
كنوز نت - سيمون عيلوطي
أغنياتُنا الفولكلوريَّة بين الاجترار والتَّجديد!!(2)
سيمون عيلوطي
- توضيح:
"دبَّاكي يا دبَّاكي" هي واحدة من الأغنيات التي اشتهرت في الناصرة، وغنَّاها كما جاء في الحلقة السَّابقة المطرب خليل موراني، غنَّاها أيضًا المطرب صباح فخري، ولكنَّها جاءت عنده بكلمات أخرى، وبتصرُّف في اللحن، فأصبحت "يلبقلك شك الألماز".
أمَّا النَّقلة الابداعيَّة في الكلمات واللحن لنفس هذه الأغنية، فقد تمَّت على أيدي الأخوين رحباني، غناء فيروز، اخترتها لأدلل على ضرورة تطوير أغاني الفولكلور من ناحية، ولدعوة أصحاب الفن عندنا أن يسيروا هم أيضًا باتِّجاه هؤلاء الكبار في هذا المجال.
هل يكفي أن نواصل تقديم تراثنا الغنائيّ كما هو بعفشه ونفشه؟
نلاحظ مِمَّا وردَ أعلاه أن إحياء تراثنا الغنائيّ الشَّعبيّ لم يتوقَّف على مدى الخمسين سنة الماضية، ولم يزل المطربون والفنَّانون، لا سيَّما في الآونة الأخيرة، يُضاعفون من تقديمه. لكن السُّؤال الذي يطرح نفسه في هذه العجالة، هو: ألم يحن الوقت لأن نعمل على تطوير هذا الترُّاث الغنائيّ، وبالتَّالي عدم الاكتفاء في تقديمه كما هو بعفشه ونفشه، حتى من دون محاولة اختيار الأجمل منه. بعض الفنَّانين من حولنا في الوطن العربيّ تنبّهوا إلى ضرورة تطوير تراثهم الغنائيّ، فأخذوا يُسكنونه بقوالب جديدة سواء من حيث الكلمات، أو الَّلحن. حين ننظر إلى تجربة المطرب العراقيّ ناظم الغزالي، نراه قد وضع لمسات جديدة على الأغنيات التًّراثيَّة التي غنَّاها، أذكر منها على سبيل المثال: "طالعة من بيت أبوها"، و "حيَّاك بابا "حيَّاك"، و "فوق النخل فوق"، و "قُلّي يا حلو"، وغيرها. حتَّى أغنياته الخاصَّة به، مثل: "أيّ شيء بالعيد أهدي اليكِ" فإنَّها أتَتْ نابعة من أجواء هذا التُّراث الخالد.
- لمحة عن التَّجديد في أغاني التُّراث
أمَّا التجربة الغنيَّة في هذا المجال، فقد رأيناها بأبهى تجلِّياتها في لبنان عند الأخوين رحباني اللذين لم يكتفيا بتقديم أغنيات تراثهم كما هو، بل عملا على تطويره وإلباسه ثوب العصر، إذا استمعنا مثلًا إلى أغنييِّ فيروز، "ع الرُّوزنا"، و "تحت الرُّمانِه"، نجد روح التَّجديد ظاهرة في الأغنيتين، ولكنَّها جاءت بمهنيَّة عالية سايرت الطَّابع التُّراثيِّ الأصيل لهاتين الأغنيتين. وهناك الكثير من الأغاني الخاصة بهما، جاءت منسجمة تمامًا مع أجواء أغاني التُّراث اللبنانيّ، ما يُدل على وضوح الرُّؤية الفنيَّة لدى هذين الفنَّانين المتميِّزين.
إذا توقَّفنا عند الملحِّن الكبير بليغ حمدي، وهو صاحب النَّقلة الثَّانية في تجديد الموسيقى المصريَّة-العربيَّة، بعد سيِّد درويش، نجد أنَّ اعجابه بأغاني تراث بلاده، دفعه إلى العمل على تطويره خاصَّة تجربته في هذا المجال مع المطرب محمد رشدي الذي خصَّه بالعديد من الأغاني الشَّعبيَّة المُستَلهَمَة من "الفولكلور" الغنائيّ المصريّ، أذكر منها: "تحت الشَّجر يا وهيبة"، "عدويَّة"، "طاير يا هوى"، "مغرم صبابة"، وغيرها الكثير. كما أنَّه خاض نفس هذه التَّجربة مع الفنَّانة شادية حين طوَّر لها عن "الفولكلور" الغنائيّ الشَّعبيّ مجموعة من الأغنيات، منها: قولوا "لعين الشمس ما تحماشي"، "أبو عيون عسليَّة"، "آه يا أسمرانى اللون"، والقائمة تطول.
- نحو انطلاقة جديدة في الابتكار والإبداع
لم أضف جديدًا حين أقول: إنَّ هذا التصرُّف باللحن، أو هذا التَّطوير يُتيح المجال أمام المطرب الذي يشدو به أن يضيف هو من عنده شخصيَّته الفنيَّة، ويطبع بصمته الخاصَّة به بأسلوب الغناء، وبالشَّكل الذي يميِّزه عن غيره من المطربين.
فهل ستحظى أغنياتنا الفولكلوريَّة الفلسطينيَّة ذات يوم على أيدي فنَّانينا ومطربينا المحليِّين، على مثل هذا التَّطوير الذي يُجسِّد شخصيِّتهم، وينطلق بهم من ظُلمة التَّقليد والتَّقليديَّة، إلى نور الابتكار والابداع؟!.
(يتبع)
05/09/2022 09:46 am 563
.jpg)
.jpg)