كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


  • وُجودُ الإِنْسانِ وَكرامتِهِ مَعركةٌ كَونيةٌ ،وآمانة حَملَها الإِنْسانُ صاحِبُها وَكانَ ظَلومَاً جَهُولاَ!

السَّلامُ عَليكُمْ وَهَدانا وَإيَّاكُم اللهُ!
أَيُّها الأَعِزاءُ والأصدقاءُ الكِرامِ، لَسْتُ أنا غَيْرَ ما أنا وَأنْتُم عَليهِِ، لَنا عُقُولٌ وأحاسِيسٌ وَشُعورٌ وَحواسٌ، أنْعمَ بِها اللهُ عَلينا لِيُميز َالبَشَرَ داخلَ مُجتَمعاتِهِم، وَيَرفَعُ مِنْ شَأنِهِم عَلىَ سائِرِ الكائِناتِ والمخلوقاتِ، الَّتي سَخَرَّها لِخِدمَتِهِم عَلىَ مَرِّ الأَزمانِ وَالعُصُورِ والحَضاراتِ.
 أيُّها الناسُ المُحتَرمين، أعْلِنُها صَراحَةً لَكُم، أنَّ الضَّربَ عَسيرٌ والعُمرَ قصيرٌ، وألفُظُها وَأُبْلِغُكُم بِهذِهِ الكَلِماتِ لِكَيْ تَكونَ حَلقَةً في أذانِكُم وَلا تَغيبُ عَنكُم لَحظَةً، إنَّ لِلإِنْسانِ الَّذي خُيِّرَ في تَصَرُّفاتِهِ وَسُيِّرَ في أُخْرى، مُهِمَّةٌ كَونيَّةٌ جاءَ بِِها اللهُ ليَكونَ لَهُ دَوْرٌ لِيَعمرَ الأَرْضَ، وَتَكونُ الحَياةُ فِيهَا ألأُمُّ والأبُ، وَفِيها الدِّينُ والخَيْرُ، وَكُلٌَّ يَسْعَى في مَناكِبِها بِسُلْطانٍ، دُونَ إسْتِهتارٍ وَعُنفٍ واَِحتِقارٍ وآحتكار.

 هَذا هوَ المَغْزَى مِنَ الحياةِ واللهُ أعلمُ وأخْبَرُ، وَلِهذا وَضَعَ جَلالَهُ الأُمُور في نِصابِها مِنْ أجلِ العَدْلِ وَالحقِّ، وَلكي لا تَكُونَ حُجَّةٌ على حُكْمهِ وأمْرِهِ لَمْ يَترُكْ فَراغً في النَّصِ والخَبرِ، وَكُلُّكُم عَلىَ عِلْمٍ بالأياتِ البَيِّناتِ فِيها يُحذِّرُ اللهُ المُخالِفينَ نَفْسَهُ وَهُو العزيزُ الرَّحِيم، فَعِِلْمُهُ بالأحَوالِ سَبَقَ حُدُِوثَها، وَهوَ أعلمُ ما تُعْلِنُون وَما تَكْتُمُونَ وَتَخْفْونَ، وَهوَ الَّذي قَالَ: " وَلَوْ شِئْنَا لَءَاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ".
أَصْبحَ المُسْتقبلُ إعِزَّائي، مغايرً عَمَّا نَحلَمُ، ليْسَ كَما نَرجُ ونأمَلُ، وَمُنذُ الوُجُودِ وَنُزولِ آدَم وحواءُ إلى الأَرْضِ، نَجِدُ في بَعْضِ الأَحْيانِ النَّتائجَ مُعاكِسَةً، لَكِنها تَبْقَى هَيِّنَةً مَقْبُولَةً، علىَ مَنْ أمَنَ وَعَمِلَ صالِحً وَعَبدَ رَبَّ العالَمين، وَأَمْرُهُ إذًا أصابَهُ خَيْرٌ شَكَرَ وإذا ألَمَّ بِهِ شَرٌ صَبَرَ وَحَمَدَ اللهَ وَلَمْ يُعانِدْ أَوْ يُخالِف وَرأى في الدُّنيا جَمالً وَلَمْ يَشْتَكِ إلاَّ لِرَبِ الخَلْقِ العَزيزِ.

في كَثيرٍ مِنَ المَواقِفِ أيُّها الخلقُ، لَمْ يَعُدْ للإِنْسانِ قيمَةٌ وَوَزنٌ كَما أوْجَبَ عَلَينا اللهُ، فِيها يُنْهشُ جَسدَهُ وُيأكَلُ حَقَّهُ وَيُعْتدَى عَليهِ وَيُترَكُ يُساءُ سُوءُ العَذابِ ليعيشَ تَحْتَ ضُغوطٍ لا إنْسانِيَّةٍ، فَيَعيشُ الدَّمارَ والحُروبَ وَيَبقَى تَحْتَ رَحْمَةِ القانُونِ الَّذي لا يُعيدُ لَهُ راحَتَهُ، لَكِنَّهُ يُدرِكُ، أنَّ اللهَ العادلُ لا يَغيبُ عِنْدَهُ حَقٌ، وَلَهُ يَصْعَدُ الأَمْرُ وهو صاحِبُ القَرارِ والحُكمِ، لِقَوْلِ اللهِ سُبْحانَهُ، "يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍۢ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ"، وقَالَ الله:
  • "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ".
وَتَستَمِرُّ ….. الحَياةُ وَيُناضِلُ الخَلْقُ لِيُحافضُوا على ما بَقِي مِنْ إنْسانِيَّةٍ وَشَرعِيَّةٍ، تَظْمَنُ لَهُمْ إستِمرارَ وُجُودِهِم …..عَلىَ الكَوكَبِ هذا.
أَنْ يَكونَ فارقٌ وَتَبايِنٌ بينَ النَّاسِ أيَّها الأخوةُ، أَمْرٌ طَبِيعي، وهذا ما يَجْعَلُ الأَمَلَ باقٍ وَالسَّعْيَ جارِيًّ والُمنافَسَةَ مُستَمِرَّةًِ، حَتىَّ تَعُودُ المِياهُ إلى مَجْراها، ويَعُودُ الخَيْرُ في قُلُوبُهم، لِيأكُلوا مِنْ رزْقِهِ وَيَسْعُوا في مَناكِبِها، لَكِنَّهُ في هذهِ الأَوْقاتِ أَصبحَ الفَرْقُ بَينَهُم شَديداً وَمُقْلِقَاً فَهُناكَ مَنْ يُناضِلُ وَعَلى جاهِزيَّةٍ لِلبَحثِ والتَّفْكِيرِ وَعِندَهُ البَصيرَةُ قَبِلَ البَصَرِ، وَالحِكمَةُ قَبِلَ العَقلِ ، والإحساسُ والتَّعاطُفُ بِدُونِ تَميزٍ وَآعتداءٍ، وَقِسمٌ أخَرٌ مَنْ يَعيشُ يَومَهُ ولا يَعنيهِ ما بَعْدَهُ.

حريٌّ بِنا أيُّها الفُطَناءُ أنْ نَتعمَّقَ بِكُلِّ ما صَدَرَ في كِتابِ اللهِ فَهوَ المُرشِدُ الأَمينُ وَالهاديُ لِتَحليلِ وفهمي ما يُحيطَنا، حتى الظواهِرَ الطَّبيعَةِ التي نَحْسَبُها مُبهَمَةً أَوْ وَهْميَّةًِ، وَالَّتِي شَبَّها بِها اللهُ أَعْمالَ النَّاسِ الباطِلَةِ الَّتي تَكُونُ دُونَ هدفً، مِثْلَ الَّذي يَراهُ المَرْءُ في الصَّحْراءِ وَسَطَ النَّهارِ منْ أَثَرِ حَرارةُ الشَّمْسِ، فَيَتَوَهََمُ أََُّنَّهُ ماءٌ أَوْ كَمُسطَّحاتٍ مِنَ الماءِ تَلْصَقُ بالأَرضِْ عَنْ بُعْدٍ، وَكُلَّما أقتَربَ مِنْها بَعُدَتْ وَلَمْ تَتْرُكْ مَجالاً يُطفِيءُ ظمأهُ وَيَبْقَى يَرجُو الماءَ وَيرمَحُ دونَ جَدْوَى، وَربَّما وَهلَةُ الأمرِ تَجْعَلُهُ يَنْسَى ذَكَرَ اللهِ وَتَسبِيحَهُ.
  •  إنَّهُ وَهْمُ وَخِداعٌ وهوُ سَرابٌ، يُبصِرُ الإِنْسانُ مَا هوَ غَيْرَ حَقيقِي كأَنَّهُ ظَهَرَ في الحَقيقَةِ.
وَوَرَدَ في القُرءَان قَولهُ تَعالى: (والَّذينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسرابٍ بَقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئَاً).
وقَوْلُ اللهُ: ( وسُيِّرَتْ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا)، وَقَالَ: (فَكانَت سَرابًا) أَيْ يُخَيَّلُ إِلى النَّاظِرِ أَنَّها شَيْءً ولَيْسَتْ بِشَيءٍ بَعْدَهَا تَخْتَفِي تَمَاماً وَلا أَثَرَ، كَما قَالَ: (ويَسْأَلونَكَ عَنْ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفَاً فَيَذَرَها قاعَاً صَفْصافَاً لا تَرَى فِيها عِوَجَاً وَلاَ أَمَتاً).
لَقَدْْ إِسْتَعْمَلَ اللهُ كَلِمَةَ سَراباً والَّتي تَدُلُّ على الوَهْمِ والشَّيْءِ الغَيْر ِحَقيقِي وَالباطِلٍ، وإنَّ المَقْصُودَ إِظْهارُ عَظَمةَ اللهِ ومُعْجِزاتَهُ في تَغْييرِ الأُمُورِ منْ حالٍ لِحالٍ، والَّتي لا يَعْقِلُها إِنْسانٌ، وإنَّ أَعْمالَ الكُّفارِ عَديمَةُ القِيمَةِ والوَزْنِ عِنْدَهُ لأَنَّهُمْ لا يؤْمِنونَ، فَهِيَّ كالشَّيْءِ الَّذي كَانَ ولَمْ يَعُدْ فَهوَ مَعْدُومً، وَقدْ إِسْتَعْمَلَ اللهُ التَّشْبيهَ هذا المُبَالَغُ بِهِ لَكَونِهُ الحَقيقَةَ، فإِذا كانَتْ الجِبالُ يَنْسِفُها فَلا يُبْقِى لَها وُجُودً وَيُسَيِّرُها رَغْمَ صَلابَتِها وكُبْرَها وثباتَها كَالسَّرابِ، فَتَغيبُ وتَخْتَفِي ويُحَوِّلُها كالقُطنِ المُبَعْثَرِ فَكَيفَ هُمْ إِذاً وأَعْمالُهُمْ! وهذهِ إِشارَةٌ لِمُعْجِزاتٍ قَادِرٍ عَلَيْها اللهُ! فَما هُمْ بِالنِسْبَةِ لِهذا إلاَّ شيءً يَسيرً، فَكَيْفَ يَكْفُرونَ ويُلْحِدُونَ ولا يَعْتَبِرون!
هلْ يُخَيَّلُ لَكُمْ كَيْفَ يَمْسَحُ اللهُ الجِبالَ فَتُصْبِحُ أَرضً مِسْتَوِيَةً! هَلْ تتصوَّرون هَذا؟ أَليْسَ هذا بعَظِيمٍ مُعْجِزٍ! هلْ يُمْكِنُكُمْ إِسْتِعابُ مَا يَحْدثَ؟ ثمَّ يَذَرَها فَلا يُبْقِي لها كَيَانٌ! أَوْ يَجْعَلَها كَالعِهْنِ منْفُوشَاً! أَوْ يُسَيِّرُها ويُسَوِّيِها بِسُرْعَةٍ!

  وفَقَنا اللهُ لِنَستوعبَ المُشَبَّهَ الَّذي لا قِيمَةٌ لَهُ والمُشَبَّهِ بِهِ الَّذي يَلْغِيهِ ويَسْحَقَهُ اللهُ ليَكُونَ لا شَيْءً كَقيمَةِ الكُفار ِوأَعْمالَهُمْ، ليُظْهِرَ تَحْذيرَهُ وقُدْرَتَهُ على عِقابِ الكُفارِ، ِوليُبَيِّنَ شِدَّةَ وَوَهْلَةَ يَوْمَ يَكُونُ الحِسابُ!
السَّلامَةُ والهِدايَةُ والْحِمايُةُ من عِنْدِ اللهِ عَلَيكُمًْ! وَالنَّجاةُ لَكُمْ من غَضَبِهِ!
تُوبوا إلى اللهِ وآحترمُوا مَخْلوقَهُ الإِنْسانَ وكرِّمُوهُ وأنْفُسَكم!
هَداكُم اللهُ وَحَماكُم في أكنافِ رَحمَتِهِ والسَّلامُ عَلَيكُم!