كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

التَرابطُ بَينَ العِلْمِ وَالمَعْرفَةِ والتَّواضُعِ، وَالحَربُ ضِدَّ الجَهلِ والشُّموخِ المُزيَّفِ.

  •  بقلم : سامي مدني

السَّلامُ عَليكُمْ أحْبابُ باللهِ!
أيُّها الاخوَةُ والأخواتُ الأَعِزاءُ، في حَالِ سَماعِنا خَبَرً أَوْ قَولاً مِثْلَ، "وَشَهِدَ شاهِدٌ" نأخَذُهُ عَلَىَ مَحْمَلِ الجَديَّةِ، أَيْ نَنْظُرُ إِليْهِ أنَّهُ أمرٌ مُهِمٌ وَقَدْ يَكُونُ مَوْثُقً بِهِ، وَهَذا ما يَجْري مَعَنا عادَةً فِي مَحاكِمِ الدُّنيا، فَكَيفَ إذا صَدَرَ مِثْلَهُ مِنْ مَصْدَرٍ كَالقُرأنِ الكَريمِ، …… "وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها"، عِنْدَئِذٍ لا يَجُوزُ وَلا يصِحُ إلاَّ أَنْ نُؤمِنَ أنَّ الخَبَرَ هَذا حَقيقِيُّ يَقْطَعُ الشَّكَ بِاليَقينِ، خاصَّةً وَإنَّهُ اِقتباسٌ مِنْ كِتابِ اللهِ وإلهامٌ مِنْهُ، والَّذي يَعنِي أَنَّ الرَّجُلَ أوْ الشَّاهِدَ هَذا غَيْرُ مُجْبَرٌ وَلا مُتردِّدٌ لَكِنَّهُ مُسيَّرٌ مِنَ اللهِ وَنُحِبُّهُ بَيْنَنا، لأنَّهُ عَلىَ الأَغْلبِ صَادِقٌ، أمينٌ وَيُظْهِرُ الحَقَّ، وَيُضْفي العَدْلَ، والشَّرْعِيَّةَ، ويُؤَدِّ إخْتِزالَ الجِدالَ، طَالَما كانَتْ الأَفْكارُ مُتَضارِبَةً والمَواقفُ مُحَيِّرَةً وآختَلََطَ الحَابِلُ بالنَّابِلِ وَلا نُدركُ كُنْهَ (جَوهَر َ) الحَقيقَةِ.
قالَ سبْحانَهُ تَعالَّى: "قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ"، فَبَعْدَ أَنْ كَانَ الكُلُ يَدْفعُ بِمُبَرِّراتهِ، حَدَثَ أَمْرٌ مُحَيِّرٌ وَجَاءَ المَوقِفُ المَنْطِقيِّ وقُطِعَ دابِرُ الشَّكِ باليَقِينِ، فأصْبَحَ الوَضْعُ واضِحاً كالشمس.


 أيُّها الأخوةُ هذا ما يَجْري في هَذهِ الدُّنيا وَهذا ما يَحدُثُ حتَّى يَظْهرَ مِنْ يَعْطِي حَلاً غَيْرَ مُتَحَيِّزً دُونَ أَنْ يَعْرِفَ التَّفاصِيلَ، فالكلامُ عَنْهُ وَالحَلُّ مِنْهُ يَكُونُ شَامِلاً عامً وَعَلى جَميعِ الاِحتِمالاتِ، فَسُبْحان اللهُ الَّذي يَجْعَلُ الصَّحَ والحقَ بائنَاً في حِينِهِ، مِنْ قِبَلِ مَنْ لَيسَ لَهُ دافِعً شَخْصِيًّ، ثمَّ سُبْحانَه الَّذي يُدَبِّرُ الأُمُورَ وَيُغَيِّرُ الأَحْوالَ، وَيَجْعَلُ اللَّيْلَ نَهاراً وَالأخضَرَ يابساً وَالمَيِّتَ حَيًّ وَالحَيَّ مَيِّتً وَما لا تَعْلَمُونَ.
إخوتي المُحتَرمُون، هُنا أنا أُقدِّمُ لَكُم وَقائِعً مِنَ الحَياةِ لَطَالَما نيَّتِي خِدْمَةَُ النَّاسِ وَفائِدَتُهُمْ ، ….. أُذَكِّرُ أنَّني لَسْتُ أَحْسَنَ مِنْكُم وَلا أفْضَلَكُم وَأَجْري عَلَىَ اللهِ، وأقولُ: إنَّ كُلَّ إِنْسانٍ حُرٌّ فِِينا عَلَيهِ أنْ يَحْمِلَ رِسالةً في الخياةِ، يَرَى نَفْسَهُ جَدِيرً أَنْ يُعَبِّرَ بِها عَنْ غايَةٍ ما، قَدْ تَكُونُ في عَالَمِ الاِجتِماعِ، الفَلْسَفةِ، السِّياسَةِ، الإقتصاد، الطبِّ، الفلك … وغَيْرِها، فَعَلَيهِ أَنْ يُدافِعَ عَنْها وَيَنشُرَها بِكُلِّ جُرْءَةٍ وَبدُونِ تَرَدُّدٍ وإِلاَّ تَمُوتُ مَعَهُ ولا يَنتَفِعُ مِنْها أَحَدٌ، وَمِنْ جِهَتِي أُشدِّدُ أنْ تَكونَ جَمِيعُها عَلَىَ قاسمٍ مُشْترَكٍ بِدينِ اللهِ لِتَصْلُحَ، وَهذا يَعْني أَنْ لا يَكُونَ تَناقُضً فِيِها مَعَ ما أنْزَلَ اللهُ، فَكَمْ مِنْ رِسالةٍ حَمَتْ مَظْلُومً فَنَجا! وَكَمْ مِنْ ظَالمً فَهَوَا! وَكَمْ مِنْ سُوءِ فَهْمٍ إنْكَشفَ وظَهَرَ وَبانَ في اللَّحظَةِ الحاسِمَةِ.
في الدُّنيا قِصَصٌ كَثيرَةٌ فِيها الشَّاهدُ الصَّادِقُ لا يكونُ بِحيرَةٍ بَينَ أَمْرً ونَقِيضَهُ: بَينَ الحَقِّ والباطلِ وبَيْنَ النورِ والظُّلماتِ، وبَيْنَ العَدوِِّ والصَّديقِ، إِنَّما يَكُونُ هُوَ نَفْسُهُ في جَميعِ الأَحْوالِ الحاسمُ، المُنْقِذَ، المُساعِدَ، المُريحَ، الَّذي يُهوِّنُ ولا يُعَقِّدُ: وَفِيهِ الحِكْمَةُ والمَوْعِظَةُ والأَدَبُ، والأَمْثالُ عَلَىَ ذَلِكَ أصْحابُها كَثيرونَ فَلا تَستَغْربُوا وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ رَسُولُ اللهِ:
" لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي ظاهِرينَ عَلىَ الحَقِّ لا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم حَتَّى يأتِي أمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلكَ"، فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ بِها هوَ مَلِكٌ لِنَفسِهِ وَمالِكٌ لِلأخَرينَ، والسُّؤالُ أَيْنَ تَرونَ أَنْفُسَكُم، بَعْدَ اِتِّكالِكُم بِأعْمالِكُم عَلَىَ اللهِ فَهُوُ حَسبُكُم.


أعطيكُم إخوَتِي مَثَلاً وَالَّذي لَمَّحُْت مِنْ قَبْلِ، كيف فَرَّجَ اللهُ عَلىَ يوسفَ بَعْدَ إن اِتَّهمَتهُ اِمرأةُ العَزيزِ بالخيانَةِ، فَالكَلمةُ الطَّيبة الَّتِي لا تَعرِفُ الحُدُودَ ولا تُؤْمِنُ إلاَّ بِالحقيقةِ، أنْطَقَ بِها ُللهِ ذَلِكَ الرَّجُلَ المُتَعَلِّمِ المَعْروفِ بَيْنَ أَهلهِ وَالَّذي يُؤمِنُونَ بأنَّهُ صاحِبُ الإِنْسانيةِ والأَخْلاقِ الَّتي يَحِبُّونها لِعلْمِهِ ومركزِهِ ، ذَلِكَ العِلْمُ الَّذي نَحْنُ بِحاجَةٍ إِلَيهِ لِنَصْدُقَ، وَنُحاربَ الجَهْلَ وَلَيسَ بِغَيْرهِ، وَهَذا ما جَعَلَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ يَدْعُ لِيُعَلِّمَ أمَّتَهُ، فَقَالَ: "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا"، فَكانَ رَسُولُ اللهِ يقولُ: (اللَّهُم إنْفَعْني بِمَا عَلَّمْتَني ، وعَلِّمْني مَا يَنْفَعَني ، وزِدْني عِلْمَاً، والحَمْدُ للهِ على كُلِّ حالٍ)، فالعِلْمُ هوَ المَعْرفةُ والفَهْمُ وعَدَمُِ التَّصَرُّعِ، والكَلامُ بعدَ الإِدراكِ التّامِ للأُمُورِ، حتَّى لا نَظْهرَ بِصورةِ الإِنْسانِ الجاهلِِ الَّذي يَدَّعي المَعْرِفَةَ فيُصيبُ نَفْسَهُ أَوْلاً ثم يَضُرُّ الأَخَرينَ بجَهْلِهِ، فالَّذي يَعْتبرُ نَفْسَهُ عَالَماً بِكُلِّ شيءٍ ولا يَكُونُ متواضعً هوَ في رأْسِ قائمَةِ الجَهَلَةِ! وَالغُرورُ وحُبُّ الظُّهور ِعلى الملإ يُوْقِعُ صاحِبَهُ بالأَخْطاءِ، فَمَنْ يَدَّعي المَعْرِفَةَ وهُوَ جاهِلٌ أشَدُّ خَطَراً، …. فَعَلَيْنا بالعِلْمِ ما دُمْنا أَحْياءً، … وَمَنْ ظَنَّ إِنَّهُ يَعْلمُ وكَفَى فَقَدْ بَدَأَ بإظْهارِ جَهْلِهِ، والجاهلُ مريضٌ وَعلى العالَمِ العارفِ مُعاملَتُهُ كَما يُعاملُ الطبيبُ المريضَ
 وفي المَذْكُورِ، قَالَ إحمد شوقي:


مَنْ عَرَفَ نفْسَهُ بعدَ جهْلٍ وَجَدَها
                          ومَنْ جَهِلَ نفسَهُ بعدَ مَعْرفَةٍ فَقَدَها
وقال مَعْروفٌ الرصافي:
إنْ كان للجهل في أحوالنا علل

                             فالعلم كالطّب يشفي تلكم العللا
لا تجعلوا العلم فيها كل غايتكم
                           بل علّموا النشء علماً ينتج العملا
رَبّوا البنين مع التعليم تربية
                               يمسي بها ناقص الأخلاق مكتملا
 وأيُّ نفعٍ لمن يأتي مدارسكم
                                   إِنْ كان يخرج منها مثلما دخلا
فأجمعوا الرأي فيما تفعلون به
                                     ثمّ اعملوا بنشاطٍ يُنكر المللا
حتى إذا ما انتدبنا العرّب قاطبةً
                                        كنّا كأنّا انتدبنا واحداً رجلا
 إنا لَمِنْ أمَّةٍ في عهد نهضتها
                             بالعلم والسّيف قبلاً أنشأت دولا


إخوتي وأخواتي ما أَرجُو لَكُم! هوَ الوَعْيَ والعِلْمَ والتواضعَ والثِّقَةَ الكامِلةِ بِالنَّفسِْ والطموحَ فَالعَمَلَ المُثْمرِ، وآعْلَمُوا كُلَّما ثابَرْنا بَعُدَ عَنّا الجَهْلُ وَزِدْنا عِلْمَاً وسَعِدْنا في الحياةِ وتَقرَّبْنا إلى اللهِ وَقاوَمْنا أنْفُسَنا وَعَمِلنا الصَّحَ.

وفَقَنا اللهُ وَرَعانا وجَعَلَنا منَ الصَّالِحين، وَالمَطْلوبُ مِنَّا أَنْ نَشْهَدَ عَلىَ الحَقِّ وَلا نَنْئي بِأنْفُسِنا ولوْ كَانَ عَلَيْنا، فَما يُصِيبُ غَيرَنا سَيُصيبُنا نَحنُ أيضاً إِنْ لَمْ يَكُنْ اليَوْمَ فغداً وَهُذا واضحٌ وأكيد لا غُبارٌ عَلَيهِ.
والسَّلامُ عَليْكُمْ ورَحمتُهُ وبَرَكاتُهُ!