كنوز نت - بقلم : د. منعم حداد


"ألحنك" في الفرح والكره!

  • د. منعم حداد

وإذا "تنازل" الحنك الفوقاني وشارك في فرح أحدهم - وكان قد سبق أن فضّل هذا "الأحدهم" على الحنك الفوقاني وعلى آبائه وأجداده من قبله – فحينئذٍ سيرى العجب العجاب!
لأنّ الحنك الفوقاني لا بدّ وأن يسير في المقدمة (فهو يحسب نفسه زعيماً - وكما يقول المثل- تماماً كما يحسب الكلب الأسود نفسه من قطيع الماعز الذي يحرسه!)
وعندما يريد الجلوس فعلى الجميع أن يُجلسوه في الصفّ الأول أو حتى على المنصة التي يجلس عليها العروسان، وأن يُخلوا له مجالسهم وأن يقدّموا له كراسيهم!
وما أن يحين موعد "النقوط" وتقديم الهدايا حتى يروح يُخرج من جيبه مظروف النقوط، ويعرضه ببطء شديد أمام كاميرا المصورين "لتوثيقه"، ولكي يراه الجميع لاحقاً في الفيديو وهو ينقّط...
والنقوط كما يعلم الجميع ليس استغلالاً ولا انتهازية ولا طمعاً ولا جشعاً، وإنما تكافل اجتماعي قيمته المعنوية أهمّ وأعظم من قيمته المادّيّة ألف مرّة!
والنقوط - مهما بلغت قيمته صعوداً أو نزولاً - لا يُغني العريس ولا يُفقر المُنقِّط، لكن قيمته المعنوية لا تُقاس لا بمال ولا بلآلئ ولا بجواهر ولا بماس!
نعم، ينقّط الناس بعضهم لكي يساعدوا صاحب الفرح على تغطية نفقات فرحه دون أن يضطرّ إلى بيع ممتلكاته أو رهن بيته ليغطي النفقات الباهظة التي تكلّفها لإقامة فرح عظيم "لم يُقِم مثله أحد في الماضي"(!) لكنّ الأهمّ أنه يُكسب المرء الشعور بأن المنقّط يشاركه الإحساس بالفرح والبهجة والسرور، وهذه المشاركة الوجدانية لا تُقدّر بثمن ولا يعدلها شيء!


وعندما ينقّط الحنك الفوقاني لا بدّ وأن يراه الناس وهو يُدخل المظروف في الخزنة أو في صندوق النقوط، ولو أتيحت له الفرصة لكرّر إخراج المظروف من جيبه وإدخاله في الخزنة عشرات المرhj، ولنسخ شريط الفيديو ووزّعه على كلّ الذين لم يشاركوا في الفرح، أو لنسخ صورة عن هذا "المشهد العظيم" واتّخذ منها بطاقة شخصية تحمل اسمه وعنوانه!
أما بماذا نقّط وبأي مبلغ فهذا ليس من شأن أحد... سوى العريس بالطبع، الذي سيصاب بمفاجأة مذهلة قد تعقد لسانه عندما يعرف بكم نقطّ هذا الحنك الفوقاني، ولا يلبث أن يبدأ يحرق الإرم ويلعن آباء هذا الحنك الفوقاني وأجداده وأجداد أجداده...
أما إذا حلّت كوارث "الكره والأحزان" لا سمح الله، فالحنك الفوقاني "قدّها وقدود"، وهذه فرصة ذهبية تناسبه فيقتنصها ويغتنمها ولا يفوّتها...
ولأنّ الحنك الفوقاني مطبوع على كراهية الناس، ورضع الحقد والضغينة مع حليب أمه التي أرضعته - والتي من الجائز أنها لم تكن إنسانة أبداً - وهو الذي يتحاشى أن "يعبس" في الأيام "العادية" لئلا يكتشف أحد دناءته، يستغلّ مواسم الحزن والأسى ليعبس ويكشر ويتظاهر بالحزن العميق، ليوهم الناس أنه يشاركهم في مشاعرهم وأحاسيسهم، والحقيقة هي لأنّ هذا الوجه وهذا القناع يناسبانه جدّاً...
وتبلغ به قحّته وصلافته حدّاً يصعب وصفه وهو عصيّ على التصديق، ويحدّث القوم عنه أنه يتقرّب من العائلة المنكوبة، في محاولة لاكتساب الكرامة والجاه، فهو يُكرم بتكريمهم هم، ويشرف بشرفهم هم، ويزداد جاهاً بجاههم هم!
ولكي ينال مثل هذا الجاه والكرامة والشرف قد يلجأ إلى أكثر الأساليب والألاعيب دناءة وحقارة، دون أن يردعه رادع من ضمير، وأن يوقفه وازع من خلق كريم!


فهو يندسّ بين المعزّين، ويحمله خبثه على التقرّب من ذوي الشأن وأولي الأمر ليوهم الناس أنه معهم ومنهم، تكسّباً للشرف واستجداء للكرامة، علماً أنّه في سريرته لا يحبّ أحداً ولا يحبّ حتى نفسه!
وهو عندما يشارك في المآتم يتظاهر بالحزن والأسى، لكنّ مشاركته "على عيون الناس" ومن باب "شوفوني يا ناس" ليس إلا... و"كُبرا ولو على..."
وهو معقّد ويشكو من عقد نفسية وربّما جسدية أيضاً ومن مركّبات نقص كثيرة، ولكي يعوّض عن هذه العقد والنواقص يسلك ويتصرّف وكأنه حنك فوقاني ليغطّي ويداري علّة ضعفه وهزاله وذلّه ونقصه وعقده، ولأنّه يشكو من أكثر من مركّب نقص - لا تؤاخذوه، ولا تلوموه، وتغاضوا عن كلّ ذلك ولا تنحدروا إلى مستواه!
وكما يقول المثل: هل إذا عضّك الكلب تعضّه؟ والردّ عليه: بالطبع لا!
ولأن المنافس عند الخنافس، فلا تستغربوا كبرياءه وعجرفته!
ولأن الكبرياء على المزابل، فلا تلوموا كبرياءه!
ولأن السنبلة الملأى بحبوب القمح الذهبية تحني رأسها إلى الأسفل، أما السنبلة المريضة الفارغة الخالية الخاوية فتنتصب بساقها شامخة ب"سفّيرها" لتغطي على نقصها!
فلا تأبهوا بالحنك الفوقاني!
أتراني أبالغ؟

أنظروا حولكم، أنظروا في محيطكم، فقد تجدوا هناك "حنك فوقاني" أو أكثر من شخص واحد مم~ن هم "حنك فوقاني"!
أو... تعالوا إليّ أنا لأدلّكم عليه!