كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


عيد الصليب

  • بقلم : د. منعم حدّاد
يحتفل المسيحيون بعيد رفع الصليب الكريم في الرابع عشر أو السابع والعشرين من شهر أيلول كل عام، استذكاراً لوجود خشب الصليب المقدس الذي صلب عليه السيد المسيح، أو لاستعادته من السبي الفارسي على يد هرقل، ويرى البعض أن هذا الاحتفال قديم جداً، ويرتبط بالاعتدال الخريفي، حيث يتساوى الليل والنهار للمرة الثانية في العام، بعد أن كانا قد تساويا في الاعتدال الربيعي في أوائل الأسبوع الثالث من شهر آذار.
ويرى البعض في عيد الصليب موسم تزاوج السماء والأرض، حيث يسقط الوسمي أو المطر الأول وقد ترتوي الأرض وتصبح مهيّأة للزراعة، ولذا درج البعض على محاكاة هذا الزواج بين السماء والأرض ويعقدون زواجهم قريباً من هذا الموسم.

وكثيرة هي الأمثال الجغرافية- البيئية – الزراعية التي تتحدث عن عيد الصليب، منها صلب الصليب وما ظل بالعرّا (أي القطعان الصغيرة من الماعز) حليب أي أن الحليب يجف في هذه الفترة الحليب، وعلى الصليب لا تأمن الصبيب أي المطر، وإن صلب الصليب ارحل يا غريب أي الأجير، إذ أن اتفاقيات الأجرة بين الأجيرين وأصحاب العمل كانت تعقد لعام كامل يبدأ على الصليب الحالي وينتهي على الصليب من العام القادم، ومثلها اتفاقيات تأجير الأرض لعام كامل من الصليب حتى الصليب، والكثير الكثير. وموسم عيد الصليب قريب من الاعتدال الخريفي، حيث يتساوى الليل والنهار، كما يتساويان في الاعتدال الربيعي في أواخر الأسبوع الثالث من شهر آذار.
وعلى عيد الصليب تنضج جميع الفواكه، وخاصة الرمان الذي ارتبط اسمه به، وتدشر المقاثي وتقفر...فهو عيد زراعي أو يرمز إلى نهاية الصيف وبداية الخريف...

ويشعلون الأبابيل والمشاعل الكبيرة ليلة الصليب، استذكاراً للنيران التي أمرت بإيقادها الملكة هيلانة لتنقل خبر العثور على خشب الصليب المقدس من اورشليم إلى القسطنطينية بأسرع ما يمكن...كما يرى الكثيرون، أو أنه راسب أو موتيف باق من عبادات النار القديمة، كما يرى فولكلوريون وأنتروبولوجيون مختلفون.
ويحرص الجميع على إيقاد المشاعل والابابيل بشتى أنواعها واحجامها ليلة العيد، ويقفز الأولاد والشبيبة من فوقها هاتفين: الليلة عيد الصليب وكل شيء (مرض، علّة) فيّ يطيب...
أما في صباح العيد فيبكر أصحاب البساتين والحواكير إلى أراضيهم ليقطفوا رمان عيد الصليب ذي الاكواز الحمراء الكبيرة، ويبكر من لا يملك شجر رمان ليشتري الثمار، ويأتوا به ليزينوه بالشموع والحبق والأزهار الأخرى، ثم ليأخذوه إلى الكنيسة ليتبارك في نهاية صلاة العيد، ومن ثم يحتفظون به حتى عام مقبل، ليستعمل دواء شافياً من الأمراض والعلل.

كما يسخنون الماء على أبابيل العيد ليستعملوه دواء شافياً لبعض الأمراض والعلل عندما يتمسحون به بعد أن يكونوا قد سخنوه على الأبابيل ليلة العيد فتبارك واكتسب صفة الشفاء...وعيد الصليب موسم الاستمطار، إذ يقوم الكاهن بعد الصلاة بزيارة بيوت المسيحيين وغيرهم ممن يدعونه أحياناً للمعايدة والتهنئة بالعيد وتكريس البيوت أي رشّها بالماء المقدس استمطاراً وتيمناً ورجاء لسقوط المطر لضمان موسم زراعي وفير...

هذا إذا كان الكاهن نقي السريرة صافي النية لا خبيثاً ولا نمّاماً ولا لصاً حقيراً...