كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

الأَرْضُ تَثْبتُ مَكانَها وَلو زُلزِلَتْ وَتغَيَّرَ شَكلُها وَالحَقُ قَائِمٌ بالصدقِ وَمُنتَصِرٌ!




السَّلامُ والرَّحْمَةُ عَليكُمْ أيُّها الشَّعبُ المُحْترمُ!
أعِزائي أحُلِّفُكُمْ بِاللهِ أَنْ تُفَكِّرُوا بِمَا سَأكْتُبُ وأقولُ! وَأَنْ تَمَعَّنُوا بِكُلِّ كَلِمَةٍ وَجُمْلَةٍ، فَأنتُم قَوْمٌ فَطِينٌ، أبِيُّ، صَّابِرُ، صَّامِدُ، وَخَلُوقٌ في نَظَري، …. اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَنْ يَجِبُ أنْ يَصْبُرَ وَلا يَقْنُطَ مِنْ رَحمَةِ اللهِ، فَقَدْ أعْطاكُم مِنَ النِعَمِ مَا يَسْتَحِقُ مِنْكُم، الوَلاءَ والطَّاعَةَ لَهُ في كُلِّ ما تُفَكِّرُون وَتَعمَلُون، وَاللحْظَةَ أُناشِدُكُم أنْ تَتأَهَّبُوا لِنَغُوصَ مَعَاً في بَحْرٍ مِنْ بُحُورِ مُعْجِزاتِهِ (القُرءَانُ الكَريمِ)، لِتَِغْتَنِمُوا بِهَذا أَفْضَلَ الإسْتِعْداداتِ للاِمْتِثالِ لأوامِرِهِ، فَبِكُلِّ آياتِهِ يَتَزَيِّنُ المُؤْمِنُ المُخْلِصِ بعالَمِ الإِيمانِ وَالخِصالِ العَظيمَةِ ولا سِيَّما الصَّبْرُ وَالتَضحيَةُ، وَأُخرى تَعْنِيَ لَهُ الصِدْقَ فِي المُعامَلاتِ والأَخْلاقِ الحَميدَةِ النَّزيهَةِ.
فَبالنِيَّةِ الصَّادِقَةِ إخْوةُ الإِيمانِ، تَظْهَرُ مِنْهُ الأَعمالُ بِالصَّالحاتِ والتَّواصِيِ بِالحَقِّ والتَّواصُيِ بالصَّبْرِ مِمَّا سَيُذْكَرُ، عِنْدَئذٍ سَيُطَبِّقُ مَا يُؤمِنُ بِهِ بإخلاصٍ وتَفانِي، وَهِيَ مَا يُوْصِلُنا مَعَ مَنْ قَسَمَ اللهُ مِنْ أجْلِهِمْ بالعَصْرِ، إلى دَرَجَةٍ ورُتْبَةٍ مَضْمُونَةٍ مِنَ الرِبْحِ وَالفَلاحِ، فَنُصْبِحُ من الَّذين لا يَخْسَرُونَ لا في الدُّنْيا ولا فِي الأخِرَةِ، فَعلى الرَغْمِ مِنْ صِغَرِ سُّوَرةِ العَصْرِ، "وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"، فَهِيَ سُورَةٌ واعِظَةٌ رادِعَةٌ مُوَجِّهَةٌ قَالَ عَنْها بَعْضُ العُلَماءِ: "لوْ تَدبَّرَها المُسْلِمين لَكَفَتْهُمْ"، فَعَلَيْنا أنْ لا نَنْسى قِرأتَها بِتَعَمُّقٍ وَفَهْمٍ كُلَّ يَومٍ، لأَنَّها تُنْجِينا مِنَ الفَلاتِ والضِّياعِ وَتُبعِدُنا عَنْ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ وَتُذَكِّرُنا بالاِستِثْناءِ وهو الإِيمانُ وَالعَمَلُ بِالصَّالِحاتِ الَّذِي يُنْجِينا مِنْ الخَسارَةِ.
فيِ هَذهِ السُّورَةِ أيُّها الأَعِزاءُ، أرْبَعُ خِصالٍ مُتكَامِِلَةٌ تُؤْتي بِترَابُطِها أضْعافَ ما تَعْنِي لِلوَهْلَةِ، كالسُنْبُلَةِ الَّتي تَحْمِلُ مِئةَ حَبَّةً مُتَماسِكَةٌ، تؤتي أضْعافاً من الثِِّمارِ، وَهِيَ تَوَجُّهٌ فِي العِباداتِ والأَخْلاقِ والمُعامَلاتِ، وَتَفْتَحُ أبْوابَ المَعْرِفةِ واليَقينِ والرَّحمَةِ فِي قُلُوبِ أحْبابِ اللهِ، وَتُزِيدُنا عِلْماً وَيَقِينً بِكُلِّ نَهْجٍ على إِنْفِرادٍ كَالَنَبْعِ يَغْدَقُ عَطاءً بِالحَياةِ، فَتَكَوِّنُ كُلُّ حَبَّةٍ كَثيرً مِنَ السَّنابِلِ وكُلُّ سُنْبُلَةٍ عَشْرُ أضْعافٍ مِنَ الحَبَّاتِ وَهَكَذا هِي أيْضَاً كَالغُصْنِ يُوْرِقُ فَتخرُجُ لَهُ أوراقٌ وأغْصانٌ ثُمَّ يُصْبِحُ شَجَرةً تُثْمرُ وتُعْطي أُكُلاً طَعْمُهُ لَذيذً وَتأثِيرُهُ مَلمُوسً فَعالً مِثْلَ الدَّواءِ يَشْفِي ويُلِذُّ اللهُ بِهِ مَنْ يُحِبُ ويشاءُ.




إِنَّها الثَّمَرَةُ والرِّبْحُ لَنا بَعْدَ الهِدايَةِ مِنَ ُاللهِ، وَالأَصَحُ هِيَ سُورَةٌ تَضْمَنُ السَّبيلَ إلى التَدَبُّرِ والفَلاحِ والنَّجاحِ عِنْدَ اللهِ، إِنَّها كَلِماتٍ الصِدْقِ في الإِيمانِ، فلا يَكُونُ الإِيمانُ بِدُونِ الصَّالِحاتِ ولا يَصِحُّ الفِعْلُ إدِّعاءَاً وَمُراءَاةً وَخِداعً، طَالَما العَمَلُ خالصٌ في السِّرِ والعَلَانيةِ، وَالكِفاحُ في مُجاهَدةِ النَّفْسِ، والصَّبْرُ والإبتعادُ عَنْ أَهوائِها، والتمسكُ بالحَّقِ والجِهادِ النَّفْسيِ والجَسَدِي قائِمَاً، حَتَّى يَظْهَرَ وَيَنْتَصِرُ الحَقُّ عَلَىَ البَاطِلِ.
  أربعين سَنَةً بالتَّمامِ والكَمالِ ونَيِّفٍ، بَدأَتْ أمَّةٌ بِوِلادَةِ طِفْلٍ صَغِيرٍ نُسِبَ إلَيْهِ العامُ هذا نفسُهُ، وأَصْبحَ مَشْهوراً بِعامٍ شَهِدَ الأَحياءُ بِهِ على الأَمْواتِ، إِنَّهُ فاصِلٌ بَينَ الحَقِّ والباطلِ، عامُ الفِيلِ …. فيهِ هَلَّ عَصْرٌ وَكانَ التاريِخُ شاهِداً أَنْ لُقِّبَ هَذا الطِفْلَ فِيهِ بَعْدَ أنْ أَصْبحَ غُلاماً "الصَّادقُ الأَمينُ"، الَّذي عاشَ مِثْلَ غَيْرهِ، لَكِنَّهُ بِصِدْقهِ وأَخْلاقهِ عُرِفَ مِنَ الجَمِيعِ فأَخَذوا بِكَلامهِ ومَا نَطَق بِهِ، إلى أنْ إكْتَسحَ القُلُوبَِ بِحُسْنِ مُعامَلَتِهِ، وشَاءَ اللهُ أنْ يَكُونَ حَكَمً بَينَ القبائِلِ رَيْثَما أَعادُوا بِناءَ البَيْتِ العَتِيقِ وَلمَّا بَلَغُوا إِلى مَوْضِعِ الرُكْنِّ وَآخْتَلفُوا مَنْ يُعيدُهُ إلى مَكانَهُ، كَانَ القَدَرُ أنْ إِتَفَقُوا أنْ يَكُونَ أوَّلُ مَنْ يَدْخلُِ بابِ المَسْجِدِ مَنْ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَإِذا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، فَقَال: “هَلُمّ إليّ ثوباً" فَأُتِيَ بِهِ فأخذَ الرُّكْنَ وَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ الطَّاهِرَةِ، ثم قالَ: "لِتأْخُذَ كلُّ قَبيلَةٍ بِناحِيةٍ مِنَ الثَّوبِ ثُمَّ إِرْفَعُوهُ جَميعاً" فَفَعَلوا حتَّى إِذا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ وَضَعُهُ هوَ بيَدِهِ ثُمَّ بُنِيَ علَيْهِ.


هذا هوَ الصِّدْقُ الحَقيقيِّ في الإنسانبَِّهِ يُصْبِحُ صاحِبُهُ حَكَمً وقائِدً ومُعلِّمً فَيَحْكُمُ ويُسْمَعُ لَهُ، ثُمَّ يُنْهي الخِلافَ بَينَ النَّاسِ ويُوحِدُهُمُ، فَيُحبوهُ كَما فَعَلُوا مِنْ قَبلُ، إلى أَنْ سَمِعُوا مِنْهُ شَيْءً يُنْكِرُوهُ لِجَهلِهِم المُسْتَقْبَلَ، فَكذَّبُوهُ بِسببِ مَصالِحِهِمْ ونُفُوذِهِمْ البَاطِلَةِ، لَكِنَّهُمْ بَقُوا على رأْيِهِمْ لا يَنْكِرُونَ صِدْقَهُ، وَلو كَذَّبُوهُ فِي البِدايَةِ إذْْ جَاءَ لِيُبْطِلَ بِهِ أَعْمالَهُمْ وعقائِدَهُمْ الَّتي إبْتَعَدَ عَنْها طَوالَ نشأتِهِ ولَمْ يرافَقْهُمْ بِطُقُوسِهِمْ، رغمَ أنَّهُ عاشَ مَعَهُم سنينً كَثيرَةً إلى أنْ نَزَلَ عَليهِ الوَحْيُّ وَطُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُنْذِرَهُم، فعمِلَ بأمْرِ رَبِهِ ولَمْ يَخَافْ بَطْشَهُمْ.
وفَقَنا اللهُ لِنكونَ من الصَّادقين لِيُحِبُّنا النَّاسُ ونَحِبُّهُمْ رَغْمَ الخِلافِ بَيْنَنا، فَآختِلافَ الرأي لا يُفْسِدُ لِلْوُدِّ قَضِيَّةً.
والسَّلامُ عَليْكُمْ وبركاتهُ، وَعَلىَ العَهْدِ نحنُ ثابِتُون، وَهَدانا وَإيَّاكُمْ اللهُ الصِّدْقَ إِنْ شاءَ اللهُ!