كنوز نت - بقلم: سليم السعدي


مجتمع على حافة الانفجار: قراءة في جذور العنف والجريمة وسبل المواجهة
  • بقلم: سليم السعدي
لم يعد العنف والجريمة في مجتمعاتنا ظواهر عابرة يمكن احتواؤها بردود فعل آنية أو معالجات سطحية، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية تعكس خللاً عميقًا في منظومة القيم، وتراجعًا في دور المؤسسات التربوية والاجتماعية، وانكشافًا خطيرًا في هيبة القانون.
يرى بعض المحللين أن الفقر والجهل والتهميش الاجتماعي هي الأسباب الرئيسية لتفشي الجريمة، وهذا الطرح يحمل جزءًا من الحقيقة، لكنه لا يكفي لفهم الصورة الكاملة. فليست كل المجتمعات الفقيرة غارقة في العنف، كما أن الجريمة لا تقتصر على الفئات المهمّشة فقط. المشكلة الأعمق تكمن في غياب الوعي، وتراجع الأخلاق، وانهيار مفهوم المسؤولية الفردية والجماعية.
حين يغيب احترام القانون، لا يعود النص القانوني رادعًا، بل يصبح مجرد حبر على ورق. وحين يفقد الإنسان القدرة على ضبط نفسه وجوارحه، يتحول إلى مشروع خطر على محيطه، مهما كان مستواه التعليمي أو المادي. فالعنف ليس فقط نتيجة حاجة مادية، بل هو أيضًا تعبير عن فراغ قيمي وانفصال عن الضوابط الإنسانية.

نحن أمام مجتمع منقسم: فئة واعية تحاول الحفاظ على التوازن، وأخرى غارقة في الجهل، وثالثة مهمّشة تبحث عن مكان لها بأي وسيلة، حتى لو كان ذلك عبر العنف أو الابتزاز. هذه الفئات الأخيرة، حين تشعر بأنها خارج المشهد، تسعى لفرض وجودها بالقوة، وكأنها تقول: "نحن هنا، حتى لو كان حضورنا مدمرًا."
هذا الواقع لا يمكن مواجهته بالإنكار أو الخطاب العاطفي، بل يحتاج إلى خطة علاجية شاملة، تشبه ما يُقدَّم لمجتمع مريض يحتاج إلى تدخل متعدد المستويات. فالمسألة ليست أمنية فقط، بل تربوية وثقافية واقتصادية في آن واحد.
أولًا، لا بد من إعادة الاعتبار لمنظومة القيم، بدءًا من الأسرة، مرورًا بالمدرسة، وصولًا إلى الإعلام. فالتربية على احترام القانون، وضبط النفس، وتحمل المسؤولية، ليست ترفًا بل ضرورة وجودية.
ثانيًا، يجب تفعيل القانون بعدالة وحزم، دون انتقائية أو تهاون، لأن غياب العدالة يولد شعورًا بالظلم، والظلم يولد العنف. القانون يجب أن يكون مظلة حامية للجميع، لا أداة بيد البعض.
ثالثًا، لا بد من إشراك المجتمع نفسه في الحل، من خلال مبادرات توعوية، ودورات تثقيفية، وبرامج شبابية تفتح آفاقًا بديلة أمام الفئات المهمّشة، بدل تركها فريسة للفراغ والانحراف.
رابعًا، الاستثمار في البحث والدراسات لفهم الظاهرة بشكل علمي، بعيدًا عن الانطباعات، ووضع سياسات مبنية على معطيات واقعية، لا على ردود فعل مؤقتة.
إن المجتمع الذي يترك العنف ينمو في داخله دون مواجهة حقيقية، إنما يزرع بذور انهياره بيده. والمسؤولية هنا جماعية، تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند الدولة. فإما أن نختار طريق الإصلاح الواعي، أو نترك الفوضى تفرض منطقها، وحينها لن ينجو أحد.
المعركة ليست ضد الجريمة فقط، بل ضد كل ما يُنتجها. وهذه معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون.