كنوز نت - بقلم: شاكر فريد حسن


  • هشام جعيط المفكر والمؤرخ الذي سعى إلى التجديد وأعاد النظر في المسلمات التاريخية


  • بقلم: شاكر فريد حسن

في الأول من شهر حزيران الفائت 2021، غادر عالمنا المفكر والمؤرخ التونسي الدكتور هشام جعيط، بعد معاناة مع المرض، وبعد رحلة طويلة من العطاء والبحث الدقيق والحياة الفكرية الصاخبة والسجال الجدلي الغني، تاركًا لنا إرثًا فكريًا غزيرًا ومراجع في التاريخ الإسلامي، وأعمالًا فكرية وحضارية تمثل مرجعية هامة للجيل الحاضر والقادم.
يُعد الراحل هشام جعيط أحد أبرز المثقفين والباحثين التونسيين والعرب المشتغلين بإشكاليات الفكر العربي، وينتمي إلى جيل ثقافي عربي متنور ومنفتح نضج مبكرًا، وتميز بآفاقه المعرفية وتنوع قراءاته وثقافاته وتوجهاته الفكرية وانغماسه بالهموم القومية والقضايا العربية المصيرية، ومواجهة الغزو الثقافي وخلق ثقافة عقلانية متنورة مستوعبة حضاريًا لثقافات إنسانية أخرى.
هشام جعيط مثقف نقدي وعضوي، عرف بمواقفه السياسية والفكرية المشرفة من قضايا الوطن والأمة، وتجسدت في شخصيته الاستقامة الفكرية والنزاهة العلمية والالتزام الوجودي، وشكل نموذجًا مضيئًا وساطعًا في الحكمة والعقل. ولج هشام جعيط عالم البحث والكتابة التاريخية متسلحًا بما يملكه من فكر ووعي وثقافة ومنهجية نقد، خاتمًا بالكثير من الأسئلة والتساؤلات التي تفتح على مزيد من النقاش والجدل الفكري والثقافي والسياسي، ومنذ سبعينيات القرن المنصرم وهو يسعى الى بعث وتجديد البحث العلمي العربي وتطوير الحوار بين العقل والتاريخ، وبين النقد التاريخي والنصوص المتناقضة، موضحًا ان العالم العربي الاسلامي بحاجة ماسة الى حداثة العقل والعلم والتقدم والثورة وقيم التنوير والحرية والديمقراطية، ودفع الحراك الاجتماعي وتسريع دينامية التقدم والتطور العلمي.



وضع هشام جعيط كتبه وأبحاثه بالفرنسية وترجمت فيما بعد، وله الكثير من البحوث الأصيلة الواسعة العميقة التي يتجه فيها نحو اتجاهين، الأول اتجاه فكري وفلسفي يعالج فيه القضايا الكبرى المطروحة على الضمير العربي في السياسة والمجتمع والدين، كما في كتابه" الشخصية العربية الاسلامية والمصير العربي"، والثاني: اتجاه نحى فيه منحى المؤرخ الصارم للإسلام المبك.
وفي كتابه «أوروبا والاسلام» يركز هشام جعيط على الغنى الشاسع للثقافة الاسلامية ويوجه نقدًا لاذعًا للذين يتحدثون عن وحدة جامدة في الاسلام مبينًا أن العروبة ليست مفهومًا عرقيًا ولو أنها كانت كذلك في البداية، وأنها البؤرة الثقافية التي أتت لتصب فيها كل العبقريات الانسانية المتنوعة، في حين أن الإسلام ـ كما يقول ـ يبقى دينًا قبل كل شيء وهذا صحيح، لكنه يؤثر في أعماق حياة الناس، كما في التعبيرات الأكثر سموًا. ويضيف قائلًا«أن ابن سينا وأبن رشد ليسا، اذًا، أتباع الحضارة الاسلامية فقط، بل نتاج الاسلام ككل من حيث تكوينيهما واخلاصهما لجماعة انسانية وتاريخية، ومن الخطأ القول ان أشخاصًا ليسوا مسلمين قد أسسوا الفلسفة».
أما كتابه «الفتنة الكبرى» فهو من أهم المراجع التاريخية الانتقادية لمرحلة الإسلام المبكر، المنتهي بالفتنة وبالانقلاب الأموي. ويرى جعيط أن خطورة الفتنة أنها «أدخلت الدين في عالم الصراع السياسي»، بينما في كتابه «الكوفة» يستعيد تاريخ الفتح العربي ومعاركه، ويتطرق إلى تخطيطات المدينة ونظرة الاستشراق إلى المدينة الاسلامية، وصولًا إلى مصير الكوفة وهويتها.
خلاصة القول، هشام جعيط مفكر ومؤرخ وعالم جمع بين الرصانة العلمية والحماس للقضايا الفكرية، وبحسه العربي والاسلامي العميق وتكوينه التاريخي الصميمي كان مؤهلًا للكتابة في ميادين الدين والسياسة، بعيدًا عن التقليدية كما عن أي فكر تحديثي تبسيطي، ولا شك أن أعماله ومؤلفاته البحثية ستبقى تثري المكتبة العربية التاريخية التي ما زالت هزيلة، وتندرج في مسار جعيط الطويل الدائب بحثًا عن الهوية وتفتق الوجدان العربي.