كنوز نت - بقلم رانية مرجية
معجزاتٌ مؤجَّلة: في مديح الزمن الذي يُربّي أرواحنا
- بقلم رانية مرجية
في الخامسة فجراً، تجلسُ امرأةٌ على حافة سريرها.
لا تبكي. لم يعد في البكاء ما يُقال.
أمامها علبةُ دواء، هاتفٌ صامت، ونافذةٌ تُدخِل ضوءًا خافتًا يشبه التردّد.
تقول—بهدوءٍ لا يسمعه أحد:
“ربما لن يحدث شيء.”
هذه الجملة، حين تُقال بلا انفعال، ليست يأسًا كما تبدو.
إنها لحظةُ عبور.
ليست المعجزة ومضةً تُنهي العتمة، كما نحبّ أن نُصدّق.
ولا يدًا تهبط من السماء لتُعيد ترتيب الفوضى في لحظة.
المعجزة، في أكثر صورها صدقًا، تأتي متأخّرة.
تأتي بعد أن نُستنزف، بعد أن نكفّ عن المطالبة، بعد أن نتعلّم—مكرهين—أن نعيش دون ضمان.
التأجيل ليس نفيًا.
إنه طريقة أخرى للحضور.
حين لا يُستجاب الدعاء في توقيته الذي أردناه، لا يعني ذلك أنه لم يُسمَع.
بل يعني—غالبًا—أن الإجابة لم تكتمل بعد في الداخل.
هناك، في طبقاتٍ لا نراها، يحدث العمل الحقيقي:
تتصدّع الصور الساذجة عن أنفسنا، تتهاوى يقينيّاتنا السريعة، ونُدعى إلى نضجٍ لم نطلبه، لكنه الوحيد القادر على حمل ما سنُعطى.
لهذا، تُؤجَّل المعجزات.
ليس لأنها بعيدة، بل لأننا كنّا قريبين من طلبها بطريقةٍ خاطئة.
في التجربة الإنسانية ما يضيء هذا المعنى بوضوح.
لم تكن سبعةٌ وعشرون عامًا في سجن نيلسون مانديلا تأخيرًا لحرّيته فقط، بل إعادةَ صياغةٍ لإنسانٍ سيخرج لاحقًا أقلّ رغبةً في الانتقام، وأكثر قدرةً على بناء معنى للعدالة.
ولو خرج باكرًا، لربما انتصر سياسيًا… وخسر إنسانيًا.
ولم تكن عتمة هيلين كيلر نهاية، بل بداية بطيئة لمعجزةٍ من نوعٍ آخر: أن تُخلق اللغة داخل الصمت.
لم تستعد الحواس، لكنها صنعت معنىً يفوقها.
أما توماس إديسون، فلم ينتظر الضوء بقدر ما تعلّم كيف لا يخاف من الظلام.
آلاف المحاولات التي بدت فشلًا لم تكن سوى تأجيلٍ مُثمرٍ للحظةٍ واحدة تستحق أن تُولد.
لكن المعجزات المؤجَّلة لا تسكن كتب التاريخ فقط.
إنها تحدث هنا، بصمت، في حياتنا اليومية:
في أمٍّ تؤجّل انهيارها لتُطعم أبناءها.
في شابٍّ ينهض كل صباحٍ إلى عملٍ لا يحبّه، فقط لأنه لا يملك رفاهية السقوط.
في مريضٍ يبتسم، لا لأنه شُفي، بل لأنه قرّر أن لا يُختزل في مرضه.
هذه ليست تفاصيل عابرة.
هذه معجزاتٌ صغيرة، لا تُرى، لكنها تُعيد تعريف القوة.
المشكلة ليست في أنّ المعجزة تتأخّر،
بل في أننا لا نعترف بما يحدث أثناء التأجيل.
نظنّ أنّ الحياة توقّفت، بينما هي—في أعمق طبقاتها—تعمل علينا.
نحسب أننا عالقون، بينما نحن نُعاد صياغتنا.
نخاف من الفراغ، دون أن نرى أنه الورشة الوحيدة التي يُمكن أن يُبنى فيها إنسانٌ جديد.
الإيمان، هنا، لا يعود انتظار نتيجة.
بل يصبح قدرة على البقاء.
أن تقول: “سأكمل، حتى إن لم أفهم.”
أن تثق، لا لأنك ترى، بل لأنك لم تعد بحاجة لأن ترى كل شيء.
أن تُدرك—بهدوءٍ قاسٍ—أن بعض الأبواب التي أُغلقت لم تكن عقابًا، بل حماية من نسخةٍ أقلّ منك.
وحين تصل المعجزة—إن وصلت—لن تكون كما طلبتها.
ستكون أكثر هدوءًا، أقلّ استعراضًا، وأشدّ التصاقًا بك.
قد لا تغيّر العالم،
لكنها ستكون قد غيّرتك بما يكفي لتراه بشكلٍ مختلف.
في النهاية، لا يُقاس عمق الإنسان بما حصل عليه،
بل بما تحمّله وهو ينتظر.
فإذا وجدت نفسك يومًا، عند الفجر،
أمام نافذةٍ لا تُعطيك جوابًا،
وقلت بهدوء: “ربما لن يحدث شيء”—
تذكّر:
ربما… كلّ شيء يحدث الآن.
16/04/2026 04:35 pm 21
.jpg)
.jpg)