كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


  • اِتَّبِعُوا الحاكِمَ الصَّالِحَ الأَمينَ مِنْ يَقُولُ: إنْ أحْسنتُ أعِينُوني وَإِنَّ أسأتُ أوْ رأيْتُم عَليَّ إعْوِجاجاً فَقَوِّمُونِي!


السَّلامُ عَليكُم وَالرَّحْمةُ الواسِعَةُ مِنَ اللهِ!
إخوَتِي يا مَنْ أغْدَقَ اللهُ عَليْهِم بِنعْمَةِ العَقْلِ، لَقدْ صَحَوتُ اليَوْمَ يَنْتابُنِي شُعُورٌ بالأَمَلِ وَالسَّعادَةِ فَجائَتْني فِكْرَةٌ وَأخْذْتُ قَلَمِي لِأُفْصِحَ مَا وَقَعَ في نَفْسِي مِنْ خوَاطِر، فَشَرَعَ القَلَمُ يَسيلُ بِحِبْرِهِ وَسألَ كَيْفَ تَحْسبُونَ مَنْ حَرَّكَتْني أصابِعُهُ، أَنا القَلَمُ، وَجَعَلَني أخُطُّ كَلِماتٍ بِها يُعبِّرُ عَنْ كَثيرٍ مِنَ الاِضْطِرابِ وَالتَّمايُلِ بالأفْكارِ ِعَلَىَ وَرَقَةٍ بَيضاءٍ! فَيَزْرَعُ فيهَا بِذَلِكَ البَيانِ رُوحً صامِدَةً تُفْصِحُ عَنْ أنْباءٍ مُشوقةٍ وَمَرمُوقَةٍ، فَبَعْدَ أَنْ كانَتْ جَمادً تَحَوَّلَتْ تِلْكَ الوَرَقَةُ لِروحٍ تُحَدِّثُ وَتُخْبِرُ حَوْلَ ما يَدُورُ في ذِهْنِ الَّذِي دَوَّنَ عَليها.
 إنَّها حَقائِقٌ وَآخبارٌ كَِّثيرَةٌ مِنْ هَذا القَبيلِ، تُحَمِّلُ الأَجْيالُ السَّابقةِ وَالحالِيَةِ عَلَىَ مَرِّ السِّنينِ، بَلْ عَلَىَ مَرِّ العُصُورِ فِي صُحُفٍ ومُجَلَّداتٍ وَغَيْرهَِا مِنَ الوسائِلِ، وَبِفَضْلِها وَصَلَتْ إَليْنا أخبارَ تارِيخَ أُمَمٍّ عاشَتْ مِنْ قَبْلُ، وَلوْلاها لَضاعَتْ أخْبارُهُم عَبْرَ الزَّمَنِ وَآندَثرَتْ أثارُهُم وَما خَلَّدُوهُ وَتَعِبُوا عَليْهِ مِنْ حَضاراتٍ مُهمَّةً وَقيِّمَةً، يُمْكِنُ الإعتِمادُ عَلَىَ ما حَصَّلُوا، لِنَسْتِفيدَ مِنْهُ وََنُطَوِّرَهُ لِلمَصْلَحةِ وفقاً لِمُتَطَلَّباتِ العَصْرِ.
هَذهِ الأخْبارُ والنُّصُوصُ المَنْقُولَةِ إنْ كانَتْ مَعْلوماتِيَّةً أوْ تَعْليمِيَّةً وَغَيْرَ ذلكَ مِمَّا تَنْضَحُ، فإنِّني لا أشُكُ أنَّ الجَميعَ على عْلمٍ أنَّها تُزَوِّدُنا بِصُورَةٍ لِوَضْعٍ سابِقٍ يَبْدأُ مِنْ أمْسِ إِلى عَشَراتٍ وَرُبَّما مِئاتٍ أوْ ألوفٍ مِنَ السِّنينِ….. وَألعِلْمُ عندَ ُاللهِ، لَكِنَها تَرْوي وَتُقَدِّمُ لَنا أشكالً مُخْتَلِفَةً مِنَ النَظَريَّاتِ والتَوقُّعاتِ والاِسْتَنتَجاتِ بَعْدَ تَجارُبٍ وَبِحُوثٍ.


وإنْ كَانَ هناك أعِزائِي هَدَفٌ مِنْ وَراءِ هَذِهِ الباقاتِ فهُوَ أَنْ نَتَبَنَّى إسْلُوباً شافِيً بِهِ نَعِيشُ حَياةً مُكَرَّمَةً شَريفَةً مُنْتِجَةً وَمُبْدِعَةً تُمْلأُ عَلَينا السَّعادَةَ وَالقَناعَةَ وَلَذَّةَ الحَياةِ بِالوجُودِ.
 هذا مَا أرادَ اللهُ لَنا أعِزَّائي، كأمَمٍ وَشُعوبٍ وَقْتَ جَعَلَ الأُمَّةَ أُمَمً، عِلْمَاً مِنْهُ أنَّها قَدْ تَتَصارَعُ بَيْنَها مُنْذُ بِدايَةِ الخَليقَةِ فَتَسُوءُ الأَجْواءُ بَيْنَهم لأَسْبابٍ شَتَّى، رَغْمَ إنَّهُ خَلَقَهُم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، لَكِنَّهُمْ تَفرَّقُوا لِدَوافِعً تَسلُّطِيَّةً أنانِيَّةً فِي أغْلَبِ الأحْوالِ، وَلوْ شاءَ اللهُ لِمَا كانَ هَذا، لِقَولهِ: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ).



إنَّ غَريزَةَ الشَّرِ وَالتَحَكُّمِ وَآسْتِغْلالِ الأَخَرَينَ إخْوتي، عُنْصُرٌ يَهدِمُ الحُبَّ وَالتقرُّبَ والتَقَدُّمَ الشَّريفِ وَالنَّزيهِ وَيَرفَعُ مُيُولَ التَحكُّمِ عِنْدَ الَّذين نَصَّبُوا أنْفُسَهُمْ أوْ طُلِبَ مِنْهُم ذَلِكَ، لَكِنَّهُم خانُوا الأَمانَةَ وَظلَمُوا البَشَرَ وَحَلَّلُوا لأنْفُسِهِم حَقَّ الزَّعامَةِ للأبَدِ دُونَ إذْنٍ وَلَكِن بِتَنْصيبٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ لَهُمْ، وَفي النِّهايَةِ هُمْ مَنْ يَصْبِحُ يُقَرِّرُ مَعالِمَ السُّلْطَةِ وَالحُكْمِ، وَيَضْطَهِدُون …… وَيَسْلِبُونَ حُقُوقً يُرِيدُها الأخَرونَ لأنفُسِهِم غَيْرَ الَّتي تُكْتَبُ لَهُمْ، لِأنَّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لَيْسَ كالَّذي يُريدُونَ أَنْ يَكونَ إِمامَاً وَحاكِمَاً عَلَيهُمْ.
إعزائي المُحتَرَمُونَ، الحُكَّامُ نَوْعَان وَفي نِهايَةِ الأمْرِ هُمْ مَنْ أرادَ اللهُ للقَوْمِ سُلْطانً، نوعٌ يُنْعِمُ اللهُ عَليْهِمْ بِحُكْمِهِمْ لَهُمْ وَأخَرٌينَ لِيُقيمَ عَليهِم بِالحُجَّةِ وَالعَذابِ، مَلِكُ يُولِّيُهُ أُمُورَ النَّاسِ وَيَجَعَلُ سُلطانَهُ رَحْمَةً عَلَيهمْ، وأُخْرٌ يُبْلِيُهُِمْ بِسُلطانِهِ وَيُنْزِلُ عَليْهم فَسادَهُ فَيَسعى لِيُفْسِدَ بَيْنَهم وَيُثَبِّتَ لِنَفسِهِ الحُكْمَ وَالبَطْشَ.
هُما صِنْفان، حاكِمٌ أو رَئِيسٌ وُجودُهُ وعِنْدَهُ أمْنٌ وَأمانٌ وَهُو في خِدْمَةِ النَّاسِ، لا فَرْقٌ بَينَهُ وَبَينَ أيِّ مُواطِنٍ يَقُومُ بِدَورِهِ مِنْ مَكانِهِ؛ مَسؤُولٌ إِنْ كانَ أوْ فَرْدٌ في المُجتَمعِ يَرعى مَا عَليهِ كَواجِبٍ فِي مَجالِهِ وَعَمَلهِ وَمَوقِعهِ، فَالكُلُّ راعٍ وَالكُلَّ مَسؤٌولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ هَذا مُجْتَمَعٌ فيهِ الزَّعِيمُ وَالرَّعِيَّةُ مَعَاً في تَحْقيقِ الدَّرْبِ، أمَّا الأَخَرُ وَهُو مِنَ النَّوعِ المُضادِ وَالنَّقيدِ لِمَا ذُكِرَ فَقِلَّةُ وُجُودِ صِنْفٍ الحُكَّامِ هَذا أشْرَفَ وأفْضَلَ وَآنعِدامَهُ غَنيمَةً، وإِلاَّ الفَسادُ وَالكَبْتُ وَتَدَهْوُرُ حالَةِ الرَّعيَّةِ تَعُمُ فَتُهْلِكُ النَّاسُ.



اخْوتِي إنَّ التَّسَلسُلَ في مَا أكْتُبُ مُهِمٌ جِداً، فيهِ أحاوِلُ بِكُّلِ جُهْدٍ وَطاقةٍ أَنْ أضعَ الأفكارَ وِفْقَاً لِهدَفٍ يَخدِمُ الغايَةَ فِي الكَلامِ، فَكُلي أَمَلٌ أَنْ نَقْرَأ وَنَسْتَفيدَ مِمَّا يُكْتَبُ حَتَّى وَإنْ كَانَ مَعْرُوفً لَدَيْنا، فَهُنا الفُرْصَةُ سانِحَةٌ أَنْ نَتَذَكَّرَ وَنأخُذَ بُالأسْلُوبِ المَعرُوضِ، وَنَستَخْلِصَ النَّتائِجَ بأنْفُسِنا وَنُعَبِّرُ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَأعْتِزازٍ عَمَّا نَفْهَمُ بِحَياتِنا بِما يُرْضِي اللهُ.
وَفَّقَنا اللهُ إخْوتي، أَنْ نَأخُذَ بِالصَّالِحات والأَعْمالِ الطَيبةِ بِما يَخْدِمُ الجَميعَ فِي أُمَّتِنا الغَالِيَةِ، الَّتي يَجِبُ أَنْ لا نَستَهينَ بِها ولا نُحْبِطُ الأنْفُسَ ونَسْعَى دائماً لتَصْحيحَها وَضَبْطِها إذًا إِحْتاجَ الأَمْرُ، فَلا نَقُولُ غَيْرَ الَّذي يُرْضِي اللهَ حَتَّى وَلوْ كَانَ عَلَىَ أنْفُسِنا أوْ مَنْ يَتَوَلَّى الحُكْمَ عَلَيْنا، فالرَّسولُ قال: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ).
السَّلامُ عَليكُمْ وَحيَّاكُم اللهُ!