د. منير توما (كفرياسيف) قرآة تحليلة
الدكتور أسامة مصاروة ومسرحية "هملت
رغم أنَّ هناك العديد من الترجمات العربية لمسرحية "هملت" لشكسبير والتي قام بإعدادها عدد من كبار الأدباء والمترجمين المختصين والذين أبلوا بلاءً حسنًا في ترجماتهم لها، فإنَّ ترجمة الدكتور أسامة مصاروةلهذه المسرحية مؤخرًا قد نالت إعجاب واستحسان قرّاء مسرحيات شكسبير وخصوصًا مسرحية " هملت "التي أضفى الدكتور مصاروة عليها نكهةً خاصة ً مميزة وجوًّا عابقًا بالإثارة من خلال ترجمتها الى العربية بلغةٍ وأسلوبٍ شائقين من حيث دقّة العبارات والكلمات ووضوح المعاني، وبهذا جاءت ترجمته – فيما يبدو لي – نتيجة جهد تنوء به العصبة أولو القوة، ومع ذلك نهض بها وهو الفرد الذي لا يملك إلّا علمه وإيمانه وتفانيه في خدمة المعرفة والثقافة العربية .
وهكذا يكون الدكتور أسامة قد أخرج بهذا العمل آية من آيات الترجمة الدقيقة المتقنة حيث يظهر لنا تمامًا أنَّ كل كلمة – بل كل علامة ترقيم – قد مرّت بمراحل من المراجعة والتدقيق والتحرير، لا يعرف مشقتها إلّا من عاناها واكتوت يداه بنارها .
ومن حيث إن اللغة هي جزء لا يتجزأ من الثقافة في حقل الترجمة، فإنَّ الفهم الكامل لمعاني النص لم يتأتِّ الى الدكتور مصاروة إلّا بفهمه ِالكامل الأصيل لتلك الثقافة التي ينتمي اليها النص وهي ثقافة اللغة الإنجليزية التي أبدعَ فيها شكسبير بكتابتهِ الشعر والمسرحيات الرائعة التي ما زالت خالدة الى يومنا هذا في كافة أرجاء العالم .
واللافت في ترجمة الدكتور مصاروة لهذه المسرحية أنّه قد اعتمد نوعًا من الفصحى الحديثة المشبعة بروح العصر Modern Standard Arabic ) )، لأنَّ استخدام غير ذلك فيه ِ إنكار للعربية الفصحى وإمكاناتها وتعطيل لوظيفتها وأدواتها . ونلمس في ترجمة " هملت " هنا أنَّ اللغة عند الدكتور مصاروة كانت لغة حديثة تضمن الحياة لشخصيات النص، حافظ فيها المترجم على الاختلاف في نوعيّات اللغة ومستوياتها التي تتكلمها الشخصيات من حيث القدم والطبقة الاجتماعية والمستوى التعليمي والمزاج، وغيرها من الخصائص، حتى يحتفظ للحوار معها بسمة الإثارة، وهذه الصورة التي سعى اليها المترجم قد عكست وجسّدت بكل مهنية ووضوح اللغة عند الشخصيات الرئيسية في هذه المسرحية كهملت الأمير، وكلاوديوس الملك وغرترود الملكة، وبولونيوس اللورد وابنه لرتيس وابنته أوفيليا وكذلك هوراشيو صديق هملت الوفي . ومما لا شكَّ فيهِ أنَّ المترجم قد استطاع بمهارتهِ وحنكتهِ اللغوية والثقافية أن ينقل بأمانة ولغة مختلفة من حيث المبنى والجوهر والتوجّه للشخصيات الأخرى غير الرئيسية كروزنكرانتز وغلدنسترن (وهما من أتباع الملك) والمهرجين وأوسريك وغيرهم .
يبدو من ترجمة الدكتور مصاروة لمسرحية " هملت " أنَّ مهمّتهُ كمترجم كانت مهمّة ليست سهلة، بل لا تخلو من مسؤوليات جسام يضطلع بها المترجم بغية تحقيق هدف الترجمة . ومن حيث إنه على المترجم أن يكون ثنائي اللغةBilingual ، فإنَّ الدكتور أسامة في هذا السياق يتمتّع بهذه الصفة باعتبارهِ مجيدًا للعربية والإنجليزية، وإذا كانت اللغة لا تنفصل انفصالًا كاملًا عن الثقافة، فإنَّ شرط كون مترجم النصوص الأدبية ثنائي الثقافة Bicultural هو شرط ذو أهمية قصوى، لأنَّ الأدب تجسيد للثقافة ونقل لها، ولا يتحقق انتقال الثقافة عبر ترجمة الأدب إلّا إذا كان المترجم عارفًا بدقائق تلك الثقافة وجوانبها، لأن تلك المعرفة باللغة وثقافتها هي التي تساعده على فهم النص فهمًا كاملًا، وهذا الأمر يتجلّى لدى الدكتور أسامة مصاروة باعتباره مختصًا أكاديميًا باللغة الإنجليزية وآدابها، كما أنَّ معرفته بلغته وثقافته العربية تساعده على نقل معنى النص .
إنَّ إلمام المترجم الدكتور مصاروة بلغة النص الأصلية لهذه المسرحية قد ساعده على تحديد الكلمات التي لها كلمات تقابلها في اللغة المستهدفة دون أن تطابقها في المعنى، وهي ما تسمى بالصديقات المزيّفة False Friends وهي كثيرة عند شكسبير، خاصة فيما يتعلق بالكلمات المشبعة بالدلالات الهامشية . كما ساعد ذلك الإلمام المترجم على فهم البنية القواعديةGrammatical structure للغة النص الأصلية (الإنجليزية هنا) وتحديد ما توحي به الكلمات من تضمينات تؤثر في معنى الأثر الأدبي.
وقد تدارك المترجم هنا هذا الأمر بكل شفافية عن طريق الإتيان بالحواشي التفسيرية ووضعها بشكل بارز وواضح . وهنا يُضاف الى رصيد الدكتور مصاروة في براعته بخوض هذا المضمار الأدبي فنيًّا لا سيّما وأنَّ إلمامه بلغة النص الأصلية قد ساعده على ألفة الحياة وفهم الثقافة المتعلقتين بمستعملي تلك اللغة، ومن ثم فهم ما يتضمّنه النص من تلميحات وإشارات خاصة مرتبطة ببلد المؤلف أو ثقافته خصوصًا أن مسرحية هملت قد كتبها شكسبير في العصر الاليزابيتي بكل ما يحمله ذلك العصر في انجلترا من خلفيات ثقافية وحضارية واجتماعية ولغوية تسترعي دقة الترجمة والإشارات التي يجب أن تُؤخذ بعين الإعتبار، والتي لم يغفلها المترجم هنا . إنَّ معرفة واختصاص الدكتور مصاروة بالأدب الإنجليزي وإلمامه به وتذوقه لها الخاصية والشرط الذي أضاف الى أهليته ومقدرته كمترجم لنصٍ أدبي كلاسيكي راقٍ كمسرحية هملت لشكسبير . ذلك لأن ترجمة النص الأدبي تحتاج من القائم بها الى أن يكون متقنًا للغة معينة هي لغة الأدب، ومالكًا للإحساس بجمال الأدب متذوقًا إيّاه .
وأخيرًا وليس آخرًا، يمكن القول أنَّ الدكتور أسامة مصاروة قد أجادَ وأبدعَ َ في ترجمته لمسرحية هملت من الإنجليزية الى العربية، فكانت ترجمة متميزة فريدة من نوعها لأنَّ الدكتور مصاروة قد أظهر في ترجمته كالمترجمين المرموقين قدرةً على التنقّل بسهولة بين عمليتين أساسيتين من عمليات الترجمة Translation Processes، هما عمليتا الفهم Comprehension والصياغة Formulation التي تشتمل على عملية أخرى هي عملية إعادة التكوين Recreation. وعملية إعادة التكوين هذه لا تتطلّب من المترجم أن يكون عارفًا بلغة النص وموضوعه فقط، بل أن يكون قادرًا على الكتابة ببراعة وإتقان ووضوح في لغته، مستغلًا كل إمكاناتها ومواردها . وهذا ما فعله الدكتور مصاروة في ترجمته لمسرحية " هملت " حيث كان موفقًا جدًا في هذه المهمة الأدبية مما يجعل هذه الترجمة جديرة بالقراءة والتداول في أوساط الطلبة ومتذوقي الأدب العالمي، وبالتالي نشدّ على أيدي المترجم الكريم الذي يستحق كل ثناء وتقدير وإطراء على هذا الجهد المضني الذي بذله لإثراء الناحية الثقافية بين جمهورنا المهتم بتوسيع مداركه وآفاقه الأدبية والمعرفية.
فللدكتور أسامة مصاروة خالص التحيّات وأطيب التمنيّات بموفور الصحة ودوام التوفيق وبالمزيد من الإبداع والعطاء.

د. منير توما

05/06/2016 10:07 pm
.jpg)
.jpg)