كنوز نت - بقلم صبحة بغورة


                  

 حقيقة الإلهام في الجهد الإنساني

  • بقلم صبحة بغورة


 يعتقد الكثير ممن يتأملون في أسرار مجال العمل الإنساني والإبداع الأدبي أو الفني أن ما يدفع الإنسان إلى الإبداع في عمله هي طاقة خفية دافعة له تميزه عن غيره قد خصه بها الله سبحانه وتعالى وينعم بها على من يشاء من عباده، ولكن هذا الرأي بقي محل جدال ، فما هي حقيقة الإلهام ؟ وكيف يوجه المبدع في لحظة إبداعه ؟
النمو هو التغيير المستمر، والنمو الجمالي هو النمو المركب الذي تحدثه الطبيعة بغير إرادة من صاحبه، وهذا النمو المستمر هو المسؤول عن التغيرات التي تبدأ من العدم لتصل إلى أقصى ما يبلغه كمال التنظيم الجمالي المنسجم سواء في نمو الإنسان أم في مظاهر الطبيعة المختلفة ، والسعي من أجل الوصول إلى مراتب الأشكال ذات القيم الجمالية العالية في تنظيمها وانسجام أجزائها لا تختص به الطبيعة وحدها، كما لا يختص به أيضا العمل الفني في ذاته، بل تظهر سماته ومعالمه بصورة أكبر وضوحا وتكاملا في التفكير والإحساس والإدراك، أي في كل ما يتصل بنا من أسباب الحياة ، وما يربطنا بالحياة من صلات.

يعتمد الإنسان في الحكم على أي عمل فني على حواسه ، وبالتالي يصبح من الضروري بالنسبة إلى الفنان المبدع تربية حواسه وتدريبها على تنسيق علاقتها بالظواهر الكونية لتدعيم شخصيته الفنية، كما أنها تزيد من شعوره بالنمو الجمالي المطرد الذي يظهر في عمله ليدل على جوهر نفسه، سواء في صراحة التفكير ، أم في دقة الحس وسمو الإدراك، أم في الأسلوب الذي يسلكه في التعبير عنها بفنه، وتتفاوت عناصر التعبير بتنوع الوساطات التي يستعملها الفنان مثل الكلمات أو الأنغام أو الخطوط والألوان، أو الحركات أو الإيماءات، والتنسيق الجمالي لا تحدد بدايته علامة معينة وليس لها تكوين خاص مصطلح عليه ، بل يمكن أن يبدأ على أي مستوى سواء عن دراسة سابقة ، أم في سياق العمل عندما يكون الفنان مستغرقا في تأملاته ومتأثرا بمعني النمو الجمالي في عمله، وفي الوقت الذي يفقد فيه الفنان القدرة على تنظيم هده العلاقة التي تربط تأملاته بالعمل الفني يهبط مستوى المعاني الجمالية وينعكس تأثيره في المجتمع طالما أن الفن ظاهرة اجتماعية لها تأثيرها الفعال في المجتمع الذي يعيش فيه الفنان، وتتنوع مظاهر التعبير وتتفاوت درجات تأثيرها بقدر تفاوت احساس الفنان بالمعاني التي تتضمنها تلك التعبيرات، لذلك فمن العبث أن نقبل الزعم بإنشاء قواعد وقوانين محددة يمكننا أن نخضع بها العمل الفني لكي يلتزم بها الفنان التزاما تاما ، حتي يصبح عمله مقبولا وينال لرضا الناس، فكل عمل فني قابل في ذاته للنقد المتصل بنوع العمل وبقدرة الفنان على التعبير بأسلوبه الخاص للكشف عن قيم جمالية ينفرد بها، وكل محاولة من شأنها ترتيب علاقات النظام والانسجام ستوصلنا حتما إلى افتراض قواعد جائرة وقوانين تستبد بعواطف الفنانين المبدعين أو بالمشاهدين القادرين على تذوق معاني الجمال في أشكاله المتعددة المظاهر، كما ستقف سدا في طريق الخبرات الفنية والمحاولات التي يتميز بها فنان عن آخر، بل وستفسد كل محاولة فنية مبتكرة.

يقوم الفن حتما على أحد شيئين أساسيين أو عليهما معا وهما الرؤية البصرية الواعية، والرؤيا الخيالية الحالمة، وبين رفاهة الشعور وقوة الخيال يكون الفن هو اللغة التي تجسدهما لقدرته على تجسيم المعاني ، ويتصل الخيال بالوجدان اتصالا يؤثر على الجهاز العصبي، والفنان لا يقنع بما يراه في الطبيعة من جمال بل يحاول بسبحات خياله ومن أعماق وجدانه أن يبتكر جمال من نوع آخر يصور به خياله ومشاعره بأسلوب أو بشكل يثير الشعور باللذة وبالارتياح فتتذوق من خلاله النفوس بلاغة التعبير عن معان جمالية وشاعرية مدركة، ويتبين لنا أن الفنان لا تقتصر مهمته على محاكاة الطبيعة لأنه يتعدى شكلها الظاهر إلى المعنى الذي تنطوي عليه وسيبقى الأمر كذلك ما دام الحصول على الشبه في الصورة ليس هو الحد الفاصل بين الحي والجماد فقد تدل الصورة على أشياء لا يسهل إدراكها عند رؤية الشخص بذاته، وحسن التعبير عن المعاني التي يبتغي الفنان الوصول إليها يكفل للمشاهد متعة التحليل النفسي لشخصية صاحب الصورة ، لذا تراه في سبيل تحقيق هذا الهدف قد انفصل بفكره عن ما حوله، وبقي مشدوها أمام عرائس خياله، مستسلما لها ، يتلقى صدق وحيه وإلهامه وفق المعاني التي ترتسم في مخيلته . لا يمكن للفن مهما بلغت محاولات الابتكار فيه، أو أي شيء آخر يصدر عن نشاط ذهني أن يكون بمعزل عن غيره من الفنون لأن الفنون كلها حلقات متصلة في سلسلة نشاط الإنسان ، والفن يبحث عن الجمال في الحقيقة ، غير أن الحقيقة ليست دائما جميلة، ولإدراك المعني الخالدة في الطبيعة لابد من نفس ملهمة غزيرة الشعور قوية الإدراك والملاحظة وعقل يجيد الاندماج فيما وراء ظاهر الأشياء المحدودة الشكل الثابتة الوضع الضيقة المعنى، لأن الجمال لا تراه العيون المبصرة فقط بل لابد لإدراك معانيه من معرفة وشعور ، والعقل وسيلة المعرفة، فلا المعرفة وحدها تكفي وكذلك الشعور وحده لا يكفي ، فحين يشعر المرء لابد له أن يعقل ، ومن الناس من يتميز بالشعور المرهف والإحساس الرقيق فيدرك بهما الجمال في الطبيعة لكن تنقصه المعرفة ، والمقصود معرفة كيفية صقل هذا الشعور وكيفية صوغه في قالب فني، والطبيعة ملهمة للفنانين توحي إليهم صورا ذات معان متعددة الجمال واختلاف الشعور والمعرفة عند الفنانين يولد ويحدد مستويات الابتكار، والفنان يبتكر صورا مقروءة ذات معان جديدة فيها الكثير من عقله وروحه بقدر رؤيته وتفهمه لمظاهر الطبيعة.





                                 

قــــوة الثقافـــــة في تحقيق الاصلاح وصناعة التغيير

  •  صبحة بغورة
تحتل الثقافة موقعها الرائد في ساحة العمل الوطني كقوة ناعمة شديدة التأثير على التوجهات الفكرية لمختلف الدوائر المتميزة في الدولة كما تبوأت مكانتها في صفوف النخبة السياسية والأدبية والأكاديميين في الأوساط الجامعية أو في المستويات الشعبية أيضا ، وكلها تمثل رأي عام داخلي يعتد به في تقدير سياسة الدولة وتحقيق هدف التجاوب الشعبي الواسع مع الجهود الحكومية لتحقيق التنمية.

تنبع قوة الثقافة في الدولة من قدرتها على تحقيق الانسجام بين مجالات الإبداع الأدبية والفنية والابتكارات العلمية وفي توسيع دائرة تجسيد التكامل بين ألوان المعرفة وتنوع مصادرها ووضعها في خدمة تحقيق أهداف الارتقاء بالمستوى الفكري وتطوير الوعي الاجتماعي وتحصين نفوس النشء من تأثيرات ظاهرة الاغتراب الفكري ومحاولات الاستلاب اللغوي ومؤامرات التبعية الثقافية لحماية الأصالة والهوية الوطنية دون نكران فضائل التعدد اللغوي في حركة الترجمة وفي نقل العلوم الحديثة لتحقيق التقارب الحضاري بين الشعوب

تثير موجة التغيير والإصلاح التي تشهدها المنطقة العربية التأمل في طبيعة دور الثقافة في صناعة التغيير ، كما تدفع الحركية الاجتماعية التي أوجدتها الظروف المضطربة إلى التساؤل عن مدى ما يتحلى به المثقف حاليا من وعي كاف لإدراك عمق المطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية ، لأن الكثير ينظر إليه من خلال الفرصة المتاحة له لقيادة مسار الإصلاح والتغيير بكل نزاهة لأن طموحه لا يرقى إلى تولي سدة الحكم أو التواجد الفعلي والمؤثر في إحدى أدوات وأجهزة السلطة ، وإنما أخلقة الحياة السياسية ودمقرطة المجتمع وتكريس مبدأ المواطنة الحقة ، والمثقف يستطيع بملكته الفكرية ورؤاه المعرفية أن يتعرض لمهمة تغيير الأوضاع واستشراف أحداث المستقبل. إنه يسلك رواق فكري يمتاز باتساع الخيال والقدرة على الاستقراء المنهجي وعلى الرؤية العلمية العميقة لواقع الظواهر والكشف عن الأسباب والتعبير عن الطموحات من أجل خير مجتمعه ورقي الأجيال ، وهي مهمة ليست باليسيرة في محيط حمل مؤشرات المساحة المنكمشة المتاحة أمام المثقف بعد معاناته لفترة غير قصيرة من فخ الوجه الآخر من الثقافة الذي صنعه زمن الهيمنة الإيديولوجية التي سعت إلى فصل الثقافة عن إطارها السياسي والاجتماعي عبر الفصل التعسفي بين حرية الفرد وحرية المجتمع وهو المنزلق الثقافي الذي ما زالت التحذيرات منه جارية .
الواقع حاليا هو أن الثقافة في المجتمعات العربية توجد داخل السياسة أي أن السياسة تحتويها وتوجهها وأن الثقافة بكل تجلياتها المعرفية والعقائدية وكل ألوان العلوم والفنون والقيم الأخلاقية والتقاليد والقوانين والمقومات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا فاعلا في مجتمعه كلها توجد في صلب اهتمامات السياسة وليست السياسة جزء منها يعكس ثقافة المجتمع ،ومع ذلك فالأمل والتفاؤل قائما أن يلعب السياسي يوما دورا هاما في تأمين الثقافة الحرة بعيدا عن أي وصاية ، بمعنى أن تتاح الفرصة أمام المثقفين المستقلين للمساهمة في التغيير وفي رأب الصدع بين المثقف والسياسي والمساهمة بالتالي في صناعة التاريخ ومنه تثبت فرضية ضرورة الاستماع إلى صوت الثقافة أكثر من صوت السياسة ،وأهمية تقدير دور الثقافي في توعية السياسي ، ففي خلال القرن 19 كانت الثقافة هي الأساس التي شيدت عليه الثورة الصناعية والاجتماعية والنهضة الفكرية في أوروبا ،وعليها برزت مبررات التمكين لثقافة التنافس على خلفية سيطرة المبدأ الشهير البقاء للأصلح بين الأفكار والمنتوجات .

أصبح امتلاك وتصنيع تكنولوجيات الإعلام والاتصال من علامات التقدم والرقي في أي دولة ، ودخلت الانسانية عصر الثورة المعرفية باستخدام الحاسوب الآلي والانترنيت فظهرت بناء على ذلك الثقافة الإلكترونية التي اتسمت بالتنوع والشمولية وأكسبت مطالعيها دوائر معارف دائمة وموثوقة وفورية وواسعة ، إلا أن ثمة ما أحاط واقع الثقافة الإلكترونية من إشكاليات تتعلق بقابليتها للانتشار الشعبي الواسع نظرا لطبيعة وأسعار التجهيزات المطلوبة التي تفوق الإمكانيات المالية للشباب صغير السن ، ومع ذلك نافست بقوة وجود الثقافة الورقية وبرزت ملامح الصراع مع الثقافة الإلكترونية ،وظلت الثقافة الورقة تمثل الواقعية بكل أبعادها ومنها ما أفضى إليه تقدم العلوم من تقسيمات : ثقافة المجتمع ، ثقافة المجتمع الصناعي المرتبطة بشدة بمعاييرالانتاج واقتصاد الزمن ، ثقافة المجتمع الريفي التي تكره التجريب وتميل للقدرية وترتاح إلى المراوحة ، وثقافة المجتمعات الاستهلاكية التي تنظر للكم وليس للكيف وتعتبر أذواق المستهلكين مجرد مقولة ثقافية ، وعليه نلاحظ جيدا كيف أن الاختلاف الثقافي عندما نشأ قد أسفر عن منهج علمي يعلله وأفضى إلى علم الاجتماع إلا أنه ظل مصطلح قابل للتمدد وغير مسيطر عليه فهناك ثقافة النخبة ، ثقافة العامة ، ثقافة السوق ، ثقافة السلطة ، وثقافة التسامح .. ولما ارتبط ظهور المصطلح تاريخيا بالاستعمار الذي امتد إلى الأراضي العذراء وشعوب الغابات والأدغال قد أبانت الظروف الثقافة امتحضرة للرجل الأبيض والثقافة المتوحشة البربرية التي تلازم الشعوب المتخلفة ، وبما أن كل تعميم تجهيل فإن مصطلح الاختلاف الثقافي لا يشير إلى المعرفة والتحديد بقدر ما يخطئ المعرفة الواضحة والتحديد الموضوعي ، وهو مصطلح يحتل مكانا في اللغة النظرية المسيطرة فيشرح حضور " الديمقراطية " مثلا في مجتمع وغيابها في آخر ، ويفسر قبول التطرف لدى جماعة ونبذه لدى جماعة أخرى وبه يسوغ استعمال القوة من طرف ضد غيره ، والاختلاف الثقافي بهذا المعنى يعتبر مدخلا عقلانيا لمعالجة ظواهر كونية متعددة على اعتبار أن الثقافة في ذاتها معيار كامل تقاس به حياة الشعوب ، وقد تنتسب الثقافة إلى الأديان والمذاهب مثل الثقافة الإسلامية ، والثقافة المسيحية والثقافة اليهودية والثقافة البوذية والثقافة الشيوعية ،والثقافة الرأسمالية ، فالاختلاف الثقافي إذن ظاهرة أقرب إلى البداهة فلا وجود لجماعة متطورة أو محدودة التطور إلا ولها ثقافة مشتقة من تاريخها وجغرافيتها ومعتقداتها ، وثقافتها قد تقبل التطور أو تميل إلى المحافظة ، وهي تتحدد بعوامل خارجية تصوغها مثل الاقتصاد والسياسة .

 ظلت الثقافة الجماهيرية زمنا سبيلا لوصول الثقافة إلى الشعب باعتبارها حق لكل مواطن ولكن حدث ما يعد عبرة لمن يعتبر بعدما تحولت مهمة نشر الثقافة إلى ما يسمى " قصور الثقافة " فالقصر لا ينتقل إلى الناس أما قنوات القصور أثبتت الأيام والتجارب أنها رغم كثرة العاملين فيها ، بينما الثقافة تفعل ذلك ، ومفهوم الثقافة الجماهيرية يسير في اتجاه تحقيق الهدف لأن له توجه محدد وسياسة واضحة ، وهذا الدرس يكشف كيفية حصار الثقافة وتحجيم دورها بمجرد إجراء إداري يضيع فعاليتها ويفقدها تأثيرها .

التغيرات الكبيرة في عالمنا المعاصر تضع المثقف أمام تحديات الفرز بعدما تكاثفت المفاهيم واختلفت التعريفات التي تتعلق بتحديد مفهوم الثقافة وطبيعة دور المثقف ، فالمثقف أصبح في مواجه إشكالات التغيير المستمر وشكليات الاستمرار المتغير في زمن العولمة ، والحقيقة أنه لا يوجد عصر إلا وتأكد الفعل الثقافي لدى النخبة التي تتميز عادة عن محيطها بالمزيد من التأمل الثائر والعميق في المعطي الثقافي الممزوج بالوعي الكافي لتقدير حجم المشاكل السياسية وتقييم مخاطر التحديات الاقتصادية وإدراك طبيعة القضايا الاجتماعية ، ولم يكن المثقف منفصلا عن واقعه أو مسافرا بأحلامه إلى عالمه الخاص بل كان ناطقا بطموحات شعبه ويعيش لواقعه وللتغيير الاجتماعي ، وحري به ألا يعيش منعزلا عن ما حوله من العوالم الرقمية في زمن أصبحت تكنولوجيا المعلومات أهم أدوات صناعة الثقافة وعليه مواجهة إملاءات العولمة باستنفار خياله الخلاق لخدمة الحياة والتعامل بوعي مع معطيات الواقع المتجددة و المتغيرة ليخرج على الناس مؤسسا لمعرفة جديدة وتحارب الجهل وتعيد صياغة المفاهيم والرؤى بما يساهم في تغيير أنماط التفكير ويعالج مظاهر الاختلال الاجتماعي والثقافي .
                    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ