كنوز نت - د. منعم حدّاد


"أنا... أنا...أنا..."

هو أناني؟؟؟أبداً أبداً...
  • د. منعم حدّاد
وإذا خانك الحظّ واضطررت ذات يوم أن تحادث أحدهم فهو سيقاطعك دائماً – لأنه الأزعم كما يوهم نفسه - ولا يدعك تكمل جملة مفيدة واحدة.
وسيردّد على مسمعك بين كلّ كلمة وأخرى أنا...أنا...أنا...وأنا... بمناسبة وبدون مناسبة، حتى ليُخيَّل للسامع أن الأرض أقفرت من ساكنيها ولم يبق على ظهرها إلا هذا "الأنا"!
وتقف حائراً أما أحد أمرين اثنين لا ثالث لهما: فإمّا أن تضبط أعصابك وتكتم غيظك بل اشمئزازك منه ومن أنانيته، أو أن تلعنه وتبصق في وجهه لأنك لست منافقاً مثله وتلعن آباءه وأجداده معه...
والحنك الأنانيّ كريم سمح مفتوح اليد لا مقبوضها ولا مغلولها كما يزعم، وهو لا يطلب شيئاً من أحد، لكنه لا ينكر على أحد مبادرته لتقديم المال له ديناً ولحين ولأجل، أما إذا "نسي" ذلك الدين أو تناساه وتقادم الزمن وأكل الدهر عليه وشرب ولم يفطن الحنك الفوقاني الأناني إلى تسديد ما عليه من دين وإيفائه ما عليه من حقوق فلا تثريب في ذلك، فالكمال لله وحده وجلّ من لا يسهوّ!


أما إذا عصفت أزمة خانقة بأقرب الناس إليه واحتاج لمدّ يد العون والمساعدة فالحنك الفوقاني الأناني يتهرّب "بلباقة"، بل بخبث وضِعة وحقارة، لأنه كما يقولون "حِلِس مِلِس طاهر نجس!" و"يتمسكن حتى يتمكّن"، فهو يقسم أغلظ الإيمان كذباً أنه لا يملك من المال شيئاً ليقف بوساطته إلى جانب أقرب الناس إليه، لأنه لا يريد أن "يواسع" أحداً لخجله من المطالبة بالربا والفائدة ولبخله وتقتيره وغروره!
وإذا ادلهمّ الخطب وأصاب المقرّبين للحنك الفوقاني الأنانيّ أسرع يبتعد عنهم وكأنه أصبحوا في غمضة عين وانتباهتها موبوئين بوبأ خطير قاتل فتّاك، وأفضل "علاج" لهذا الوبأ هو الهروب وترك حتى المقرّبين يعانون الأمرّين، ويمرّون بأقسى تجربة حياتية مرّوا بها، وأشدّها إيلاماً هروب الحنك الفوقاني الأنانيّ الذي دعموه طيلة حياتهم من جانبهم وتركهم لوحدهم يواجهون مصيرهم، أما إذا سألوه عن ذلك فإنه يقدّم لهم عذراً أقبح من ذنبه بكثير!
لكن مثل هذه التجربة القاسية من شأنها أن تفتح عيونهم على الواقع الذي يعيشون فيه واهمين أنه أفضل ما في الحياة!
والحنك الفوقاني الأنانيّ ليس استغلالياً ولا انتهازياً كما يزعم... ولكن ماذا إذا نصب نفسه ملكاً متوّجاً وطالب الجميع بخدمته؟ فهل في ذلك أيّ عيب يا ترى؟ ولماذا لا يستفيد من ولائهم وإخلاصهم وتفانيهم وتضحياتهم ويجيّر كلّ هذا لحسابه هو؟ أليست الحياة ميدان سباق؟ "ألا يفوز باللذة الجسور"؟ أم هل يحمل وزر سواه وآثام غيره؟


أما في الأفراح فالحنك الفوقاني الأنانيّ "ذيبك"، أي أنه بارع ومتفوّق في النفاق والرياء، وهو لا يفوّت مناسبة لا يشاطر الناس أفراحهم فيها، فتراه يستبق الجميع ويسير في المقدمة فهو الطليعة و"الوجه والوجيه والتوجيهة"، وما أعظمه عندما يتداعى القوم إلى الطعام، فهو يثب وثوب النمر ليكون أول الجالسين إلى المائدة، ويلتهم الطعام بشراهة كالكلب الجائع، ويتطلّب أكثر من الجميع، فهو يطلب من كلّّ صنف ولون، فما دام أصحاب الفرح قد (أخطأوا و) دعوه لوليمتهم فعليهم القيام بواجبه وتأمين كل متطلباته واحتياجاته وخصوصياته وامتيازاته، فإذا طلب حتى "لبن العصفور" كما يقال فعليهم تلبية الطلب وتأمينه فوراً، وإلا فسيعتبرهم مقصّرين في الضيافة وسينشر فضائحهم في كلّ مضافة ومنتدى لتصبح سيرتهم على كلّ لسان...
ولا تستغرب ولا تحتج ولا تنبس ببنت شفة، وهل تدري لماذا؟
لسبب بسيط بسيط: إنه "حنك فوقاني" ويحقّ له ما لا يحقّ لغيره!
ولماذا هو دائماً حنك فوقاني؟

لسبب بسيط: لأنه ضعيف هزيل حقير تافه!