كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


  • لا يَكْمُلُ أَمْرٌ، إلاَّ وَلَهُ حَسَناتٌ وسيِّئاتُ، ومَا يُوْجدُ جَمِيلٌ إِلاَّ يَكُونَ ناقصً، وإنَّ الكَمالَ للهِ!


سَلامٌ اللهِ عَليكُمْ وَرَحمَةٌ مِنَ اللهِ وَبَرَكاتُهُ!

ما أكْتُبُ لَكُمْ أيُّها الأَعِزاءُ قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ السُّطُورِ، لَكِنِّي أُذَكِّرُ حَضَراتَكُم: "لا جَدْوَى مِنْ القِراءَةِ إذا لمْ نُتِمْ الَمَقالَ كُلَّهُ"، وَاليومَ هَذا مَا وَجَِدْتُهُ مُناسِبَاً أُقدِّمُهُ لَكُم، وَالمُهِمُّ بالنِّسبَةِ لِي الفَحوَى فيِهِ، لا الكَمِيَّةُ فَهِي لا تَعْني الكَثيرَ، وَأرْجُو لَكُمْ الفائِدَةَ جَميعَاً، مِمَّا يَنْبَثِقُ هُنا عَنْ دِراسَةٍ وَاِخْتِيارٍ دَقيقٍ لِقِراءَةٍ إجتِماعِيَّةٍ وَتارِيخِيَّةٍ وَرُبَّما إقتِصادِيَّةٍٍ أوْ تَحْليلٍ وَفَلسَفةٍ لِفَهمِ وَاقِعً دُنْيَوِيًّ أوْ دِينيًّ.
هِيََ كَلِماتٌ اَخُطُّها لِتَحْمِلَ بِناصِيَتِها رُؤيةً ما، تُوَجِّهُنا كَيفَ نَعِيشُ وَنَسْتَخلِصُ العِبَرَ وَنَتدبَّرُ أُمُورَنا فِي الحَياةِ، وَكُلَّ مَرَةٍ مِنْ عادتي أَنْ أُرْفِقَ ظاهِرَةً إجتِماعيَّةًٍ مُدَعَّمَةً بِالأمْثالِ وَالحِكَمِ والأياتِ.


 اليومَ أتحدَّثُ حَوْلَ التَّغْيِيرِ وَكَيفَ يَكُونُ ضَرُورَةً حياتيَةً فِي غالبِ الأَحْوالِ، لِيَكْسِرَ شَوْكةَ الرُّوتِينِ، الَّذي أصْبَحَ اِسلُوبَ حَياةٍ يُخَيِّمُ عَلَيْنا دُونَ أَنْ نُفَكِّرَ بالأمْرِ، فَطالَما نَشعُرُ بالأَمانِ يَستَمِرُّ الوَضْعُ عَلىَ حالهِ، ونَبْقى نَعْمَلُ وَنَتَصرَّفُ نَفْسَ الشَّيءِ كُلَّ يَوْمٍ، وَلكِنَّ الخَوْفَ قَدْ نَفْقِدُ الاِستِتْبابَ هَذا بِكُلٍ لحظَةٍ، لأَسْبابٍ شَتَّى، وَنَكْتَشِفُ أنَّنا كُنَّا نَغُوصُ في ظُرُوفٍ قاتِلَةٍ اِنتِهازيَّةٍ تَسْلِبُنا الحُريَّةَ والكَرامَةَ، فَنَصبِِحُ كَأدَواتِ عَمَلٍ أوْ ماكِناتٍٍ تَعْملُ بلا راحَةٍ، لَمْ نَكُنْ نُفَكِّرُ بِوُجُودِها مِنْ قَبْلُ، ولَمْ نكُنْ عَلىَ اِستعدادٍ لِمُواجَهَتِها….. ثُمَّ يَبْدأُ الشُّعورُ بالمَلَلِ تَصاعُديَّاً أدْراجَهُ، الَّذي قدْ يُوْصِِلُنا إلىَ وَضْعٍ مِنَ الخُمُولِ وَالرُّكُودِ الذِّهْنيِّ وَالجَسَديِّ فُجْأةً، لأَنَّنا نُكَرِّسُ مَا عَمِلْناهُ أمْس اليَوْمَ وَغَدَاً.

وَالمُصِيبَةُ أعِزائي اَعْظَمُ، وَهِيَ إجتِماعِيَِّةٌ، فِيها نَسْكُتُ عَلىَ الذُّلِ والإهاناتِ وَنعْتادُ عَلَيْها، فَنُصِبحُ في عَيْنِ المُعتَدِي سِلْعَةً رَخيصَةً يَتحَكَّمُ بِنا وَبِأعصابِِنا، بَيْنَما نَعتَبِرُ نَحْنُ الشَّيءَ هَذا طَبيعِيًّ وَرُوتِينً، وهُوَ بالفِعلِ وَاقِعُهُ أَقْوى مِنَ اِستعمالِ السِّلاحِ عَلَيْنا.

هكذا تَكُونُ حَياتُنا إذًا كانَتْ تَخْلُ مِنْ تَخْطيطٍ سابقٍ لِأوانه طَويلَ الأمَدِِ في كُلِّ المَناحِي والمَجالاتِ الحَياتِيَّةِ، فِيها لا نُحاوِلُ التَّفْكيرَ عَميقَاً، ولا نَضَعُ البَدائِلَ تَحَسُبَاً أَنْ يُباغِتَنا شَيْءٌ يُناقِضُ الَّذي نَحْنُ مُعْتادِينا عَلَيهِ، وَنَشْعُرُ مَبدَئِياً فِيهُ مُرتاحِينََ لِمَا يُلازِمُنا يَوْمياً؛ كَالذِّهابِ إلىَ العَمَلِ، المَدرسةِِ، التَّسوُّقِ، المَطاعِمِ، وأماكنِ أُخرى شَعْبيةً نَبْغِي حاجَةً نُريدُها لَنَا أَو لِغَيْرنا، وَلا سِيما وَقْتَ إدارةِ وتَنْفيذِ خدماتٍ إجتماعيَّةً وعامَةً بمَجالِ عَمِلْنا.



فِي العادَةِ أيُّها الإِخوةُ، في كُلِّ الأَحْوالِ هُناكَ دافِعٌ وَمَصلحَةٌ يَبْغُونَها مَنْ هُمْ في عالَمِ الحُكْمِ وَالحُكامِ، أَنْ يَبْقَى النَّاسُ يَشْعُرونَ مُرتاحينَ مِنْ مَا هُمْ عَلَيهِ، وَمِنَ الرُّوتينِ الذي يَعشَقُونَهُ وَلَوْ كانَ سُباتُهُمْ مِنْهُ كالمَرضِ المُزمِنِ الَّذي لا يُفارِقُ الجَسَدَ، لأنَ الجَدِيدَ والتَغْيِيرَ بِالنِسبَةِ لَهُم يُكَلِّفُهُم الكَثيرَ ويأثِّرُ عَلىَ مَراكزِهِم وَقَدْ يُسَبِّبُ زِلزالً تَحتَ أقَدَامِهِم لا يَعرفُونَ لَهُ نِهايهَُ، في عَالَمٍ آخَرٍ فَإِنَّ الرُّوتينَ بارزٌ عِنْدَما كانَتْ الزَّوْجةُ رَبَّةُ البَيتِ مُقيَّدَةً مُلازِمَةً جُدرانَ البَيْتِ، لا تُعْطى مَجالٌ أخَرٌ سِوى عَمَلَها البَيْتيِّ، أمَّا اليَوْمَ فَهِيَ تَدْرُسُ وتَعْمَلُ وتَنْجَحُ وتُؤَديُّ دَوْرَها في المُجْتمعِ كَأَيِّ رَجُلٍ ، وأَصْبَحَتْ تَسوقُ السَّيارةَ وتشاركُ في الدَّعواتِ، ورُبَّما لِوَحدِها في مُناسَباتٍ كَثيرةٍ، مِمَّا أوْصَلَها لحالَةٍ كبيرةٍ مِنَ الحُرِّيَةِ، والخَطرُ هُنا قدْ يَقَعُ مِنْ تَعَدِّي أوْ تَجاوزِ العاداتِ مِنْها أوَّلاً وَمِنْ شَريكِ حَياتِها إذا كانَ غَيُورَاً أوْ مِنْ النَوعٍ المُلْتَزِمٍ، وَمِنَ الجِنْسِ الَّذي يَعْمَلُ كَثيراً، ويَعْشقُ عَمَلَهُ وَمَكْتبَهُ وإدارتَهُ لمصالِحِهِ وَيَغفلَ عائِلَتَهُ، فَتَبدأُ المََشَاكِلُ والتَّدَهورُ السَّرِيعِ وَيَضيُعُ الأَوْلادُ، وَتظهرُ الخِيانَةُ الزَّوجِيةِ، والطَّلاقُ ومَا لا يُحْمَدُ عُقْباهُ للأسفِ الشَّديدِ.

هَذا والكثيرُ مِنَ الأَمْثالِ إخُوتي عَزَّكُمْ اللهُ، فيها الرُّوتينُ لا يُثْمِرُ عَنْ فَوائِدٍ إِلاَّ بِحُظُورِ بَرَامِجٌ مُسْبقَةٌ مَدرُوسَةٌ، مِثْلَ الفَعالِيَّاتِِ الجَماعيَّةِ التربويةِ ومُمارَسةِ القِراءَةَ لِلتَوعِيَّةِ، وَالرياضةِ وَالرحْلاتِ، وَطَلعاتٍ عائليةٍ جَماعِيَّةِ لِتَوثيقِ الأسرةَ والعلاقاتِ الأسريَّةِ وَللتَّرْفيهِ عَنْ النَفْسِ، ثمَّ التَغيِيرِ عامةً وَمُحارَبَةِ المَللِ النَّاجِمِ عَنْ الرُّوتينِِ.

مِنْ ناحِيةٍ أُخْرى نَجدُ الرُّوتينَ لهُ حاجَةٌ أيُّها المُحْتَرَمين، فَنَقُومُ عَلىَ الدَوامِ بِتَوْجيهِنا لأَوْلادِنا وأَطْفالِنا، وهَذا لِتَوفِير ِرُوحَ الطَّمأنِينَةِ وَالتَعَلُّمَ الدَّائِمِ والإبْدِاعِ المُثمِرِ وَالعَطاءَ عِنْدَهم، أَقلَّ مَا يُمْكِنُ في المَراحلِ الأُوْلَى فِي حياتِهِمْ ، لِحاجَتِهِم لِلتَنْبيِهِ وَتَقَبُّلَ الجَدِيدَ والتأَقْلُمِ السَّريعِ في عَالَمٍ كَثيرِ التّنَوُّعِ.
لِهذا أَيُّها الجَماعَةُ، للرُّوتِينِ إيجابياتٌ وَسَلبيَّاتٌ، وَفي حَالِ عَدَمِ وجُودِ بَرْنامِجُ عَمَلٍ فِيهِ اِتِّزانٌ، سَتَطْفُو السَّلْبياتُ ويَكُونُ الضَّرَرُ أَزيدُ غَرابةً، وَلهَذا إذا عَمِلْنا مُسْبقاً وَوَضَعَنا أهْدافً وَاضِحَةً بَنَّاءَةً، يُصْبِحُ الجانِبُ الإيجابِيِ هُوَ السائِدُ وَالغالِبُ فِي كُلِّ الأَحْوالِ وتَكُونُ النتائجُ أفضلَ وأثْمَنَ قِيمَةً.

فَفي التَّغْيير ِأَحْبابي أَيُّها الإخوَةُ والأخَواتُ، القائِمُ على بَرْنامجٍ مَعْرُفٍ وَمَقبولٍ، يَكُونُ الشُّعورُ بِطَعْمِ اللَّذَةِ والرَّاحَةِ النَّفْسيةِ والجَسدِيَّةِ مَلْمُوسً، واللهُ تَعَالَى في كِتابِهِ أوْضَحَ وَفَرَضَ عَلينا الأُمُورَ بِشَكْلٍ تَدْريجِيٍّ، كَانَ النَّاسُ مُعتادِينَ عَلىَ نَقيضِها مِنْ قَبْلُ، مَدَّها لنا عَلىَ مَراحِلٍ ليُيَسِّرَ عَلَينا وَيُحْدثَ شَيءً جَديدَاً وأَفْضَلَ في كُلِّ مَرَّةٍ، لِيُشْعِرُنا رَغْبَةً بالأمرِ وَيُعْطِينا أَمَلاً جَديدَاً، يَزيدُ مِنْ سعادَتِنِا وَتَمَسُّكِنا بِهِ، رَغْمَ أنْ كَانَ عَكْسَهُ رُوتينً كابِتَاً مُتَعَوِّدوَنَ عَلَيهِ، وذَكَرَ التَّغْييرَ المَنُوطَ بِتَغْيير ِ النَّاسِ مِنْ حَالٍ لأُخْرٍ فِيهِ يُغَيِّرُ ما عِنْدَهُم للأحْسَنِ، "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ"، فَلَو فرضَ اللهُ كُلَّ شَيْءٍ يُريدُهُ مِنَ البِِدايَةِ، لَما اِستَحْسنَ الخلقُ التَغيِيرَ ولكانَ صَعْبً أَنْ يؤمِنوا وَلَمَا أحَسُّوا بِأَهَمِّيةِ الأُمُورِ.
  • قَالَ تَعالَى:
"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"
أَخيراً وليْسَ آخِراً فإِنَّ التغيِيرَ يا أعزائيُ، يُحَرِّرُ الإِنْسانَ وَيَجعَلُ حَياتَهُ ذاتَ قِيمَةٍ وَطَعْمٍ وعَمَلٍ مُسْتَمِرٍ لِلتَقَدُّمِ والإِبْتِكارِ واِلإِخْتِراعاتِ وَالنَّجاحِ بَيْنما الرُّوتينُ يُسَبِّبُ المَلَلَ والخُمُولَ وَعَدَمَ الإنْفِتاحِ والتَّطَورِ كَمَا يَنْبَغِ، وَلهذا لِلتَغْييرِ حَسَناتٌ إيجابِيَّةٌ وسَلْبياتٌ آثِمَةٌ، وَلِلرُوتينِ إيضاً لهُ كَذَلِكَ، وَهُنا مِنَ الواجِبِ عَلَيْنا إِظْهارَ التَّوازُنَ وَعَدَمَ المُبالَغَةِ في حالٍ واحِدٍ.


وَفَقَكُمْ اللهُ! وَسَدَّدَ خُطاكُمْ! والسَّلامُ والأَمانُ والطَّمأنِينَةِ عَلَيْكُمْ إِنْ شاءَ اللهُ!