كنوز نت - 

يأكلون لحم القريب قرباناً؟


  • بقلم : د. منعم حدّاد
يقول ول ديورانت (في الصفحة 345 من كتابه "قصة الحضارة") "وبدأت التضحية عند الساميين كما بدأت عند "الآريين" بالضحايا البشرية، ثم حلّ الحيوان محلّ الإنسان فصار يضحى بأولى "ثمرات القطعان" وباكورة الطعام الذي تنتجه الحقول ثم انتهى الأمر أخيراً بالاكتفاء بالتسبيح والثناء على الله".
ويقيناً أن المقنع الكندي لم يكن يقصد القرابين البشرية ولا الأكل الفعلي للحمه وإنما المجاز والتذمّر والشكوى فقط عندما قال عن الذي بينه وبين بني قومه:

إذا أكلوا لحمي وفرت لحومـهـم
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجـدا!

في العهد الجديد يرمز في أكثر من موضع إلى السيد المسيح بالخروف القربان، المضحّى به، ويرمز بالقربان المقدس إلى الصلب وعذابه افتداء للبشرية!
وتشتمل الديانات الأخرى في ثقافات بلدان الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا القديمة وحضاراتها على بقايا طقوس تقديم القرابين، كاملة أو مجزوءة، مثلاً لدى البراهمانيين في الهند، وشعوب المايا والأزاتقة في أميركا.

ويرى البعض أن أكل اللحوم البشرية واصطياد الجماجم لدى بعض القبائل البدائية ليست سوى نوع من تقديم القرابين، ولقد طوّرت شعوب المايا والأزاتقة طقوساً دموية لتقديم القرابين البشرية، أما في زماننا فقد انقضى عهد القرابين البشرية، وحتى أن تقديم القرابين الحيوانية آخذ في التناقص في مجتمعات وديانات مختلفة، وطالب بعض الأمريكيين بسنّ القوانين لمنع تقديم القرابين الحيوانية، لكن المحكمة الامريكية العليا اعترفت في العام 1993 بهذه الطقوس كممارسة دينية مسموحة يحميها ويضمن تنفيذها الدستور الأمريكي!

كان أكل اللحوم البشرية (من قبل بشر آخرين) منتشراً في أفريقيا وفي الأمريكتين (الشمالية والجنوبية) وجزر المحيط الهادي الجنوبية، وجزر الهند الغربية، ولكن ليس في المجتمعات التي تشكلت في الدول المختلفة، إذ أنه حيث كانت دولة ذات نظام معين لم تكن تمارس فيها عادة أكل لحوم البشر، ولربما كانت هذه العادة منتشرة أكثر ما انتشرت لدى الأزاتقة، الذين درجوا على تقديم أسرى الحرب قرابين بشرية ومن ثم أكل لحوم بعضهم كما يبدو...
ويؤكد الباحثون أن تناول اللحوم البشرية اعتبر نوعاً من الممارسات الطقسية، كما ذكر البعض أن الناس الذين واجهوا خطر الموت جوعاً لم يتردّدوا في أكل لحوم البشر لإنقاذ حياتهم!!!

وفي مجتمعات قديمة معينة درج البعض على تناول اجزاء من موتاهم تقربّاً وتحبباً ومحاولة للاحتفاظ بذكراهم واستمراريتهم في الحياة!
وأحد اشكال أكل لحوم البشر والتي بدأت منذ أقدم العصور وظلت ممارسة حتى القرن العشرين محاولة الحصول على جماجم العدو والاحتفاظ بها أو حتى اتّخاذها تميمة أو "حجاباً" للوقاية من قوى الشرّ الكامنة المتربّصة بالإنسان أو لتخويف هذه القوى وإرهابها.

وأصبح الحصول على أول جمجمة في بعض المجتمعات علامة وبرهاناً على البلوغ، ويمنع من الزواج كلّ من لا يستطيع الحصول على جمجمة أحد الأعداء، وحالما يحوز جمجمة كهذه يكون قد أثبت بلوغه الرجولة ورجولته أصبحت تؤهله للزواج فوراً!
وتروي بعض المدونات التاريخية الأمريكية التي تعود إلى أواسط القرن التاسع عشر عن عدة حوادث قتل المهاجرين وأكل لحومهم أو على الأقل الاحتفاظ بجماجمهم كتعاويذ وتمائم...

ولم يكن تقديم القرابين البشرية بالأمر المستهجن إذ كان الناس يفرحون به، ويتسابقون لتقديم أولادهم قرابين لإرضاء الآلهة الوثنية التي تسيطر على حياتهم كما اعتقدوا.
فالمصريون تسابقوا في تقديم فتاة في غاية الجمال قرباناً سنوياً لنهر النيل لكي يفيض ماؤه عليهم ويأتيهم بالخصب والمحاصيل الوفيرة، واليونان القدماء تسابقوا في تقديم سبع صبايا وسبعة شباب سنوياً للإله ال"مينوتاوروس" معبود الكريتيين.
ويرى البعض أن السموأل الذي ضحى بولده لكي لا يخفر ذمامه ويصون عهده ويفي بما ائتمنه عليه امرؤ اقيس لم يكن إلا يمارس طقساً من طقوس تقديم القرابين البشرية، على غرار ما فعله ملوك قدماء كثيرون.

كما يرى بعض الباحثين أن القرابين البشرية ظلت تقدم في بلادنا حتى القرن الثامن قبل الميلاد، على عهد ملوك مملكة يهوذا آحاز ومنشيه، أيام أرمياء النبي وأشعيا (المتأخر)، أي حتى أواخر عهد الهيكل الأول (هيكل سليمان) وأوائل عهد الهيكل الثاني، ورافق ذلك انتقادات شديدة ومعارضة أشدّ، منها والتنديد الصريح بها.
وثمة قصص كثيرة تؤكد هذا التوجه، والكتاب المقدس يؤكد تقديم القرابين البشرية، عندما يذكر لنا قصة يفتاح وابنته، تلك البنت التي جرى تقديمها قرباناً عقاباً لمن ينذر نذراً دون وجه حقّ، وليس بناء على طلب أو أمر!
ويفتاح هذا نذر عندما خرج إلى الحرب ليحارب العمونيين أنه إذا انتصر في المعركة وعاد سالماً فسيقدم قرباناً للربّ أول من يخرج من بيته لملاقاته وتهنئته بالظفر!

وساء هذا النذر الله سبحانه وتعالى، كما يرى المفسّرون، إذ ماذا سيجري لو خرج حيوان دنس من بيت يفتاح عند عودته واستقبله هذا الحيوان؟ فهل كان سيقدم حيواناً نجساً قرباناً؟
لذا قُدّر ليفتاح أن تخرج ابنته الوحيدة لملاقاته بعد عودته من الحرب مظفّراً، وهكذا اضطر لتقديمها قرباً ليس لأنه بهذا القربان أحرز النصر، بل عقاباً له على النذر الذي نذره!
كما أنه عوقب بتناثر أعضائه إثر مرض عضال المّ به ودفن أشلائه المتناثرة في أماكن مختلفة...
وثمة قصة ميشع ملك موآب، فعندما انقضّ ملوك إسرائيل ويهوذا وأدوم على ميشع ملك موآب ليقضوا عليه ويحتلوا بلاده، أصابه رعب وهلع، واستغاث بإلهه " كموش"، ولم يجد مناصاً من تقديم ابنه قرباناً على المذبح، لعل هذا القربان يفيده في ردّ العدو المهاجم عنه ويحول دون تدمير بلاده وقتله أو وقوعه في الأسر.
وبالفعل، ما أن قدّم ميشع ابنه قرباناً حتى نكص ملوك إسرائيل ويهوذا وأدوم على أعقابهم وتوقفوا عن غزو بلاد الموآبيين وانتهى القتال ونجا ميشع وشعبه!

ولا أحد يدري هل رأى الملوك المحاربون ميشع يقدم فلذة كبده قرباناً على المذبح فرقّوا لحاله وتركوه وشأنه؟
لكن هل يرقّ قلب الملك الخارج إلى الحرب والقتل والنهب والسلب والأسر لمجرد التضحية بطفل؟

أم أنهم خافوا بأسه وبطشه، فهذا الذي يضحّي بابنه لا شكّ أنه قاسي القلب شرس الطباع، مخيف ومرعب، من الأفضل الابتعاد عن شرّه؟
ومهما يكن السبب فإن أمراً واحداً واضح: إن القرابين البشرية كانت في تلك الأيام متأصّلة ومتجذرة في المجتمعات المختلفة، من أعلاها إلى أسفلها، وأنه كان لها الأثر الكبير البالغ في النفوس، ولولا ذلك لما انفضّ الملوك المهاجمون وتركوا ميشع وشانه!
ولما قام تيطس الروماني بتدمير هيكل اليهود المقدس في القدس، عام 70 ميلادية، ولم يبق مكان لتقديم القرابين فيه، استبدلت طقوس تقديم القرابين بطقوس وممارسات أخرى بديلة، أما بالنسبة للسامريين، فما زالوا يقدمون قربان الفصح (خروف العيد) في عيد الفصح اليهودي من كل عام.
ومهما يكن من أمر، فالله سبحانه وتعالى لا يريد قرابين بشرية، وإنما يريد أن يعلّم الناس أن يمتنعوا عن تقديم مثل هذه القرابين!