثلث نص ليل، فاتوا ع البيت مجنّدين كثار ومعهم مجنّدة، أسئلة تعريفيّة، وأخذوني لمعسكر بكريات أربع، نيّموني ليلة برّا بالخلا، وبعدها أخذوني الصبحيات لاستجواب ومنه للشارون (مع فرح أبو عياش) لليلة وبعدها نقلونا للدامون.
وقالت بانفعال، مع ابتسامة عريضة: "شفت البحر لأول مرّة بحياتي. انبسطنا كثير".
لما وصلنا الدامون استقبلونا بتفتيش مهين، رافقتني سجّانة للعيادة، مع مسبّات وشتائم، استغربت واستهجنت من تصرّفها، بلّشت ضرب قدّام الطبيب بالعيادة، وظلّت تدفشني وتضرني لباب الزنزانة.

 نادين بزنزانة 4؛ برفقة ميسون مشارقة، ربى فراس دار ناصر [4]، إباء الأغبر[2]، ميس نزال، آمنه سويلم، دعاء جرارعة ونائلة (أسيرة جديدة من أريحا).
الوضع كثير صعب؛ متغطيّة بثلاث حرامات والسُترة فوقهن وبردانة كل الوقت، الشبابيك مفتوحة كل الوقت وبفوت البرد، الأكل شحيح (بيض، مرّة بالأسبوع دجاج، رز وبقوليات). بتنقطع المحارم والفوط الصحيّة لثلاثة/ أربعة أيام كل أسبوع تا يرجع رئيس القسم.
  • مسبّات وشتم الذات الإلهيّة كلّ الوقت.
 طلبت إيصال سلامات لأهلها؛ بسلّم على أبوي وإمي كثير وببوّس إيديهم وبدعيلهم كثير وما يزعلوا عليّ ولا يهملوا همّي وبستنّى بالترويحة قبل رمضان ع شان أعمل الفطور وأول يوم رايحة تكون طبخة ملوخيّة لأنه أبوي بحبها.
خديجة: ركزي بدراستك وما تغلبي إمي وأبوي. فاقدة جداً نشوف بالليل الفيديو اللي بضحّك، تحمّلي مسؤولية البيت وتعلّمي الطبيخ ع شان تساعديني بإفطار رمضان. حليمة وأسماء: ديروا بالكم على إمي وعلى صحّة أحمد ودفّوه بالشتا. أنس: ركّز بدراستك وبدنا معدّل أعلى من معدّلي بالتوجيهي. لانا: إحكيلي كل شي بصير بالبيت وديري بالك على دراستك ع شان تطلعي دكتورة.
عمتي فاطمة؛ بسلّم عليها وبتسلم عليها الدكتورة انتصار وحكت عن قصص شعنونة.
طلبت إيصال سلامات لأهل لينا مسك.
  • "هاي هي الحياة"
بعد لقائي بنادين التقيت للمرة الثالثة بالأسيرة شيماء إبراهيم أبو غالي [5] (مواليد 15.06.1986) من الحارة الشرقية بجنين، طبيبة أسنان ووالدة عمر، وهي رهن الاعتقال منذ 29.04.25.
صُدمت حين أخبرتني آلاء بزيارتي لسجن الدامون يوم 25.12.25 "مدّدوا لشيماء الإداري كمان 4 أشهر"، تواصلت مع سارة ومحمود وأخبروني أنّ لا علم لهم بذلك وأن مشكلة الاستئناف سببها أن المحامي مقدّم الاستئناف بعد انتهاء المدة القانونيّة. معقول هالحكي؟!؟
 أوصلتها رسائل أختها سارة والدكتور محمود فطلبت بانفعال إيصال جواب لمحمود: "أنا هون بالسجن لا حول لي ولا قوة. لمّا ما أطلع ع الاستئناف بسبب تقصير المحامي شو ممكن أفكّر؟ من العجز اللي أنا فيه طلع حكي. مكانتك مثل ما هي. ما ليش غيره برّا".
  • لسان حالي يقول:
ربّاه حرّر في السجون قيودنا أحزان قلبي طافحة ولها وجل
التجديد الثالث كان قاتل، الشي الوحيد اللي تبادر لذهني لمّا مسكت ورقة التجديد لحظتي الأخيرة في الدار لمّا حضنت ابني عمر ونزلت من الدرج واطّلّعت ع السما وما كنت أدرك إني بعد سنة برجع وبحضنه هذا الطفل.
سنة هي كلمة من 3 حروف ولكنها عام من الحزن، 360 يوم من الألم والقهر والظلم. لكن اللي بواسيني إني بشرب من نفس كاس الألم تبع أحمد وعبد الله.
ابني عمر؛ شو يا صغيري؟ بعرف إنك رايح تحكيلي أنا كبرت بس بنظري إنت بتظل ابني المدلل. بتذكر لما كنت تحكيلي "هاي هي الحياة" وفي أشياء صعب نغيّرها. المرّة هاي مش قادرة أغيّر الظروف. مشتاقة لإيديك وخدودك الحمر، ومشتاقة لعيونك اللي بتناديني يمّا قبل لسانك. بدّي منك تكون قوي وأطلع أشوفك زلمة قد الدنيا. متذكّر لمّا كنت تحكيلي إنّي سوبر ماما؟ ماما بتحكيلك اكتب على ورقة كل شي بتتمنّاه وكل شي نفسك فيه ع شان لما أطلع أعملّك إياه.

أختي سارة؛ لا تجزعي مهما جرى، فالله يحفظ ويعين. كم كنتِ عاما بعد عام نوراً إذا اشتد الظلام.
عبد الرحمن؛ مرّت سنين وانقضت، لم تُنسنا الألم الدفين. ألم يمزّق مهجتي منه انكوى قلبي الحزين.
في آخر أيامي قبل الأسر كنت اسمع أنشودة وأنا بالسيارة:
  • "آه يا إخوتي بُعدكم لا يُراد
كيف أنسى أخي كيف يحلو الرقاد"
 وكنت أبكي على أحمد وعبد لله، واليوم بنشدها وببكي عليكم كلكم. كون بخير لأني مش قادره أخسر حدا ثاني، وسلامي لمرتك ولأمير.
ورسالة إلى أحمد وعبد الله...
رجاء حار؛ تأسّف لمحمود.
شيماء بغرفة 10 (برفقة بشرى قواريق، ولاء طنجي، آلاء عبده، يمامة، سلام كساب، وفاطمة جسراوي).
مش مستوعبة أني بدّي أعد من جديد 120 يوم!
الوضع في الدامون سيئ جداً، القمعات مستمرة، برد قارص، فش أكل، فش حرامات، عجز، قلّة أخبار.
  • حين افترقنا قالت: "ظلمتك كثير يا محمود، بعتذر منك كثير، بس قلبك كبير ودايما بستوعبني. إدعيلي وأنت عند الكعبة، وما تنسى تجيب لي هديّة، وهديّتي مش أية هديّة".
لكُنّ عزيزتيّ نادين وشيماء أحلى التحيّات، والحريّة لكُنّ ولجميع حرائر الدامون.
الدامون/ حيفا كانون أول 2025
[1] أعتقل وليد الهودلي مجدّداً يوم 21.01.26
 [2] تحررت إباء الأغبر يوم 16.04.2026
[3] تحررت سامية جواعدة يوم 10.12.2025
[4] تحررت ربى دار ناصر يوم 03.05.2026
[5] تحررت شيماء أبو غالي يوم 26.04.2026