كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


وأَنْ كَانَ يَتيماً، وَحِيداً، فلا ضَيْرَ 

بِدايَةً، أصْبحَ جَماعَةً ثُمَّ أُمَّةً بِفِكْرهِ، بِعَدلِهِ، بِتَواضُعِهِ، بِأخلاقِهِ،بِصِدقِهِ،بأمانَتِهِ، وَبِتَضْحِيَتِهِ وَحُبِّهِ للأَخَرينَ


  • سَلامٌ عَلَيكُم وَرَحمَةُ العَليِّ العَظيمِ سُبحانَهُ اللهُ رَبِّي وَربُّكُم أَجْمعين!
أعِزائي الأَباءُ والأمهاتُ يا زُهوُرُ المُستَقبَلِ، يا مَنْ تَزَوَّجَ لِيُنْجِبَ الوُرُودَ، يا مَِنْ واجِبَ عَلَيْهِم وَحَرِيًّ بِهِمْ أَنْ يَهِبُوا أوْلادَهُم العَطْفَ وَالحَنانَ وَالسَّكِينَةَ والطَّعامَ وَالمأوَى الأَمينِ، بِعَمَلِكُم هَذا تَكُونُونَ قَدْ حَقَقتُم أسْمَى رِسالَةٍ وَخِدمَةٍ، تُقدِّمُوها لَكُم أَنْفُسَكُم ولَهُمْ وَللهِ العَزِيزُ الحَكِيمِ.
هَذا العَمَلُ أيُّها الأَعِزاءُ، مَخْطُوطٌ بِكِتابِ مَحْفُوظٌ أَلا وهُوَ كِتابُ اللهِ يُعْلِمُكُم إنَّهُ يَكُونُ إنْجازً وَنِعْمَةً وَمُكافأةً عَلىَ حُسْنِ تَصَرُّفِكُم وَجُهدِكُم، تَنالُون عَلَيهِ أنْتُم وَهُمْ مِنَ اللهِ تَعالَى.

 إنَّ المَقْصُودَ هُنا أنْ تَقُومُوا بِرِعايةِ حَالتَهُم جَسَدِيًّ وَنَفْسيًّ الَّتي يَجِبُ أَنْ يَنعَمُوا بِها، وَالأَمْرُ لَهُ أَهَمِيَّةٌ وقيمةٌ لا تَقِلُّ عَنْ الوَضْعِ الََّّذي فيهِ تُهَروِلُون أنْتُم ساعاتٍ وَراءَ المادَّةِ، وتَنْسوْن أنَّ لَنا إِبْنٌ أوْ إبْنَةٌ بِحاجَةٍ لِلحُبِّ وَالإنْتِباهِ وَالحَنانِ أكْثَرَ مِنَ الرَّكْضِ المُفْرِطِ لِجَمْعِ النَّقُودَ.

 أعِزائي ما فائِدَةُ الكِنُوزِ الَّتِي تَجْمعُونَ، إذا تَعَرَّضَ مَنْ نَجْمَعُ لَهُ بغِيابِنا لِضُغُوطٍ وإِساءَةٍ نَفْسيَّةٍ أوْ جَسِديَّةٍ، الَّتِي تُؤْذيهِ وَتَترُكُ فِيهِ الكَثيرَ مِنَ المُعَوِّقاتِ، فَيُعانِ أوْ تُعانِي من إِخْتِلالاتٍ وإِضْطِراباتٍ فِي القُدِراتِ الصِحِيَّةِ والسُلوكيَةِ العَمَلِيَّةِ، مَا يُأَثِّرٌ بِالتَّالِي على الإِسْتِعابِ والتَّرْكيزِ والتَحْصِيلِ وَرُبَمَّا الإحْباطِ عِنْدَهُ.

إنَّ العَمَلَ الجَادِّ مِنَّا، والإِسْتِثْمارَ الصَّحِيحِ بِتَرْبِيَةِ فَلَذاتِ أَكْبادِنا، يَحْتاجُ إِلى تَكْريسِ قِسْمَاً مِنْ زَمَنِكُم، تَجْعَلُكُم أيُّها الأَبُّاءَ، وأيَّتُها الأُمِّهاتِ، فَنَّانينَ نَّاجِحينَ مَشْهُِورينَ، صاحِبي تَصْميمٍ لأَرْقى وأَثْمَنَ تُحْفَةٍ فَنِيَّةٍ، فَكَمَا تَرْسُمُ وَتَخُطُ عَلىَ هَذهِ اللَّوْحَةِ البَيْضاءِ يَكُونَ إبْنُكُ وَتكونُ بِنَتُكَ كَذَلكَ، سَليمًٍ مُعافى وَبَعيدً عَنْ الصِّفاتِ المُخالِفَةِ للإِنْسانِ المُعْتدِلِ المَقْبُولِ إجتماعيًّ، هَذِا يَجْعَلُهُ صاحِبَ مواقِفٍ بَنَّاءَةٍ ومُرضِيَةٍ، وَتَّصَرُّفُهُ يَنبُعُ مِنْهُ عَنْ العَقلِ أوَّلاً وَالفُؤادِ ثانِيَاً وليْسَ بِتأثِيرٍ وَضَغْطٍ مِنْ أَحَدٍ، فَيَكُونَ رَحْبَ الصَّدْرِ هادِيءَ المِزاجِ بارِعَ التَخْطيطِ والتَّصْمِيمِ ورَشيدَ الفِكْرِ وسَليطَ وَحادِقَ اللِّسانِ كَما نَهَلَ مِمَّنْ حُضَنَهُ وَرَبَّاهُ وآعْتَنَى بِهِ.
وَلَعَلِّي أُذَكِرُكُم هُنا بالحَدَثِ الَّذي كُلُّكُم تَعْرفُونَهُ؛ وَلَدٌ أبْدَعَ اللهُ بِخَلْقِهِ، وَلَدٌ مَوْلِدُهُ غَيَّرَ التَّاريخَ وَبَدأ عَصْرَاً جَدِيداً، إخْتارَتْ لَهُ أُمَّهُ آمنةُ بنتُ وَهَبْ مُرَبِّيَةً يَعَيِّشُ عِنْدَها فِي بِيئَةٍ صِحِيَّةٍ، فِي كَنَفِ البادِيَةِ ليَمْرَحَ في طَبيعَتِها، ويستلذَ بِغِذائِها ونَسيمِها، ويَتَعَلمَ لُغَتَها الفِصْحةِ، فَهِيَ مَنْبَعُ الفَصاحَةِ وَالأَخْلاقِ لا مَثيلَ لَها.
 هَذا ما جَرَى بِصِغَرهِ بَيْنَما كانَ قَدْ فَقَدَ أباهُ الَّذي وافَتْهُ المَنِيَّةُ، وَهُو ما زالَ فِي رَحْمِ أمِّهِ عِنْدَما عادَ مِنْ رِحْلَةِ تِجارَةٍ إلىَ الشَّامِ، فَدُفِنَ في المَدِينَةِ المُنَوَّرةِ، وَشاءَ القَدَرُ أنْ تَكُونَ أُمُ أَيْمَن (حَليمَةُ السَعْديَّةِ) الحَبَشيَّةِ حاضِنَتَهُ.


 بَعْدَ مِضِيِّ عامَينِ وَالقَليلَ من الأشْهُرِ ِ، أعادَتْهُ حليمَةُ إلى أُمِّهِ أمِنةُ بَعْدَ حادثَةِ شَقِ الصَّدْرِ، فَترَبَّى في كَنَفِها إِلىَ أنْ أصْبَحَ سِتَ سَنَواتٍ ثمَّ بَعْدَ وَفاتِها كَفِلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلبِ الَّذي أَحَبَّهُ إلىَ أنْ كَانَ عُمْرُهُ ثَمانِيَةَ عَشْرَ عامَاً، وأَوْصَى عَمَّهُ أَبِو طالِبِ الَّذي حنَّ عَليهِ بِأن يُكْمِلَ المِشْوارَ، ولمَّا عَلِمَتْ خَديجَةُ بِنْتُ خوَيْلدِ بِأَمانَتِهِ وَبَراعَتِهِ وَصِدْقِهِ وأَخْلاقِهِ العالِيَةِ، جَعَلتْهُ يُتاجِرُ لَها فنجحَ بِتِجارَتِها وأُعْجبَتْ بِهِ ثمَّ عَرضَتْ الزَّواجَ عَلَيهِ وَكانَتْ تَكْبَرُهُ بِخَمْسةِ عَشْرَ عامَاً، أمَّا هُوَ فكانَ في الخامِسةِ والعِشْرينَ مِنْ العُمْرِ.

 إنَّها السِّيرَةَ المُشَرِّفَةُ وَما حَدَثَ بإيجازٍ، فِيها قَبْلَ البعثَةِ تَزَوجَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ مِنْها، مِنْ خديجةِ أمِ المُؤْمنينَ، التي آمَنَتْ بِهِ وَصَدَّقَتْهُ وَدعَمَتْهُ عِنْدَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ النَّامُوسُ وَشارَكَتْهُ بِنَفسِها وَمالِها وَبِكُلِّ ما تَمْلُكُ مِنْ قُوَّةٍ نَفسِيَّةٍ وَآجتماعِيَّةٍ، قَبْلَ أَنْ يُفرِّقُ القَدَرُ بَينَهُما بَعْدَ خَمُسَةَ وَعِشرينَ عامَاً مَعَاً، فَهاجَرَ بعدَ ثَلاثَ سَنَواتٍ مِنْ فُقْدانِها وَفِقدانِ عَمِّهِ الَّذي أحَبَّهُ لأخلاقِهِ أكْثَرَ مِنْ أولادِهِ.

هاجَرَ الرَّسُولُ إلىَ المَدينةِ وَتَرَكَ أُحَبَّ بِلادِ اللهِ إِليْهِ بَعْدَ أَنْ واجَهى عَليْهِ السَّلامُ صُعُوبَةَ الحَياةِ وَالعَداءِ المُفرِطِ للنُّبُوَةِ، فَكانَ الهَدَفُ تأَسِيسَ دَولَةَ المُسْلِمينَ في المَدينةِ بعيداً عَنْ مَكَّةِ، خَوفَاً عَلىَ مَصِيرِ المُسلِمينَ وَمصِيرِ الدَعْوةِ، وَقَدْ فَرضُوا عَلَيهِ وَأهْلِهِ وأتْباعِهِ المُقاطَعَةَ التَّامَةِ، حَيْثُ حَسَّ بِالخَطَر ِوالضَّياعِ على الإِسْلامِ فِيها، فَصَمَّمَ بشَخْصِهِ وأَمانَتِهِ وصِدْقِهِ وعَزيمَتِهِ وإِيمانِهِ القَوِيِّ وطبعاً بِمَشيئَةِ اللهِ، إتِّخاذَ هَذا القَرارِ لِما يَحْمِلُ مِنْ تَغْييرٍ إسْتراتيجِيٍّ مُهِمٍّ لأنَّهُ لَمْ يَعُدْ بِمَكَةِ مَنْ يُؤازرهُ مِنْ القَومِ وَمِنْ إهلِهِ، فَبَعْدَ أَنْ فَقَدَ أعَزَّ مَا لَهُ فِيها تمَّ الأَمْرُ، وَلِحُزْنِهِ الشَّديدِ عَلىَ مَا فَقَدَ، سُمِيَّ العامُ هَذِا لِكُثرَةِ حُزِْنهِ بِعامِ الحُزْنِ.

إنَّ مَا يُمْكِنُ إسْتِخْلاصَهُ أعِزائي، إِنَّ الحالةَ وَالهُدوءَ النَفسِيِّ الَّذي حُظِيَ بِهِ الرَّسولُ عَلَيهِ الصَّلاتُ والسَّلامُ ثَمَرَةُ الرِّعايَةِ وَالدَعْمِ لَهُ، الذي وُفِّرَ لَهُ جَواً بَعِيداً عَنْ الهَوانِ، رَغْمَ تَنَقُلِهِ من بَيْتٍ لأخر يَرْعاهُ، ما جَعَلَهُ يَكْبَرُ على أَخْلاقٍ حَميدَةٍ ورُوحٍ هادِئةٍ وَصِدْقٍ فِي المُعامَلَةِ وإِخْلاصٍ وتَواضُعٍ بَيْنَ النَّاسِ وإيمانٍ بِرُوحِ الرِّسالَةِ وَالعَقيدَةِ.

كانَ يَتيمَاً وَحِيداً بِجيلٍ صَغِيرٍ، إِلاَّ أنَّ السَكينَةَ عِنْدهُ جعلتْهُ على خَلُقٍ وحِكْمةٍ يَحْكمُ بالعَدْلِ وإِنْصافٍ في القَرارِ مع القَريبِ وَالبَعيدِ وَالصَّغيرِ وَالكَبيرِ.
أعزائي المُحْتَرَمُونَ، كانَ الحَبِيبُ مُحَمَدٍ عَلَيهِ السلامُ، رَحِيمَاً بَشُوشَاً مُتَسامِحَاً وَقْتَ كَانَ قادِرً علىَ العِقابِ، وكُلُّ هَذا بِفَضْلِ ذَكائِهِ وفِطْنَتِهِ ورؤيَتِهِ المُستقبلَ، ولا سِيَّمَا ما لَهُ مِنْ صَفاءِ القَلْبِ وفَقْرِ الحِقْدِ، وَهَذا جَعَلَ فِكْرَهُ دِفاعاً وَمُحارَبَةً الفَسادَ والظُلمَ الَّذي عاشَهُ النَّاسُ وإنتَشَرَ في البِلادِ، فَتغَلَّبَ عَلىَ النَّزَواتِ وَالدَّوافِعِ الشَيطانِيَّةِ وَضَحَّى وَصَبرَ على الأَذى حَتَّى جاءَهُ اليَقينُ وسَّلمَهُ جِبريلُ النبوَةَ مِنَ اللهِ.

وما أُرِيدُ القَوْلَ أنَّ كُلَّ إِنْسانٍ بإِيمانِهِ وأَخْلاقِهِ وذَكائِهِ وقُدُراتهِ العَمَلِيَّةِ، وَظُرُوفٍ يَعِيشُها، تَتَطَوَّرُ مَعَهُ مُنْذُ صِغَرِِهِ حالَتُهُ النَفْسِيَّةِ، فَتَكُونُ الرَّكائزَ الَّتي تُحَدِّدُ أمْرَهُ في الحَياةِ!
وَفَّقَكُمْ اللهُ وَوَهَبَكُمْ أَخْلاقَ رَسُولِهِ ومَدَّكم بحالةٍ نَفْسيَةٍ وَثِقَةٍ كَمَا كَانَ الحَبِيبُ!
السَّلامُ عَليكُم وحَبَّبَ اللهُ والرَّسُولُ بِكُمْ إِنْ شاءَ اللهُ!