كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


في الصدارة والشهرة وأمور أخرى!

  • بقلم : د. منعم حدّاد
يقول العارفون إن الإنسان قد يعطيك من أثمن وأعزّ ما لديه وممّا يملك، يعطيك من ماله وحلاله وممتلكاته وعقاراته، لا بل حتى من الممكن أن يقدم لك بعض أولاده فلذات كبده!
لكن شيئاً واحداً لن يعطيك إياه ولن يتنازل لك عنه مهما حدث وكائناً من كنت!
إنّه...الصدارة!
والصدارة تعني أن يظلّ دائماً "مريض الصدارة" في الصدارة، فلا يسمح لأحد أن يتقدمه!
وفي كلّ عرس له كبّتان لا كبة واحدة وقرصان لا قرص واحد!
فلولاه لما انتظم مجلس ولا انعقد منتدى!
هو القلب النابض!
هو المحرك والدافع والحافز!
يجلس في الصدارة في الأفراح والأتراح!
يتبوّأ عرش الصدارة في المناسبات الاجتماعية والسياسية والدينية والرياضية وكل مناسبة أخرى!
يملأ الكرسي ضخماً كطبل أجوف!
وليس مهمّاً إن احتلّ الصدارة عن جدارة أو عدمها!
المهم أن يتصدّر المجلس وأن يسير في المقدمة!
والظهور في الواجهة، ففي كل صورة منشورة لا بدّ وأن يشغل قسمها الأكبر ليعرفه الملأ!
ومن شأنه الجلوس في الصفوف الأولى...!
ويتعامل مع الصفوف الأولى وكأنها لم تخلق إلا له!
رغم أنّه لا يستحق الجلوس حتى في الصفوف الأخيرة!
يقبع على كرسيه الضخم في الصفوف الأولى "كالأخشاب المسنّدة على الأخشاب"!
وفي المسيرات يحدث الذي ليس أعجب منه!
فحتى المسيرات النسائية يندسّ فيها اندساساً مقيتاً!
وحتى في المسيرات المدرسية يشارك دون أن يكون له فيها لا ناقة له فيها ولا جمل ولا "شبق ولا عبق"!
وفي كلّ مسيرة يتقدم هو وأمثاله من الطبول الجوفاء جميع مستحقي السير في المقدمة!
هم يكدّون ويجدّون ويعملون ويبذلون ويأتي هؤلاء يختالون بريشهم المستعار الرخيص ليدّعوا بطولة ليست لهم وينسبوا لأنفسهم شرفاً لغيرهم!
هم طفيليون متسلقون يسعون ليغطوا على الأبطال الحقيقيين والشرفاء المتأصّلين!
إنّهم مرضى الصدارة والشهرة!
والشهرة أن يعرفهم الناس، ويسمع بهم القاصي والداني، وتتغنى بأخبارهم "الركبان"، وأن يكونوا على كلّ لسان!
أن تجرى معهم المقابلات التلفزيونية والإذاعية والصحفية ووو...
أن تزين صور "معاليهم" الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات، أو على الأقل أن تنشر مرة واثنتين وثلاثاً أسبوعياً، أو ربما يومياً...
فهذا من حقّهم، بل من أبسط حقوقهم!
والواحد من هؤلاء ألم تسوّل له نفسه غير الأمارة بغير السوء اعتباره نفسه ومن منطلق أنانيته المفرطة أنه وحيد عصره وفريد زمانه وشخصية فذّة لا تتكرّر ولا يدانيها آخر في الوجود؟
أما صوّر له غروره المرضيّ الأجوف وكما يخيّل له أنّك "خير من تسعى به قدم" كما قال المتنبئ؟
ألم يقل شعارير ينافقونه أنّه "خير من ركب المطايا وأندى الناس بطون راح"؟
ألا يخاطب نفسه قحّة وصلافة بقول أبي الطيب: تغرّب لا مستعظماً غير نفسه ولا قابلاً إلا لخالقه حكماً؟
الأضواء تسلّط عليه، وعليه وحده، فلا يرضى أن يشاركه فيها أحد، وهو في مركز الدائرة وفي قلب الحدث، وهو الكلّ في الكلّ!
أجل، إنّه الطفيلي العائش على عرق جبين سواه والآكل من طعام سواه والمفاخر بريش سواه والمتباهي بمآثر سواه!
غيره يزرع وهو يحصد!
غيره يحرث ويبذر ويدرس وهو يجني ويكدّس في مخازنه لأنّه طفيلي!
وكما في الأفراح فحتى في الأتراح هو القائد والسائر في المقدمة والواجهة والصدارة!
ويأتي يوم – جرياً على سنّة الحياة والطبيعة – يلقون به فيه على مزابل التاريخ!
وينفضّ المولد من حوله وينفرط العقد!
لأن جيلاً آخر سينشأ ويترعرع!
ولأن متصدّراً آخر سيصل!
ولأن طفيلياً جديداً سينافس هذا الأناني الطفيلي المغرور على الصدارة والشهرة والأمور الأخرى!
وسيحاول أن يوهم العالم أنهم إن ألقوا به على هامش الحياة فإن الشمس والقمر والنجوم ستتوقف عن إنارة الأرض!
وان الأرض لن تدور بعد...
وأن البراكين ستثور.
وأن الزلازل ستدمّر الكون!
وأن طوفاناً جديداً سيغرق المسكونة بأسرها!
ولماذا كل هذا؟
لأنهم سيلقون به كما ألقى هو بسابقيه على الهامش، أو في مزابل الحياة!




ويتشبّث بالمنصب الأجوف وبالصدارة والشهرة وبالأمور الأخرى تشبّثاً ليس مثيل لا في السابق ولا في اللاحق!
وسوف يتشبّث بالمنصب الأجوف وبالصدارة تشبّث المحتضر وهو في آخر رمق بالحياة!
وهذا من حقّه، أليس كذلك؟؟؟
لأنّه رأى عزّاً عصياً عليه – بعد ذلّ - لم يره أجداده!
وعرف مجداً زائفاً لم يعرفه آباء آباؤه!
وتمتع بحياة رخاء ورغد لم يحلم بها أهله!
ونال مما جاد به عليه الطيّبون ما لم يتخيله آباؤه!
فحقّ له أن يزعل وأيما زعل!
وحقّ له أن يجنّ جنونه ويكاد بفقد عقله!
وسوف يتمسّك بهذه الأوهام التي في المنصب تمسّك الغريق بطوق النجاة!
وسوف يتعلّق بها كتعلّق الهابط من الطائرة ل بالمظلة التي فيها حياته ونجاته!
تشبّث يا هذا وتمسّك وتعلّق...
ولكن واجه نفسك بالحقيقة...
فالحقيقة أن عهدك قد ولّى وراح وانقضى إلى غير رجعة.
لقد ذهب ولن يعود.
وما تراه الآن وتحسبه مجداً ليس سوى سراب.
أو ظلال ماض فزت فيه "بالجائزة الكبرى" دونما استحقاق!
أو صدى ما جاد به عليك الخيرون والطيبون والمغفلون والأغبياء الذين خدعوا بك وغرّهم مظهرك ومنظرك ولسانك الذي ينقط سمّاً مغطى بطبقة رقيقة من العسل!
فاذهب إلى الجحيم!

لأن مكانك في الجحيم وليس في أي مكان آخر!