كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

بالإيمانِ وأمانَةِ العِلْمِ في سبيلِ اللهِ تَرتَقي الأُمَمُ!



السَّلامُ عَليكُمْ وَيَنْفَعُكُمْ اللهُ بما أكْتُبُِ أعزائي!
 إلَيْكُم قِصَّةُ شابٍ ناجِحاً يُحَدِّثُ …. الحَياةُ يَجِبُ أَنْ تَسْتَمِرََّ مَهْمَا خُضْنا مِنْ صُعُوباتٍ وَواجَهنا مِنْ مِحَنٍ وَمَصائِبٍ وَكَبوَاتٍ.


يَقُولُ هَذا الإِنْسانُ الصَّامِدُ المُؤدَّبُ الَّذي يَتَمَسَّكُ بِالأَخْلاقِ وَالمَبادِيءِ: "أُكَلِّمُكُمْ بِكُلِّ أَمانَةٍ وتَواضُعٍ، ….. في الأيامِ السَّابِقَةِ وَمَا زِلْتُ في الصُّفُوفِ الدُّنيا عانَيْتُ الكَثِيرَ، فَسَأَلَني صَدِيقٌ لِيَ: لِماذا يا تُرَى؟ فَأَجَبْتُ الشَّابَ: مَا زِلْتُ أَخْجَلُ من البُوحِ بِهَذا، فَعادَ وسألَ: حَتَّى مَتَى؟ وَمِنِّي أنا؟ فَأَنا بِئْرُ أَسْرارِكَ وَصَديقُ دَرْبِكَ وأَنْتَ مَصْدَرُ إلهامِ وَشَجاعَةِ، وَلَنْ يُفَرِّقَ شَيْءٌ بَيْنَنا حَتَّى المَوْتَ، فَقُلْتُ: لَيْسَ عِنْدِي شَكٌ، وَلَكِنِّني أَتَعَجَّبُ كَيْفَ أَنَّ ضَميرَ أُسْتاذِي مُرْتاحٌ وَلا يُؤَنِبُهُ! فَقَدْ كَانَ يَسْتَهْزِؤُ منْ طُلاَّبِهِ عِوَضَاً عَنْ تَشْجيعِهِمْ وَقْتَ الجَوابِ بِشَكْلٍ خاطِيءٍ، مِمَّا كَانَ يَجْعَلُ الأَخَرونَ مِنْهُمْ يَنْفَجِرُونَ بِالضُحْكِ، وهُوَ يُكَرِّرُ المَقُولَةَ؛ (وَفَسَّر َالماءَ بعدَ الجُهْدِ بِالماءِ)، وَماذا تَعْتَقِدُ مَا كَانَ يَعْني؟ طبعاً هُوَ لمْ يُعْجَبْ مِنْ جوابِ الطُّلاب وَمِنْ ضِمْنِهِمْ حَضْرَتي إذا أخْطأْتُ، وَهَذا مَا جَعَلَ مِنِّي أُضْحُوكَةً وَمَسْخَرَةً على الأقلِ لِبعضِ الأَوْقاتِ، إِلى أَنْ نَجَحْتُ أَنْ أَتَغَلَّبَ علىَ ما أوْجَدَ عِنْدِي مِنَ إحْباطٍِ، وَمَاذا جَرَى فيما بَعْدُ؟ …. لا شَيْءٌ، ولَكِنَّني أخْذْتُ علىَ نَفْسي عَهْدَاً؛ أنْ أصْمُدَ وَأقاوِمَ وَلا أَتْرُكَ لَهُ مَجالاً يُدمِّرُ فِيهِ مُسْتَقْبَلي، …. وَلا بَدَّ أَنْ أُرْجِعَ لَهُ هذهِ الإِهانَةِ يَوْماً مَا، وَهَلْ فَعَلْتَ؟ لا، سِنينٌ طَويلَةٍ مَرَّتْ وَلَمْ أَجْرُأْ، لَيسَ خَوْفاً مِنْهُ ولَكِنْ إِحْتِرامَاً لِنَفْسي وَلِمَرْكَز ِالمُعَلِّمِ إجْمالاً! فَأَنا لا أَدْرِي مَاذا كانَتْ الدَّوافِعُ عِنْدهُ من وَراءِ هَذا، وَهَلْ هذا مَرَضٌ أو تَعْقِيدٌ نَفْسيٌّ عِنْدَهُ، فَلا أَسْتَطيعُ أَنْ أَحْكُمَ بالأَمْرِ ما دُمْتُ غَيْرَ مُتأكِّدً، وهَذا لَنْ يُبَرِّؤُهُ من هَذا الخَطَأِ، فقد إِعْتادَ على هَذا ….، لِماذا لَمْ تُواجِهْهُ وتُذَكِرْهُ بِالأَمْرِ؟ ومَاذا يَنْفَعُ الَأَنَ، لَقَدْ راوَدَتْني الفِكْرَةُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، ولَكِنْ! مَا كَانَ أَخْلاقِيَّاً مرَّةً الكَلامُ مَعَ مُعَلِّمِكَ بِهذِهِ الأُمورِ وَهذا الأُسْلوبِ، والمُصيبَةُ أَنَّهُ يَكْبُرُني بِحَوالِي ثلاثينَ عامً، وهُوَ ما زالَ على قَيْدِ الحَياةِ ويَقُومُ بدور ِالمُعَلِّمِ المُثَقَّفِ المُحِبِّ والمِعْطاءِ، رَغْمَ تَقَوْقِعِهِ على نَفْسِهِ وَشُمُوخِه الغَيْرِ مُبرَّرٍ، كإِنْ لَمْ يُخْلَقْ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ أَحَدٌ بِهذا المُسْتَوى، وهَلْ أَنْتَ واثِقٌ مِمَّا تَقُولُ؟ لا أَدْرِي…..،ولَكِنْ، منْ تَصَرُّفاتِهِ لا يَعْجِبُُنِي الأَمْرُ! وَكُلَّمَا قابَلْتُهُ لا يَسْمَحُ لي ضَمِيري سِوَى أَنْ أُداعِبَهُ وأُلاطِفَهُ، وأَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِكُلِّ إِحْتِرامٍ، لَيْسَ نِفاقً، واللهُ أعلمُ بِحالي، فَنَحْنُ مِنْ الجِيلِ الَّذي شَبَّ على هَذا النَّمَطِ مِنْ الحَياةِ، وَلا يَخُونُ تَوْجِيهاتِ الأَهْلِ وآحْترِامَ الكَبِيرِ وخُصُوصاً إِذا كَانَ مُعَلِّمُكَ، إِلى هذهِ الدَّرَجَةِ ……؟ بَلَى! إِلى هذهِ الدَّرَجَةِ …..! ولَقَدْ فهمت أَنَّهُ يَسْتَغِلُ مَنْصِبَهُ ومَرْكَزَهُ لِمأرِبَ كَثِيرةَ شَخْصِيَّةً، وَبالأصَحِ إسْتِغْلالِيةٍ بإسمِ الثَقافَةِ وَخِدَماتِ المُجْتَمَع، مَاذا تَعْنِي!!!!! ومَنْ هوَ؟ لَقَدْ جَعَلْتَني فُضُولِيَّاً! لا ...!يَكْفِ ...... كَلامً بِالمَوْضُوع.

يَقُولُ الشَّابُ لَقَدْ حَاوَلَ مَعِي صَديقِي عِدَّةَ مَرَّاتٍ لَكِنَّني لَمْ أَعْطِهِ أَيَّ فُرْصَةٍ ولَوْ إِشارَةً صَغيرَةً! بَلْ وَجَدْتُ منْ الواجِبِ أَنْ أَعْملَ تِجاهَ اللهِ والناسِ بِقَدْرِ مَا أَسْتَطِيعُ ولا أَشَهِّرَ بالأخرين، خُصُوصاً فإنِّي أُحاوِلَ أَنْ أُفيدَ أَوْلادً وشباباً يُعانُونَ مِنْ مَشاكلِِ تَعْلِيمِيَّةٍ، وقدْ قَدَّمْتُ لَهُمْ نَموذَجً مُعَيَّنً، لَعَلِّي أَسْتَطيعُ أَنْ أُساعِدَهم وأخْرجَهُم مِنْ كابوسٍ قدْ يَقَعُ عَلَيهمْ، فَهَذا الهَدَفُ حَتَّى أساعِدَ بِهِ مِنْ عندَهُ مشكلةً في مَدْرَسَةِ مَا.

يقول الشَّابُ فَهمْتُ لسانَ حالِ صَدِيقي، كأنَّهُ يَقُولُ هوَ أَيْضَاً: حاوَلْتُ مَعَهُ، ويقصدني أنا، مِراراً إِلاً إنَّ الأَمرَ لَمْ يَنْجَحْ بَتاتاً، فَقَدْ صَدَّنِي كُلَّ مَرَّةٍ إِلى أَنْ إِضْطَرَرْتُ أَنْ أَكُفََّّ عَنْ هَذا إِحْترِاماً لِرأْيِهِ وَأَقْلَعْتُ عَنْ مُضايَقَتِهِ في هَذا الشَّأْنِ، وَبَقي الأَمْرُ سِراً لَكِنَّهُ واضِحَ التَحْليلِ مِنَ الحِوارِ مَعَهُ.
يَقُولُ الشَّابُ لَمْ يَكُنْ هَذا صَدِيقِي الوَحِيدَ، ولَكِّنَّهُ أَكْثَرَ المُقَرَّبينَ إِليَّ وأَنا أثقُ بِهِ كَمَا أَثقُ بِنَفْسِي! لكِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بالسُّوءِ! وأُفَضِلُ أَنْ أُبْقَي الأَمرَ تَحْتَ سَيْطَرَتِي الكامِلَةِ! فَسُبْحانَ مُغَيِّرُ الأَحْوالِ! ومَنْ يَدْري مَاذا يَحْدثُ لوْ كَشَفْتُ الأَمْرَ! فَالأَفْضَلَ أَنْ يَبْقَى هَذا سِرِّي الَّذي أَدْفِنُه بِجانِبي! لكنَّ هَذا التّفْكيرُ حَيَّرَني وَجَعَلَنِي أَتَساءَلُ دائِماً! هلْ أَنا على صَوابٍ! فَمَا دام الأُمرُ أحْدَثَ فيَّ مُضايقَةً وأَثَّرَ عليَّ إِلى هَذا الحَدِّ! وَرُبَّما لَدَى الكثيرِ مِنَ الطُّلابِ، إذاً لِماذا أُبْقيهُ مَعِي، أأَنْتَظِرُ السِّنِينَ لُتُنْهي هذهِ المَأْساةِ إِمَّا أَنا وإِمَّا هُوَ! فَمِن ْجِهَةً ثانِيَةً أَقُولُ إنَّهُ في النهايَةِ إِنْسانٌ، وَقدْ يكونُ قَدْ أَخْطَأَ لَكِنَّهُ مُعَلِّمٌ وَلَهُ فَضْلٌ عليَّ كَما على غَيْرِي! وَلا أَنْسَى كَمْ لازَمَ سِلْكَ التَّعْليمِ عَشرَاتٍ مِنَ السِّنين، وعَلَّمَ الكَثيرينَ وَآسْتَفادُوا مِنْ عَلْمِهِ، فَهوَ إِذاً صاحِبُ مَرْكزٍ في المُجْتَمعِ، ولا يَلِيقُ أَنْ أُشَوِّهَ صُورَتَهُ! فقدْ أَكُونُ مُخْطِىءً والمُسامِحُ كَبيرٌ، واللهُ يُحِبٌ المُتسامِحينَ والمُسامِحينَ!

لَقَدْ كان من الجِيلِ الأَوَّلِ لمُعَلِّمِ البَلْدَةِ، حَيْثُ كانَتْ حِينَها طَلَباتُ التأْهيلِ سِهْلَةً، لكِنَّ الحاجَةَ إليهِمْ كَبيرَةٌ، فَمِنَ أَنْهَى الثَانَويَّةَ بِنَجاحٍ حَصَلَ على فُرْصَةٍ للتعليمِ والإلْتِحاقِ بدَوْرَةِ تأْهيلٍ في دار ِالمُعلِّمينِ، فَيُصْبحُ رَسْمياً مُعَلِّماً، ولِعِلْمِكُمْ فإِنَّ هَؤُلاءِ معَ الوَقْتِ إلْتَحَقُوا بالجامِعاتِ لِحُبِّهِمْ لِرسالَةَ العِلْمِ والعَطاءِ من أَجْلِ البَلْدَةِ!
يُضيفُ هَذا الشَّابُ: هَكذا كانَ الحَالُ والإحْترِامُ وفِي النهايَةِ تَخَرَّجَ الكَثيرُ مِنَ الطُّلابِ في جَميعِ المَيادِين وأَكْثَرَ مِنْ هذا، فَبِسَبَبِ التَّمَسُّكِ بالعِلْمِ والشُّعُورِ بالواجِبِ، أَصْبَحَتُ البلْدَةُ رائِدَةً بالعَطاءِ في مَجالِ التَّعْلِيمِ وتَخَريجِ الطُّلابِ منْ كُلِّ القُرَى المُحيطَةِ.

الصَّحيحُ أن نَذْكُر َالماضِي والحاضِرَ لِنَسْتَخْلِصَ العِبَرَ، فَأنا لا أَقْبَلُ التَّحَيُّز َوالتَّعامِيَ عَنْ الحَقائِقَ الجَميلَةِ بَتاتَاً، فَهِي الَّتِي كانتْ تَجْمَعُ البَلْدَةَ تَحْتَ رايةً واخدةٍ، فَيُحَتِّمُ عليَّ الواجِبُ أَنْ أَضَعَ الأُمُورَ الشَّخْصِيَّةِ جانِباً، وأَذْكُرَ المَحاسِنَ والسَيِّئاتِ، ومقارنةً مَعْ وَضعِنا اليومَ فإِنَّ الأَحْوالَ تَحْتاجُ البَحْثَ الدَّقيقَ، فَالحَياةُ تَغَيَّرتْ والمفروضُ التَّعامُلَ بِشَكلٍ أخر ٍٍ بِدُونِ المَسِّ بِالمَبادِيءِ والأَخْلاقِ والقِيَمِ. فلا يَصْلُحُ التَهاونَ بِها والمُساوَمَةِ عَلَيْها، ومَا جِئْتُ بِهِ مِنْ مِثالٍ عَنْ المُعلِّمِ مَا هوَ إِلاً نموذجً، وَهَذا قد يَحصُلُ في كُلِّ مَجالاتِ الحَياةِ كالمعاهدِ والجامعاتِ ومَحَلاتِ التأهيلِ والعَمَلِ وكُلِّ مَكانٍ يَحْتاجُ الإِنْسانُ التَعلمَ والعَمَلَ.

ولأَهَمِّيَّةِ مَنْزلِةِ العِِلْمِ والمُعَلِّمين كان لِهذا نَصِيبً عظيماً في أيات الله والأحاديث والحكم والأَمْثالُ.
قال تعالى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ..." وقَالَ: " ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ...." وذَكَرَ أَهْلَ العِلْمِ: يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ..." وقال: وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً" وقال: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب"
  • وفي الشعر والأدب قال احمد شوقي:
قمْ للمعلمِ وفِّهِ التبجيلا
                                         كاد المعلمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
                                يبني وينشئُ أنفسا وعقولا
العِلْمَ يبني بيوتا لا عماد لها
                              والجهل يهدم بيوت العز والكرم

وفي الحِكْمة مذكورٌ: المعلمُ ناسكٌ اِنقطَعَ لِخدمةِ العِلْمِ كما اِنقَطعَ النَّاسِكُ لِخدمةِ الدِّينِ.
وقيل: تَقُومُ الأوطانُ على كاهلِ ثَلاثة: فَلَّاحٍ يُغَذِّيهُ، جُندِيٍّ يَحْميهُ، وَمُعلِّمٌ يُربِيهُ.
فالعِلْمُ والمَعْرِفَةُ وَدَوْرُ المُعَلِّمين والعُلماءِ حَيَوِيٌّ جداً ومُهِمٌ لدرجةٍ لا تَقُومُ الشُعوبُ ولا تَصْلُحُ إلاَّ بها ونَقِيضُها الجاهِلُ والجَهْلُ عَدُو البَشَرِيَّةِ والحضارة!
وفي جَمِيعِ الأَحْوالِ الأُسْلوبُ أَهمُّ من العِلْمِ نَفْسِهِ فإذا صَلُحَ كان العِلْمُِ أَشْهى وألَذَّ من العَسَلِ على القُلُوبِ! وبهِ تَرْتَقي وتَعْلُو عُلومُ الأُمَمِ بَينَ البِلادِ!
أدْعُ اللهَ أن يُحَبِّبَ عَليْنا أنْفاسَ العِلْمِ والعَطاءِ والمَعْرِفَِةِ ونَعُودُ نَحْمِلُ رسالةَ العِلْمِ بأمانةٍ، ونَعْطِي المُعَلِّمَ والعِلْمَ كُلَّ الإهْتِمامِ والإِحْتِرامِ! فَلا نَنْدَمُ على تَحْصِيلٍ يُريحُنا ويَهْدينا للتَقْوةِ والإِيمانِ!
السَّلامُ عَليكُمْ وَزادَ مِنْ صَبْرِكُمْ اللهُ! وَحُبِكُمْ للعِلْمِ والمُطالَعَةِ في سبيل اللهِ.

كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني