كنوز نت - حمود ولد سليمان | غيم الصحراء


ظلال العبور :  رحلة شاعرإلى الأناضول
حمود ولد سليمان  | غيم الصحراء 


الحكاية الأولى كانت سفرا في البروالبحر، دهشة الأبجديات الضائعة في مرايا الحنين ، توقا لإكتشاف الذات ، وقتلا للرتابة والقلق والتقوقع وتجاوزا للوجود ، رغبة في التغييرالمطلق ، رحلة أبدية بحثا عن المستحيلات ، مثلما عاني ومات كلكامش شوقا لعشبة 
 
الخلود حزنا على أنكيدو رفيق روحه الذي أنسحب أمامه في صمت تاركا إياه وحيدا وهو الذي ظن أنه لايقهرولايكسر ، يركعه الموت ويهزمه ويتركه مذهولا تحت الصدمة فيرحل بحثا عن حياة لاتفنى وشباب قوي لايبلى ، الرحيل قدر الإنسان ومعناه ، به يعي ذاته ويوقظ عمق أعماقه ويعبرمسالك جبل الروح الوعرة ، تدرجاروحيا لابد منه للمعرفة ، مثلما رحل الطيروسلك الأودية السبعة طلبا للسميرغ ، شرط للتحول والسمو والتطهروالجمال كما يقول فريد الدين العطار النيسابوري : 
أخرج من البحر
إرحل فبدون الرحيل 
 
لن تكون يوما درة .
ذات يوم حط الرحالة العربي الطنجي إبن بطوطة رحاله ، بتركيا ومكث فيها شهورا باحثا في أحوال البشروالمكان والتاريخ ، وكتب مشاهداته وتركها في مخطوطة ( تحفة النظار وعجائب الأمصار ) 
عام 2000 م يأتي محمد ولد عبدي مأخوذا بفتنة الأثر متتبعا خطا إ بن بطوطة وهو الشاعر المسكون بالسفر على قلق كأن الريح تحته كما يقول المتنبي ، يتتبع ولد عبدي خطا الطنجي بوسائل وأدوات لم تكن معهودة في الزمن الأول كاميرات لتصويرالأمكنة والناس ، البحر ، المساجد والأضرحة ، لتؤلف الصورة والكلمة حكاية واحدة هي تركيا 
تعرف الشاعرعلى إبن بطوطة في براءات الطفوله ، كانت أمه تحكي له عن خاله الذي يشبهه في الترحال ، وفيما بعد ساقه قدره إلى أبوظبي بحثا عن عمل وتعرف على إبن السويد ، فكلفه بمهمة علمية وهي جرد الرحلة مما علق بها من هوامش واستطرادات وتبسيطها الكترونيا وتشكيل فضاء نصي جديد لها وطلب منه تتبع  الأماكن والمدن التي زارها الرحالة في الأنا ضول بوصفها وتصويرها فسافرومعه فريق من المصورين ومخرج سينمائي إلى تركيا, 
خلال الرحلة جاب الشاعرمدنا عديدة، إسطنبول ، برصي ، بلي كسري ، مغنسية ، يزمير، أياسلوق ، لاذق ، أنطاليا ، قونيا ، أنقرة ، وأخرى تلمس خلالها عشق المدن وأسرارها وسحرها ، وألوان الناس والأمكنة المقدسة ، والأضرحة ، والقلاع ، والرقص الصوفي المولوي
 
 
خلال النص نلمس تعايشا سرديا جميلا بين الشعروالنثر، وخلفية ثقافية متميزة ، تعطي حضورا جميلا للسارد (خرجت وحدي متحصنا بجهل اللغة وقليل من التقوى تغلفه إنكليزية متكسرة ، هل القسنطينية تتآمرعلي هذا المساء ... ما الذي قادني شاعرا أخرس وحدي في هذا الشارع ؟ كانت عيناي تبحران في كل شيئ ، وحواسي تسترق من المارة تشابك الأيدي متضرعا أتمتم في خشوع : 
مولاي 
عبيدك يامولاي 
المسكونون بنون النسوة 

تكشف عنهم ضر البسمة 
والنظرات النعسى والشعر المنساب بما أودعت
 تكشف عنهم يا مولاي لظي الغمزة 
وانا عبدك وابن عبدي 
كتمت السر المودع في النون 
واعلنت الحرب علي الكتاب 
الخطائين في جمع التانيث 
ناديت باعلي صمتي 
يا ,,, رفقا بقوارير الشعر
فاكشف عني يا مولاي الضر
صيرني زرقميص يسمع همس التفاحة للتفاحة (1)
الاسلوب في النص جميل  ,اللغة تغتسل بامطارالشعر
 
(اما انا فكان الحبر يجرجرني علي الورق شاعرا سلبه السردسحر الإيقاع واغرقته المدينة في بحر الفتنة الشعرية , ايتها الساحرة لم تنتقمين من قلب سكنته الصحراء ولم يعرف للبحرطعما الا ما لقنه ابوه من ابحر الخليل او ما قصت عليه امه في بادية قصية من عجائب بحر الظلمات .
ها انت ذي ايتها القسنطينية تعبئينني بالرغبة وتفتحين جسدي علي المستحيل , وكيف لصحبي استراق المشهد ؟ وكيف للغة خيانة المعني في مساء سقطت فيه جبة التقوي في مياه البسفور (2)
وصف السارد  الامكنةوصفا جيدا   وهو في عمله يهندس كتابته بشكل جمالي واعي ,يعي ان الكتابة هندسة قبل ان تكون كلاما , لغة محتلة للبياض ,  في العنونة جمالية سحريه ( قبر واطيء النار, رقصة سماء , الباب الفضي , يوم الوفاة ,باب الجبل , باب البحر) 
النص وان كان يقوم في علاقة موازية مع نص  ابن بطوطة ,  ويجد سنده الخفي فيه , ويعود اليه بين الفينة والاخري مع ذالك فقد استطاع ان يحاوره بطريقة مختلفة ويقدم لنا صورة ادبية اكثر منها تاريخية , مغايرة لرحلة ابن بطوطة التي ترتكز علي التاريخ والجغرافيا والطبائع , انه نص منفتح علي  الذات والوجود .                                                  
يستحضر السارد في الذاكرة رموزا ثقافية كثيرة تتعلق بالجنس الذي يكتبه , يستحضر الشيخ ولد التلاميد الذي زار تركيا ايام عبد الحميد الثاني لرفع المظالم عن الاوقاف الشنقيطية وسفارته العلمية التي تركها لنا في كتابه :   (الحماسة السنية الكاملة المزية في الرحلة العلمية الشنقيطية التركزية) .
و بذالك يحي الماضي ويعطي صورة ناصعة للتواصل الحضاري الذي كان قائما , قبل ان يفرق المستعمر الامة ومن خلال هذا الاستحضار يحي الماضي الشخصي له هو وكيف اخذته الدهشه يوم التقي في بغداد بشيخ تركي من اصول موريتانية وعرف ان يزمير يقيم فيها موريتانيون منذ قرون وقد صاروا اتراكا, انها الهويات العابرة للقارات , المرتحلة هي الاخري  بحثا عن أرض الحلم 
فتنة الاثر , خطي علي خطي , رحلة شاعر يمتلك ثقافة عالية باللغة والاداب العربية والتصوف , شاعر له لغة خاصة , قوية , وقورة , جميلة , طافحة بالاحساس  بقدسية الكلمة . فتنة الاثر    عتبة تركية جميلة تستحق القراءة  .
هوامش  :
(1 ) فتنة الأثر : علي خطي ابن بطوطة في الأناضول  محمد ولد عبدي  ,المؤسسة العربية للدراسات والنشر,2004 ص 15و16     
(2)  فتنة الأثر  ص 13