كنوز نت - بقلم: سليم السعدي


أور سالم… مدينة النور التي أرهقها التاريخ
  • بقلم: سليم السعدي
من بين ثنايا الزمن، تقف ، أو كما نحب أن نسميها "أور سالم"، مدينةً تحمل في اسمها وعدًا بالنور والسلام، بينما يفيض تاريخها بما يناقض هذا الوعد. "أور" في اللغات الكنعانية تعني النور، و"سالم" السلام، وكأن المؤسسين الأوائل أرادوا لها أن تكون منارةً للسكينة، لا ساحةً للصراع.
لكن التاريخ، حين يثقل بالاحتلالات، يُعيد تشكيل الأسماء كما يُعيد رسم المصائر. فقد تعاقبت على هذه المدينة تسميات عدة، من "يبوس" إلى "إيليا"، وهو الاسم الذي شاع في العهد الروماني والبيزنطي، وليس كما يروّج البعض أنه وليد الحملة الصليبية وحدها. ومع كل اسم، كانت المدينة تُنتزع من ذاتها، وتُلبس هويةً لا تشبه جذورها الكنعانية الأولى.


دخلها الغزاة من كل حدبٍ وصوب، فشهدت جيوش وهي تقتحم أسوارها، وتحوّل معابدها إلى رماد، ثم أعقبتها الإمبراطوريات الرومانية والآشورية، وكلٌّ منهم ترك أثره، لا في عمرانها فحسب، بل في روحها أيضًا. كانت أور سالم تُغتصب مرةً بالسيف، وأخرى بالعقيدة، وثالثةً بالتاريخ المكتوب بأقلام المنتصرين.
وفي قلب هذا الصخب، يبرز مشهد مختلف حين دخلها ، لا كغازٍ، بل كحامل لعهدٍ وأمان. تسلّم مفاتيحها، لا ليُخضعها، بل ليصون قدسيتها، في لحظةٍ نادرة من تاريخ المدينة، حيث بدا أن السلام – ولو مؤقتًا – قد وجد طريقه إلى "سالم".
أما ، فقد مرّ بها شاهدًا على تناقضها؛ مدينةٌ مقدسة، لكنها مهددة بالخراب. حمل تحذيرًا لأهلها، وفق الروايات الدينية، داعيًا إلى الخروج منها قبل أن تحلّ الكارثة، وكأن النبوءة لم تكن إلا انعكاسًا لدورةٍ متكررة من الدمار الذي لازمها عبر القرون.
أور سالم ليست مجرد مدينة، بل لوحة فنية مضرّجة بالتناقضات؛ نورٌ يُولد من رحم الظلمة، وسلامٌ يُنادى به وسط ضجيج الحروب. هي مدينةٌ لم تعرف السلام الحقيقي إلا كحلم، ولم تحتفظ بالنور إلا كأملٍ في ذاكرة شعوبها.
وهكذا تبقى أور سالم، رغم كل ما مرّ عليها، أكثر من جغرافيا؛ إنها فكرة، ورسالة، وجرحٌ مفتوح في ضمير الإنسانية. مدينةٌ كُتب لها أن تُنادى بالسلام، بينما يطاردها التاريخ بالحروب، وكأنها خُلقت لتذكّر العالم بأن النور، مهما طال احتجابه، لا بد أن يعود.