كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


  • لَمَّا كَانَ العَدْلُ مِنْ سيماتِ الرِّجالِ، فنقيضُهُ الضَّعْفُ والهوانُ بالشَّخصيَّةِ والتَسليمُ وَالقُبُولِ بالمَواقفِ ِالهائِجَةِ!

السَّلامُ والرَّحْمةُ صباحً وَمَساءً عَليكُم إنْ شاءَ اللهُ!

أُحَيِّيكُم أحِبَّتي وأعزائي، وَأقولُ لِكُلٍّ مِنَّا رأْيُّ وَوِجهَةُ نََظَرٍ وَمَواقِفٌ مُعينَةٍ خاصَّةِ بِهِ، وَمُتعَلِّقةٌ بِالظُّروفِ وَالأسْبابِ والَّتي عَلَينا إحتِرامَها، وأُقِولُ لَكُمْ مِنَ الجُمْلَةِ هُناك مَنْ يَعتَقِدُ أَنَّنَي غَيْرُ واقعيٌّ بِسَبَبِ مَواقِفي، إذْ يَقولون، إنَّكَ تَسبح في عَالَمٍ منَ الأحْلامِ وَالتَّفاؤل .....، وَلا تَعيشُ الأَحْداثَِ والواقعَ وَبَعيدٌ كل البُعدِ عَمَّا يَجْري، وَلَكِنِّني أُأْمِنُ بِما أكْتُبُ وَباقي على رأي لَيْسَ عِنادً إنَّمَا إِيمانَاً بِِما أراهُ يُرْضِي اللهَ، وَلهذا ما زالَ يَصدُرُ عَنِّي أفكارً أجِدُها عَلىَ تَرابُطٍ وَثِيقٍ بِواقِعِنا أنْفُسِنا وَبِمَواقِفِنا الشَّخْصيَّةِ وَما يَجْري، وَاِتَمَسِّكٌ بِمَبادِئي وَأتحَدَّثُ مَعكُم دائِِما ما يُناسِبَ أسلُوبي وَطَريقَتي وَما أُرِيدُ أَنْ نَتَشارَكَ ونَستَفيدَ مَعاً، وَكُلُّ هَذا دُونَ التَأثُّرِ مِمَّا يَدَّعُون وَيَنشرونَ مَنْ فَسادٍ.

أَمَّا المَرَّة أَيُّها الأَعزاءُ، فَقَدْ وَقَعَ اِخْتِيارى أَنْ نَحكِي حولَ مَوضُوعٍ يُعزِّزُ مَواقِفَنا الحَكِيمَةِ وَيُنيرُ لَنا ضَرْبَنا، وأقُولُ بِهَذا الخُصُوصِ إنَّ اِسْتِخْلاصََ العِبَرِ مِنْ قِصَّةٍ مَا والأَخْذَ بالأسبابِ مِنْ أيِّ حَدَثٍ جَرَى، واجِبٌ إنْسانيٍّ وأخْلاقِيٍّ وَدِينيٍّ لِنَستَفيدَ وَنُفيدَ وَنَعملَ بتعَقُّلٍ وَحِكْمةٍ بَعدَ تِلْكَ المَرْحَلَةِ.

نَحنُ إخوتي في عَصْرٍ أصْبَحَ الحَقُّ بَاطِلاً والخَطَأَُ صَّحيحَاً والغَشاشُ أَمِيناً والخائنُ مُؤتَمَناً والكاذبُ صادِقَاً، وإِنَّ الشَّيْءَ الواحيدِ المَفروضِ عَلينّا حَتَّى نُقيمَ العَدْلَ، أَنْ نَزنَ الأُمُورَ عِنْدَ إتِّخاذِ القَرار ٍِ الَّذي يَجِبُ أَنْ نتبناهُ في نهايَةِ المَطافِ وَلو على أنْفُسِنا، وَلا يَهِمُ كَثيرً ما يَكيدُون، فَهِمَ يَكيدُون واللهُ يَكِيدُ واللهُ خيرُ الكائِدين قَالَ تعالى: "ويَكيدُونَ ويكيدُ اللّهُ واللهُ خَيرُ الكائِدينَ" وقَالَ اللهُ سُبْحانهُ: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ".

إنَّ العَمَلَ بِما يُرضي اللهَ جهادٌ، فَالعامِلُ في مَكانِهِ، والمُعلِّمُ، والمُهَندِسُ، وَالفَلاَّحُ، وَالحاكِمُ وكُلُ في مِهْنَتهِ وَصَنْعَتهِ مُؤتَمَنٌ، كُلَّهُم إذا عَملُوا بأخْلاصِ وَخِدمَةِ مَنْ لَهُم مُخَصَّصُونََ وَلَمْ يُزَوِّرُوا وَيَسْتَغلُوا لِمصالِحٍ شَخصِيَّةٍ، وَصَمَّمُوا على أرضًاءِ اللهَ وَرَسولَهُ والنَّاسَ، كَأنَّهُم يُجاهِدُون وَفي ساحَةِ المَعْرَكَةِ.


والمَأْمُونُ الخليفةُ العبَّاسيِ مَثَلاً إِهْتمَّ بِشُؤُونِ العَدْلِ والقُضاةِ لِكَيْ لا يُظْلَمُ عنْدَهُ أَحَدٌ وَعَملَ علىَ التَقرُّبِ إلى الشَّعبِ مِثْلَ عَمَلهِ مَعَ الولاة دون تَردُّدٍ، وفي يَوْمٍ مِنَ الأَيامِ جاءَهُ رَجُلٌ غَريبٌ، مِنْ بِلادٍ تَحْتَ إمارتِهِ لَمْ يَسْبِقْ أَنْ قابَلَهُ، فَسأَلَهُ الخليفةُ: مَا أََحْوالُ القَاضِي وَالحاكِمِ عِنْدَكُمْ وكيفَ البِلادُ؟ فَأَجابَهُ الرَّجُلُ: إنَّ لَنا قاضِي لا يَفْهَمُ وحاكِمٌ لا يَرْحَمُ والحالُ والحَمْدُ للهِ، فآعْتَرَى الغَضَبُ الخَليفَةَ وَصاحَ: ويْحَكَ كَيْفَ هَذا؟ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ سأُطْلِعُكَ على حِكايةٍ تَفْهَمُ مِنْها جَيِّداً، ذاتَ يَوْمٍ أَعْطَيْتُ رَجُلاً أَرْبَعَةَ وعِشْرينَ دِرْهَمَاً سَلَفاً، واتَّفَقْتُ مَعَهُ على مَوْعِدِ الرَدِّ( سداد الدين)، ولَكِنَّ الرَجُلُ أخَذَ يُماطِلُ في رَدِّ المالِ إلَيَّ، وَعِنْدَما جَاءَ مَوْعِدُالسَّدادِ أَخَذْتُهُ إَلى القاضِي وشَكَوْتُ لَهُ مَا حَدَثَ فأَمَرَ القاضِي الرًّجُلَ أَنْ يَرُدَّ إِلَيَّ مالِيَ.

فَقالَ الرَّجُلُ: أَصْلَحَ اللهُ القَاضي، إنَّ لَدَيَّ حِمارً، أشْتَغِلُ علَيْهِ وأَكْسَبُ مَنْهُ أَرْبَعَةَ دَراهِمٍ يَوْمِيَّاً، وبدأْتُ أُوفِّرُ كُلَّ يَوْمً دِرْهَمَيْنِ حَتَّي صارَ لَدَيَّ أرْبَعَةُ وعِشْرون دِرْهَمَاً بَعْدَ مُرُورِ اثني عَشْر َيَوْمَاً، وحِيِنَمَا ذَهَبْتُ إِلى الرَّجُلِ حَتَّي أَرُدَّ علَيْهِ مالَهُ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَظَلَّ غائِبَاً حتَّي يَوْمِنا هَذا .

فَسَأَلَهُ القاضي: وأَيْنَ الدَّراهِمُ الآنَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ صَرَفْتُها، فَعادَ القاضي يَسْأَلُهُ مِنْ جَديدٍ: وَمَتَي سَتُعيدَ إِلى الرَّجُلِ مَالَهُ؟ فَأَجابَ: أَرَى أَنْ تَحْبِسَهُ مُدَّةَ إِثْنَي عشرَ يَوْمَاً حَتَي أَقُومَ بِجَمْعِ أرْبَعَةَ وَعِشْرينَ دِرْهَمَاً آخَرٍ وأَعْطِيهُم لَهُ، فَأَنا أَخْشَى أَنْ أجْمَعَها وهُوَ حُرٌ وأَبْحَثُ عَنْهُ فَلا أَجِدَهُ مِنْ جَديدٍ وأَصْرِفُها مَرَّةً ثانِيَةً .. ضِحَكَ المَأْمُونُ مِنْ تَفْكيرِ الرَّجُلِ وسَأَلَهُ: ومَاذا كَانَ قَوْلَ القَاضي حِينَها؟ قَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ حَبَسَنِي يا أَميرُ المؤْمِنينِ إِثْنَي عَشْرَ يَوْمَاً حَتَّي أَسْتَرْجِعَ دراهِمَي .. فآزْدادَ المَأْمُونُ ضُحْكً وأَمَرَ بِتَقَصِّي حَقيقَةَ أَمْر هَذا القاضِي ثُمَّ عَزَلهُ……..

هذه الدُنيا أعزائي فيها الحُلْوُ وَالمُرُّ، فيها الصَّحُ والخطأُ فيها الظُلْمُ والعَدْلُ وفيها قِصَصٌ مُعَبِّرَةٌ وجَميلَةٌ فالأُمورُ إذًا مُتَنَوِّعَةٌ قد تَروقُ انا وَرُبَّما لا، لَكِنَّ الصَّبْرَ والعَقْلَ والحِكْمَةَ والتَّدَبُّرَ المَعْقُولِ خَيارٌ مَفْرُوضٌ عَليْنا! والسُّوأَلُ الَّذي يُطْرَحُ في هذهِ المُناسَبةِ يُحتِّمُ عَليْنا البَحْثَ والتَّحَقُّقَ، هَلْ كَانَت رَدَّةُ فِعْلِ المأْمُونِ عادِلةً أَمْ ……! وهَلْ كَانَ القاضِي قَدْ تَصرَّفَ كَما يَجِبُ! وغَيْرَ ذَلِكَ مَنْ تساؤلاتٍ نَستَمدُّ مِنْها أَحْوالَ الرَّاعيِّ والرَّعيةِ لأَنَّ المَنْطقَ يَسْتَوْجِبُ مِنَّا أنْ نَقْبلَ بالعَدْلِِ وَحْدِهِ وَنُتابعَ الأُمُورَ وَالأحْكامَ حَتَّى دِراسَتَها ثُمَّ نتخذُ موقفً!
وآعلموا إِنَّ المَسؤولِيةَ تَقَعُ على الجَميعِ!
حَتَّي يَظْهَر الحَقُّ ويَعْلو على الباطِلِ

 وَسَلامٌ عَليكُمْ بإِذْنِهِ وَمَشيئَتهِ تَعالَّى!