كنوز نت - بقلم الكاتبة، جميلة شحادة/ الناصرة/ الجليل


يا خسارة يا بو خالد

***************

لم أواكب حقبة الزعيم جمال عبد الناصر؛ لكنني أحببته من السّرد الأول الذي سمعته عنه من والدتي، تلك الغريبة بين نساء الحمولة. و"الغريبة"، هو الوصف الذي أُطلقه نساء الأعمام وأفراد العائلة الموسّعة على أمي، عندما كان يدور الحديث عنها بينهن. لقد أعطوها هذه الكنية لأنها بعيدة عن بلدها، وعن أهلها الموجودين في سوريا.
كنتُ حينها في الخامسة من عمري عندما سألتُ والدتي عن صورة الزعيم عبد الناصر، والتي تصدَّرت أحد جدران غرفة نومها. يومها، لم أكن أعرف صورة مَن تلك التي تهتم بها أمي وتسمح لها بأن تحتل مساحة من جدران غرفة نومها؟ ظننتها صورة أحد أخوالي الذين لم تملّ والدتي الحديث عنهم، ورسْم أبهى وأجمل الصّور لهم. كما أنها لم تكن تكلّ عن وصف مشاعرها لنا، ومدى حنينها وشوقها لرؤية إخوتها. فقد كانت تسترسل في الحديث عن هذه المشاعر، والدمع يتلألأ بريقه في عينيها الجميلتين، ولا يوقفها عن متابعة حديثها المؤثر، الا عبارتي المفاجأة لها عندما لا أعود أقوى على استيعاب كل هذا الحزن في عِباراتها وعَبراتها:


- سأقول لأبي عنكِ عندما يعود. أنتِ بتحبيناش؛ إنتِ بتحبي إخوتكِ.
كنت أقول عبارتي هذه بصوت يخنقه البكاء لتتوقف والدتي عن حديثها المؤثر عن إخوتها، وترحمني من تلال الحزن التي جثمت على صدري فكتمت أنفاسي وخنقتني.
حدثتني والدتي عن جمال عبد الناصر البطل، عندما سألتها عن صورته المعلّقة على الحائط، ولا أظنها قد كانت على اطلاع كبير بسيرة ومسيرة هذا القائد العملاق (على الأقل بالنسبة للفلسطينيين)؛ وإنما كان حديثها عنه عاطفيًا، وعلى ما يبدو، هو الحديث الذي تناقله عامة الناس فيما بينهم عن عبد الناصر بعد مماته في الثامن والعشرين من أيلول سنة 1970، أو الذي سمعته النساء من أفواه رجالها بعد أن جاءهن خبر موته الصادم، وغياب زعيم ربط الجميع آمالهم بشخصه.
لقد علمتُ من والدتي أن هذا البطل، عبد الناصر، قد أحبه الناس، ولمحبة الناس وتقديرهم له، قامت معظم العائلات في الناصرة والقرى المحيطة بها بتعليق صورة له أو أكثر على الجدران في بيوتهم.
  وشاءت الصدف أن يصحبني والديَّ معهما، في ذات الأسبوع الذي حدثتني فيه والدتي عن عبد الناصر، لحضور حفل خطوبة، لابنة أحد أصدقاء والدي في قرية الرينة. وهناك، لفت انتباهي صورة الزعيم عبد الناصر، التي كانت معلقة على الحائط خلف مصمدة العروس. أما الأمر الأغرب؛ فهو دخول النساء من أهل العريس وهنّ يرقصن على أغنية تغنيها إحداهن، وتردّدها النسوة وراءها بأصوات تثير الشجن بسامعيها.
لم تكن كلمات الأغنية موجّهة للعروس، ولم تكن موجّهة لوالدها أو لوالدتها كالمعتاد في حفلات الخطوبة والزفاف؛ بل كانت الأغنية تُغنى لأبي خالد، حيث راحت حناجر النساء تصدح عاليًا بِ :


يخسارة يا بو خالد، لو راح عنك ميي... لو راح عنك ميي

مين يوقِّف في الميدان، ويستقبل الأهليي... ويستقبل الأهليي؟
يخسارة يا بو خالد لو راح عنك مليون... لو راح عنك مليون
مين يوقف في الميدان ويستقبل ليفي أشكول... ويستقبل ليفي أشكول.
يخسارة يا بو خالد ، لو راح عنك عشرين... لو راح عنك عشرين.
مين يوقف في الميدان، ويستقبل غولدا مئير... ويستقبل غولدا مئير.
الى آخر الأغنية، التي لم يعْلَق من كلماتها في ذاكرتي، الا الذي كتبته هنا. وبفضول طفلة في الخامسة من عمرها، أردتُ أن أعرف مَن هو أبو خالد؟ هل هو والد العروس أم هو والد العريس؟ فملتُ نحو والدتي ووشوشتها على عجَل:
- مين أبو خالد؟
 ولم أعرف حتى الآن، لماذا لم أسألها يومها، مَن هو ليفي أشكول؟ أو مَن هي غولدا مئير؟ لا أعرف هل لأني استصعبت لفظ هذه الأسماء وقتها؟ أم لجهلي، وظني بأن هذه الاسماء ليست لأشخاصٍ أصلا؟
وهمست والدتي في أذني، مجيبة عن سؤالي:
- أبو خالد هو عبد الناصر اللي حكيتلك عنو. مش قلتلك يمّا كل الناس بتحبو.
*********************
  • بقلم الكاتبة، جميلة شحادة/ الناصرة/ الجليل