كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

العِلْمُ نُورٌ سِلاحُ العُقَلاءِ، والجَهلُ ظلامُ مَلجَأُ الجُبَناءِ


العِلْمُ نُورٌ سِلاحُ العُقَلاءِ، والجَهلُ ظلامُ مَلجَأُ الجُبَناءِ وَالمُتَخاذِلينَ، فَأيُّهُما تَحْتَرمُ وأيَّهُما تَخْتارُ قُدْوَةً!


سَلامُ اللهِ وَبَرَكاتُه أَحْبابي وأَعِزَّائِي عَلَيْكُمْ!
أيُّها الإِخوةُ الكِرامُ، أيُّها الاَحبَّةُ وَالأجِلَّاءُ!

أمَّا بَعْدُ التحيَّةِ والسَّلامِ، أُناشِدُكُم أنْ تَعمَلُوا ما يُرْضِي الله وأَنْ تَحتَرِسُوا وَتُدرِكُوا ما تَمْضُونَ على تَحقِيقهِ ، وَأرجُو لَكُم الاِسْتيعابَ وَالهِدايَةَ مِنْهِ، مَحبَّةً مِنِّي لَكُمْ، وهُنا أنا لا أبْغِي إطلاقاً سُوءَ الظنِّ بكُمْ لا سَمَحَ اللهُ!

أقولُ؛ خَيْرُ الحَديثِ كِتابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهَدْيِِّ هَديُ مُحمدٍ، وَشَرُ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وَكلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ، وَخيرُ الكَلامِ مَا قَلَّ وَدَلَّ!

أَيُّها المُحترَمُون، تَيقَّنُوا أنَّ اللهَ سُبْحانَهُ تَعالىَ أكَّدَ بِالكَلامِ الواضِحِ وَالمُخْتَصَرِ رَحْمَةً مِنْهُ، أَنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ وَما فِيها لَنا، لِنَنْعَمَ وَنَستَفيدَ، وقَالَ: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"، وَبِهذا أظْهَرَ أيضاً مَراحِلَ خَلْقِهِ وَعِلْمِهِ التَّامِّ بِما يَأْتِي مِنْ بَعدُ.

وَلمَّا بُعِثَ الرَّسوُلُ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ بَعْدَ سِلسِلَةٍ مِنَ الأنبياءِ وَالمُبَشِّرينَ خاتِمَاً لِلرِسالاتِ، بَعَثَ بِآياتِهِ دَليلاً شامِلاً لمًا جَرى وَمَا سَيحْدُثُ، وَبِأنَّهُ لَمْ يُفرِّطْ في اللَّوحِ المَحْفُوظِ مِنْ شَيْءٍ، وأنْزلَ عَلى نَبِيِّهِ الوَحيَ مُصَدِّقً لِمَا مَعَهُ طِبْقَاً للأحْداثِ الَّتي مَرَّ الأنبياءُ مِنْ قَبْلُ، وأعْلمَهُ مَا سَيُواجِهُهُ صَلَواتُ اللهِ عَليهِ، عِنْدَما يُبَشِّرُ وَيُنذِرُ النَّاسَ وَيَعِظُهُم، مُعْلِناً تَفصِيلَ عِلْمِهِ وَتوزِيعَ خَلْقِهِ أُمََمَاً وأَنَّهُ سَريعُ الحِسابِ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، حِينَ يَجْمَعُهُم فِي يَوْمٍ لا شكَّ بِهُ للسُؤالِ وَالحِسابِ.
وَقَالَ عَزَّ أمْرُهُ وَجَلَّ:

"وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ".

أيُّها الإخوَةُ الأعِزَّاءُ، لَسْنا الوَحيدِينَ مَنْ يَقْطُنُ هَذهِ الأرْضَ، فَهُناكَ الأنسانُ وَالطَّيْرُ وَالحَيَوانُ وَالنَّباتُ وَالجَمادُ، لَكِنَّنا نَحْنُ رَغْمَ التَنَوعِ هَذا، حُزْنَا عَلىَ البَركَةِ منَ اللهِ وَنُصِّبْنا لِنعْمُرَها وَنَحْكُمَ وَنَتحَكَّمَ بِكُلِّ صَغير ٍٍوَكَبيرٍ عَليْها مَهْمَا تَعَدَّدَتْ وَتَنوَّعَتْ.


لِعِلْمِكُم أيُّها الاِخوةُ، هِي تَعِيشُ مِثْلَنا أُمَمَاً لا تُحْصى وَلا تُعدُّ، وَتَثبِيتً مِنْهُ خالِقُ كُلَّ شَيءٍ وَحَتَّى لا يَظْلُمَ أَحَداً بَيْنَ خَلْقِهِ، فَقَدْ خيَّرَ الجَمِيعَ مِمَنْ خَلَقَ بِالسيِّادَةِ عَلى الأَرْضِ، وَبِالحِكْمَةِ عَرَضَ الأَمانَةَ، لَكِنَّها كانَتْ مِنْ اِخْتِيارِ الأنْسانِ، الَّذي أوْجدَ فِيهِ اللهُ الإمْكانيَّاتِ مِنْ أَجْلِ هذا، وَمَدَّهُ بالعَقْلِ لِيَكونَ مُميَّزَاً وَلَمْ يَخْلُقْ لَهُ مَثِيلً.

وقَالَ جَلالَهُ: "إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا".
هَذِهِ البِدايةُ وهَذا هُوَ القَدَرُ الَّذِي بِحِكْمَتهِ تَعالى شَاءَ لَنا وَلِغَيرِنا مِنَ الكائِناتِ، فالشُّكْرُ والحَمْدُ لَهُ عَلىَ مَا أعْطَى وَقَدَّرَ، وَسُبحانَهُ إذْ جَعَلَ منْ خَلْقٍهِ مُعجِزَاتٍ، يَتَحَدَّى بِها الكَوْنَ أنْ يَفْعَلُوا نِدَّاً لَها … وَيُعْلِمُهُم سَلَفَاً بِأنَّهُم لَنْ يَقْدِرُوا إِلاَّ عَلىَ مَا شاءَ وَسَمَحَ لَهُم بِسُلطانٍ، وَلَوْ جاءُوا بِشُركائِهِم، فَلَنْ يَنتَصِرُون.
إليكُم بتواضُعٍ دُونَ اِستِغرابٍ وَتَعجُّبٍ، مَا يُمْكنُ أنْ يُفِيدَنا وَيُساعِدَنا بِفَهْمِ الحَياةَ، هِيَ النملةُ مَخْلوقٌ مُعجِزَةٌ مِثْلَ غَيرِها، كَائِنٌ صَغِيرٌ بِحَجْمِهِ كَبيرٌ بإنْتاجِهِ وَتَحْصِيلِهِ، سِرُّ نَجاحِها وَعَظَمَتِها، كَوْنِها لا تَعْرِفُ لِلكَسَلِ وَالتَعَبِ طَعْمً، تُكافِحُ بِدُونِ تَراجُعٍ أوْ هَوانٍ، وَلَمَّا تَتَواصلُ بَيْنَها لا تُخْطِأُ هَدفَها وَطَرِيقَها إلى مَساكِنِها.

إخْوتي باللهِ لا أبَالِغُ إذا قُلْتُ لَكُمْ أنَّ عِنْدَها ما يَتَفَوَّقُ عَلىَ الرَّاداراتِ، وَتَنْشُرُ أوْ تُفرِزُ مِنَ الموادِ حِينَ تَسْعَى يَجْعَلُ مِنْ تواصُلِها عَجيبً جداً، فَسُبحانَ مَنْ خَلقَها وَمدَّها مِنَ العِلْمِ ما يُجْعَلُها تَشْعُرُ أيضاً، بِتَغَيُّراتِ الطَقسِ لِتَضْبِطَ أُمُورَ حَياتِها وتَصُونَ وَتُحافِظَ عَلىَ مَا اِدَّخَرَتْ لِمَعِيشَتِها، مُراعِيَةً لِعَوامِلِ الطَّبيعَةِ كالأمْطارِ وَالرُّطُوبَةِ وَالدِّفءِ وَالرِّياحِ وأشِعَّةِ الشَمسِ.

في الجانِبِ المَعنَويِّ إخوتي، هِيَ مِنْ أَعْظمِ المَخْلوقاتِ وأَحْسَنَها وأَرْقاها ثَقافَةً وإِخْلاصً وَدِقَّةً بالعَمَلِ وَبِتَنفيذِ وتَخْطيطِ الأُمُورَ وَتَوزِيِعَ المَهامِ والوَظائفِ عَلىَ نَفْسِها وَعلىَ جُنُودِ مَمْلكَتِها، الَّذين يَخرُجُونَ مُنْذُ الصَّباح الباكرِ لاِنجازِ مَهامَهُم، وتَوْفيرِ المُؤَنَ طِبْقَاً لِحاجاتِ الجَمِيعِ عَلىَ طُولِ فُصُولِ السَّنَةِ،
هِيَ أعِزائي، جُنديُّ تَسِيرُ بجماعاتٍ كَفرَقٍ مِنْ كَتائبِ الجَيشِ ذِهاباً وَإِياباً، وَتَحْمِلُ مِنَ الغِذاءِ وَالحُبُوبِ مَا يَفَوْقَ وَزْنَها، وَمَا فَتِئَتْ تَعبُدُ اللهَ، وَمِنْها تَعَلَّمَ الأنْبِياءُ وَالقادَةُ، الدِّقَةَ والإِخْلاصَ والعَمَلَ الجَماعِيِّ والكفاحَ والنَّجاحَ في ساحَةِ المَعرَكَةِ وَالقِتالِ.

 هِيَ والنَّحلَةُ أيُّها الأعِزَّاءُ من عائِلَةِ واحِدَةٍ، وَمِثلَهُما الكَثِيرَ تَعِيشُ مَمالِكَ، وَتُصَنَّفُ مِنْ عالمِ الحَشَراتِ، وَلَنا مِنْهَا مِنَ الفُؤادِ ما يُفيدُنا ويَمِدُّنا بأُمورٍ مَعْنَويَّةً وأُخْرى حِسِيَّةً مُباشَرَةً أوْ غَيْرَ مُباشِرَةٍ، فَالفائِدَةُ مِنَ النَمْلِ تَعُودُ عَلَيْنا وَعلىَ مُحيطِنا مِنَ التُرْبَةِ والمَحْصُولِ وَالبيئَةِ وَغَيْرهِ، بَينَما النَحلُ فِيهِ الشِّفاءُ والدَّواءُ والطَّعْمُ اللَّذيذِ وإلى ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ مِثْلَ تلْقِيحِ زُهُورَ الثِّمارِ، وَلوْ وَثَّقْنا مَا لَهُما مِنْ مَنفَعَةٍ عَلَينا وَعلى الأَرْضِ لَاِحتَجْنا إلى الكُتُبِ.

في كُتِبِ الأحياءِ إخْوَتي نُصَنِّفُهُمَا ضِمْنَ عالمِ الحَشَراتِ، وَفي حَياتِنا نُطْلِقُ إِسْمَهُمَا عَلىَ مِنْ لا يَرُوقُ لَنا ولا يُعْجِِبُنا مِنَ النَّاسِ، كأنَّها سَيِّئةِ السُّمعَةِ فَنُشَبِّهُ بِها مِنْ نبَغَضُ وَنَحتَقِرُ، فنَقُولُ لِفُلان: "أنتَ حَشَرَةٌ" عِنْدَما نقُْصُدُ شَتْمَهُ وإِهانَتَهُ! فَهَلْ نَكُونُ عادِلِينَ وَصادِقينَ بِهَذا التَّشْبيهِ، بمَنْ هُوَ أنْفَعِ وأَرْفعِ وأَسْمى وأَنْبَلِ المَخْلوقاتِ، فاليَوْمَ مَعْ حِفْضِ الأََلْقابِِ والأَسْماءِ قِسْمٌ مِنَ البَشَرِ لا يَستَحِقوُنَ الإحْترامَ، أَمَّا هِيَ لا تَعْتَدي عَلىَ أَحَدٍ وَلا تَكْفرُ أَحَداً، وتُطيعُ اللهَ وتُسبِّحُهُ وتَصُونُ الأَمانَةِ الَّتِي خُلِقَتْ مَنْ أَجْلِها.

في عالمِ التَّاريخِ وَالدِّيانات، المَلِكُ سُليمان عَليهِ السَّلامِ أتاهُ اللهُ العِلْمَ وَالحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ والحَيوانِ وسَخَّرَ لَهُ الرِّياحَ والجِِنَّ، ضَحِكَ مِنْ كلامِِ النملةِ وأُعْجِبَ بِشَخْصِيَّتِها وأَمَرَ سَرِيَّتَهُ (جَيْشَه) بالوقوفِ لِتَمُرَّ هِيَ وأخواتُها بِدُونِ أَذَى خَبَطاتِ الخَيْلِ! والقائِدُ العَسكَري المَغُولي تَيمُور لِنك راقَبَها وتَعَلَّمَ من مُثابرَتِها وعِنادِها درسَاً كَبيراً جَعَلهُ يَحْشُدُ جَيْشَهُ لِيَظْفِرَ من جَديدٍ بالأعداءِ وَيُلمْلِمُ جُروحَ جُنودِهِ ويُعيدُ الكَّرةَ فَيَنْتَصِرُ عَليْهِم، والكَثيرُ الكَثِيرُ من القِصَصِ عَنْ النَّمْلَةِ والنَّحْلَةِ وَإِنسانِيَّتِهِما على الفِطْرَةِ.

مَرَةً أُخْرَى أقولُ أَعِزائِي، إخْوَتِي البَشَرُ: أَسْأَلُكُم أنْ تُعِيدُوا الحِسابَ قَبْلَ فَواتِ الأَوانِ، ولا تَخْجَلوا مِنَ الاِعتِرافِ بِالذَنبِ وَالخَطَأ والتَعَلُّمِ مِنَ النَّملَةِ أو أي كائِنٌ آخَرٍ، فالعِلْمُ نورٌ والجَهْلُ ظَلامٌ وإِذْلالٌ، وَآدْرِكُوا أنّ العَدُوَّ المُحَنَّكِ أوَّلَ مَا يَبْطُشُ بِعَقْلِكُمْ وعِلْمِكُمْ وثَقافَتِكُمْ حتَّى يَسْهُلَ عَليهِ هَزيمَتَكُمْ واخْمادَ نارَكُم.
وفَقَكُم اللهُ وزادَكم عِلْمًا وإيماناً وَلَا تَقُولُوا لَيْسَ عِنْدَنا فُسَحٌ من الوَقْتِ لِنقرأَ وَنَتثقَّفَ، فالرَّابِحُون مِنْ التَزوُّدِ بِالمعرِفَةِ وَالتَّتَلْمُذِ أَنْتُمْ، فالثَّقافَةُ وَالواجبُ المَطلُوبِ مِنَّا أنْ نَعتَبرَ مِمَّا هُوَ واقِعً وأَنْ نُسخِّر َكُلَّ مَا في الكَوْنِ لمَصلَحَتِنا وَسَعادتِنا.


السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ!