
كنوز نت - علي هيبي
المونديال الأسود
- علي هيبي
لأوّل مرّة يشارك ثمانية وأربعون منتخبًا قوميًّا، مثّلت بالأساس شعوبها، وليس أنظمتها السّياسيّة في ألعاب كأس العالم الدّوليّة، ولذلك نحن نتعاطف مع الشّعوب ومنتخباتها ولا تهمّنا الأنظمة، فلا منتخبات لها. وقد جرت الألعاب على ملاعب ثلاث دول، أكثرها: الولايات المتّحدة الأميركيّة، وأقلّ منها كندا في أميركا الشّماليّة وفي المكسيك، في أميركا الجنوبيّة. والسّياسة الأميركيّة الّتي تطمع بالاستيلاء على كلّ مقدّرات الشّعوب والدّول، من بينها الهيمنة على كندا الواسعة، ثاني أكبر الدّول مساحة بعد روسيا، وتطمع كذلك بالاستيلاء على خليج المكسيك في منطقة الكاريبيّ، وعلى جزيرة "غرينلاند" التّابعة للدّانمارك وعلى أحلام فنزويلا وكوبا وعلى خيرات العالم من نفط إيرانيّ إلى محميّات ومشاريع سياحيّة في ألبانيا. وهذا المطامع هي أشدّ انعكاسات الوحشيّة الشّرهة والهيمنة الجشعة الأميركيّة والغربيّة، وفي الوقت ذاته ومن المؤسف أن يحتضن بلد الوحش الأميركيّ هذا أجمل أشكال الإنسانيّة وانعكاسها في هذا الحدث الرّياضيّ العالميّ العظيم.
أمّا عنواني وتلويني المونديال بالأسود، لا لأنّني أميّز بين الشّعوب باللّون أو العرق أو الدّين أو العنصر، فالنّاس عندي سواسية كأسنان المشط كما قال رسولنا العربيّ الكريم، وكما قال أيضًا في "خطبة الوداع": "يا أيّها النّاس، ألا إنّ ربّكُمْ واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا أحمرَ على أسودَ، ولا أسودَ على أحمرَ، إلّا بالتّقوى، كلّكم لآدمَ وآدم من تراب"، ولم يكن آدم من ذهب ولا من فضّة ولا من نحاس ولا من حديد، كان أصلنا من تراب، وإلى تراب نعود، كما ورد في "إنجيل متّى" في يوم "أربعاء الرّماد". هذه هي أخلاق الشّرق العربيّ: الإسلاميّ والمسيحيّ، هذا هو معنى التّقوى الّتي هي معيار التّفاضل عند الله، ولكنّ التّقوى اليوم وفق المتغيّرات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وهيمنة المال والاعتداء على الشّعوب ونهب ثرواتها وحرمانها من خير أبنائها وسلبه، سواء كانوا أطبّاء بارزين أو علماء متفوّقين أو لاعبي كرة قدم متألّقين تغيّرت معانيها، فالتّقوى اليوم تعني دينيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا أن تقف في الموقف الصّحيح في مناصرة المظلوم والتّصدّي للظّالم مهما كان لون المظلوم المنهوب، وهو في الغالب جنوبيّ، آسيويّ أو أفريقيّ أو لاتينيّ، أسود أو أسمر، ومهما كان لون الظّالم النّاهب، وهو في الغالب شماليّ، أميركيّ أو أوروبيّ، أبيض.
في مباريات الافتتاح الأربع والعشرين، المباراة الأولى لكلّ منتخب، شارك 48 منتخبًا، ولكلّ منتخب 11 لاعبًا، منها 17 منتخبًا من العالم الغربيّ "الأبيض"، وفي كلّ منتخب 11 لاعبًا، أيّ 187 لاعبًا شاركوا في مبارياتهم الأولى. وقد شارك في هذه المنتخبات في كلّ مباريات الافتتاح حوالي 70 لاعبًا أسود، أي ما يساوي 38% من لاعبي كلّ منتخب، والأهمّ أنّهم كانوا المدافعين والمهاجمين، الهدّافين والمتألّقين. ولنأخذ نماذج: المنتخب الفرنسيّ مثلًا افتتح مباراته الأولى بتسعة لاعبين سود وفي مباريات أخرى بعشرة لاعبين، يعني حوالي 85%، ونحن نعرف أنّ نسبة السّكّان السّود المواطنين في فرنسا تتراوح ما بين 3% - 7%، في أميركا افتتح 8 لاعبين سود في مباراتها الأولى، أي حوالي 75% من لاعبي المنتخب، بينما نسبة السّود في أميركا تصل إلى 13% من السّكّان، وفي هولندا وفي إنجلترا افتتح 6 لاعبين سود في كلّ منتخب منهما، ما يعني حوالي 55% من لاعبي كلّ منتخب، مع العلم أنّ نسبة السّود في كلّ من البلديْن 4%، وفي سويسرا افتتح في مباراتها الأولى 6 لاعبين سود، أي بنسبة 55%، أمّا نسبة السّكّان السّود فيها فلا تزيد عن 2%، ونموذج أخير من كندا افتتح مباراتها الأولى 7 لاعبين سود، أي 60% من اللّاعبين، بينما عدد السّود فيها أقلّ من 5%. ما يعني أنّ نسبة اللّاعبين السّود الّذين افتتحوا المباريات الأولى حوالي 40%، مع العلم أنّ نسبة السّود في العالم 15% فقط. شاهدت مباراة الدّور نصف النّهائيّ بين فرنسا وإسبانيا وكان عدد اللّاعبين السّود من بين ال 22 لاعبًا 11 لاعبًا، أي 50%، ولكن ليس هذا هو المهمّ، بلا المهمّ هو أنّه عندما انتقلت الكاميرا لتصوير الجمهور الفرنسيّ الحزين جاءت صورة الكاميرا على طفل أسود يلبس لباس المنتخب الفرنسيّ، وكان يبكي بعد أن أحرز المنتخب الإسبانيّ الهدف الثّاني وتحقّقت الخسارة الفرنسيّة، حزنت لبكاء ذلك الطّفل كونه طفلًا وليس لكونه فرنسيًّا، وخطر على بالي أن أقول: "أيّها الغرب الأبيض الفاسد احترموا دموع هذا الطّفل الأسود الّذي غمرت الدّموع وجهه لأنّ فرنسا البيضاء خسرت، فهل تشكّكون بصدق دموع طفل! هل تعرفون كم من آلاف الأطفال مثله قتلوا في غزّة (20 ألف طفل) وجنوب لبنان (1500 طفل) وفي مدرسة "ميناب"! (168 طالبًا في مدرسة ابتدائيّة) ولكنّكم صمتّم صمت أهل القبور وأيّدتم جريمة الإبادة، فهل تقلقكم دموع صادقة لطفل أسود أيّها الخرّاصون!
لماذا يسرقوننا؟ هذا سؤال جوابه واضح، وفقًا لفهمي طبيعة الجشع الغربيّ والتّباهي الأبيض الّذي لا يشبع من الهيمنة على كلّ مقدّرات الشّعوب وثرواتها، حتّى قوانا الإنسانيّة المتفوّقة تسلبها منّا، ونحن في دولنا لا نحترم ثروتنا الإنسانيّة من علماء وأطبّاء ولاعبين، ولا نهيّئ لهم أماكن عمل ومؤسّسات علميّة ورياضيّة تليق بمكاناتهم وقدراتهم، ولا ظروف حياة كريمة لهم، بل قد نهيّئ لهم سجونًا وقيودًا مع المجرمين والمنحرفين، فيذهبون إلى من يستغلّ قدراتهم العلميّة والإبداعيّة والرّياضيّة مقابل مبالغ ماليّة مغرية، لا يجدونها في بلادهم، كي يبنوا عليهم مجدًا ويحرموا شعوب هؤلاء المبدعين هذا المجد، وذلك المستغلّ يبيّن لهم أنّه يحترمهم طالما أدّوا الخدمة الّتي يريدها منهم، وبعد ذلك يرميهم "رمية الكلاب"، ويحرم الكثيرين من إخوانهم السّود البسطاء من حقوقهم الأساسيّة، ويعتدي على حرّيّاتهم السّياسيّة والاجتماعيّة، وفي كثير من مناحي الحياة الأخرى. أليس ذلك شكلًا من أشكال نهب ثرواتنا؟!
عندما أرى لاعبًا أسود يصول ويجول في الملعب ويداور ويمرّر وينتقل من مكان إلى مكان، ومن ثمّ يحقّق ويسدّد الضّربات ويسجّل الأهداف أراجع التّاريخ لأرى أنّ هذا اللّاعب كان أبوه أو جدّه يُحرم من الجلوس في المقاعد الأماميّة في حافلات الرّكّاب العامّة، في بلد الحرّيّات الكاذبة، الولايات المتّحدة الأميركيّة، فهي مخصّصة للبيض فقط، ويخطر على بالي سؤال آخر، "لماذا ظلمونا ويمعنون في ظلمنا وإلى متى"، وأعود بالتّاريخ إلى ذلك الأسود، المواطن الأميركيّ جورج فلويد الّذي اختنق والشّرطيّ يشدّ على عنقه ولم يُعطَ فرصة التّنفّس وهو يصيح "أريد أن أتنفّس"، ولم يتنفّس وأُعدم خنقًا بمقصلة بيضاء ومات. أعود في التّاريخ إلى ذلك الّذي كان يملك حُلمًا "I have a dream"، إنّه مارتن لوثر كينغ المناضل الأميركيّ الأسود، الّذي رفض أن يوافق السّود على تأييد الحرب الأميركيّة القذرة على فيتنام، واغتيل بعد ذلك بقليل، بعد حياة كفاحيّة طويلة من أجل حقوق السّود. وما زلت في التّاريخ، حيث السّجين العظيم الأسود، الرّئيس نيلسون مانديلا، الّذي سجنه نظام الأبرتهايد الأبيض في جنوب أفريقيا والمدعوم من الغرب لحوالي 28 عامًا وخرج منتصرًا بفعل الكفاح الشّعبيّ المثابر والدّعم الثّوريّ من فيدل كاسترو الرّئيس الثّوريّ الكوبيّ وشعبه ومن المناضل الفلسطينيّ العريق، القائد ياسر عرفات وشعبه ومن غيرهم من ثوّار العالم وأحراره. هؤلاء اللّاعبون السّود هم سليلو هؤلاء الأحرار وأبناؤهم، من تلك البلاد المقهورة، فلماذا لا تحترمون الشّعوب السّوداء أيّها البيض المدنسّون بعنصريّتكم وتعاليكم الفجّ، بلادكم الّتي تعتزّ بانتصارات كرة القدم ورؤوسكم الّتي تتمايل فخرًا بهذه الانتصارات الّتي تحقّقت بفضل الأقدام السّوداء الثّابتة على أرض الملاعب، هذه الأقدام أجدر أن تُحترم، ومعها تُحترم حقوق الشّعوب السّياسيّة، حكوماتكم أيّها اللّاعبون السّود المظلومون في المنتخبات الغربيّة هي الّتي دعمت بل أسهمت في إبادة الشّعب الفلسطينيّ في غزّة وفي تدمير الضّفّة الغربيّة، وتؤيّد الاعتداءات على لبنان وسوريا وإيران، وتؤجّج وتوقد وتشارك في حرب أوكرانيا.
ليس من العار وأنتم من الشّعوب المقهورة أن تكونوا لاعبين في منتخباتهم القوميّة، ولكن أبرزوا وتفاخروا بأصولكم! فهل فرنسا أو أيّ واحدة من دول أوروبا الغربيّة وأميركا هي دولة أفريقيّة سوداء، كي يكون كلّ لاعبي منتخبها القوميّ سودًا! لكن من العار على تلك الدّول العنصريّة المعادية حكوماتها لحقوق الشّعوب أن تسرقكم وتتفاخر بإنجازاتكم، وكأنّها انتصارات قوميّة غربيّة، ولا يسجّل لمحقّقيها أيّ إنجاز أسود إلّا على المستوى البريق الشّخصيّ لكلّ لاعب، وهذا لا يهمّني إطلاقًا، بل ما يهمّني ذلك اللّهيب الّذي سيندلع من شرارة وعي الشّعوب المقهورة عندما تتّحد، وقد أثبتت تجارب التّاريخ أنّها ستنتصر في كلّ الميادين، وليس في ميدان الرّياضة وألعاب المونديال فقط.
18/07/2026 08:28 pm 24
.jpg)
.jpg)