كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


في بلادنا العظيمة!

  • د. منعم حدّاد
بلادنا عظيمة، وليس فقط مقدسة، بل عظيمة أيضاً، عظيمة جدّاً، وتكاد تكون أعظم بلاد في الكون كله!
ومن "عظمتها" كونها "الديموقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، كما يقال عنها، وربما في غرب آسيا وشمال افريقيا وجنوب أوروبا، أو ربما في العالم كله، أيضاً، فهي من الدول القلائل التي تحكمها الديمقراطية الحقة الحقيقية... وهل أعظم من ذلك؟ أليست أعظم من العظمة نفسها؟
في بلادنا العظيمة يظهر "معلقون وخبراء" عظماء كثيرون على شاشات التلفزة وبمنتهى الوقاحة وقلة الأدب يسخرون من دكتاتورية الدول العربية، وآخرها الانتخابات الرئاسية السورية التي أسفرت عن فوز ساحق للرئيس بشار الأسد بنسبة خمسة وتسعين بالمئة من الأصوات...
ويظهر معلقون "خبراء في الشؤون العربية" وغير العربية ليسوا بأقل صلفاً ووقاحة ويسخرون من سكان غزة الذين يعانون الأمرّين من حكم حماس واستبداده وغطرسته...

وينسى كل هؤلاء أو يتناسون عن سبق العمد والإصرار والترصّد ما يجري في بلادنا العظيمة...
ففي ديموقراطيتنا الفذّة العظيمة تجري وخلال سنتين اثنتين فقط أربع جولات إنتخابية (ويمكن الخامسة على الطريق) ولا تسفر عن نتائج واضحة...
ويسيطر حزب الليكود على مقدرات الدولة دون أن يستطيع أحد إنقاذ الشعب من سيطرته، وسيطرته قد تكون في حال أسوأ مما في غزة كما يصفونها...
وكن ليكود – كما يقول بعض الظرفاء – واحصل على المطلوب والمنشود...
في بلادنا يعتدي رئيس الدولة على موظفات في ديوانه ويلقى عقابه ويقضي سنوات في غياهب السجون، لكن يبقى أكثر من وزير ومن مسؤول كبير حراً طليقاً رغم اعتدائه على الأعراض...

في بلادنا يحاكم وزير داخلية على اقترافه ما يوجب حبسه اثناء كونه وزيراً، ويزج به في غياهب السجون لسنين، ومن ثم يخرج من السجن ليعود ويشغل نفس المنصب الذي شغله سابقاً...دون طرفة عين...!
في بلادنا العظيمة يحصل حزب كاحول لاقان على أعلى عدد أعضاء برلمان لكنه لا ينجح بتشكيل الحكومة ويتحالف رئيسه وبعض أعضائه مع رئيس ثاني حزب ويشكلون حكومة...
يلتزم رئيس الحكومة ويتعهد بالتنازل عن رئاسة الحكومة وتسليمها لحليفه – رئيس الحكومة البديلل ثم لا يفي بوعده ولا بعهده...
في بلادنا العظيمة وفيها فقط دون دول العالم جميعها يحرض جميع قادتها وبدون استثناء تقريباً ضد عشرين بالمائة من سكانها دون أن ترف لهم عين أو أن يندى لهم جبين أو أن يخجلوا ويستحوا...وعلى مدار سنين طويلة...

وفي بلادنا العظيمة يستثني وبدون خجل رؤساء الأحزاب الذين يحاولون تشكيل الحكومات المختلفة يستثنون ممثلي عشرين بالمئة من سكان البلاد ويستبعدونهم من أي تشكيل حكومي مستقبلي، ولا يرف لهم جفن ولا تندى لهم عين، فيا للوقاحة!
وترى ماذا سيقول هؤلاء لو جرى على سبيل المثال استثناء واستبعاد مواطنين يهود في أي دولة من دول العالم من الاشتراك في الحكم؟ ألم يكونوا يقيمون القيامة ولا يقعدونها لأن عملاً كهذا يكون عنصرية ولا سامية وظلم وإجحاف وفصل عنصري وما إلى ذلك؟
أما هنا في بلادنا فهذا أمر مسموح به ومرحب به ويزاولونه صباح مساء وبدون خجل وحياء ولا أحد يرفع صوته أو يحرك ساكناً!

فيا للعيب ويا للعار!
دكتاتورية في سوريا؟
عنصرية في العراق؟
تمييز وإجحاف وفصل عنصري في جنوب أفريقيا؟
 أما هنا في بلادنا العظيمة فالعدل يسير في الطرقات والمساواة تملأها...

وعلى من لا يصدّق أن يتجول في الأحياء المختلفة التي في المدن المختلطة ليرى بأم عينه المساواة وتفضيل البعض على البعض، والتمييز للأفضل الذي ينعم به العرب في هذه البلاد العظيمة...
أو فليسأل سموطريتش وبن غفير وأمثالهما...
أما ما يؤدي ولو بشكل غير مباشر لتخريب العلاقات بين المواطنين في المدن المختلطة خاصة وفي البلاد عامة فهو الدلال الزائد للمواطنين للعرب ومطالبتهم الملحة في التمييز للأفضل والحصول على الحقوق التي تزيد على ما يحصل عليه جميع المواطنين، أي أنهم يطالبون بالدلال والأفضلية ويخلقون بذلك التوتر والضغائن والشغب...

في بلادنا العظيمة تحدث كارثة بسبب الإهمال يروح ضحيتها خمسة وأربعون شخصاً ولا أحد يجري اعتقاله، بينما في إيطاليا وغداة كارثة قطار هوائي يتم تشكيل لجنة تحقيق رسمية...وخلال أيام قليلة يعتقلون المتسببين في الكارثة ويقدمونهم للمحاكمة الأولية...
وفي بلادنا العظيمة يوجه أكثر من اتهام لرئيس الحكومة العظيم، فلا يستقيل ولا يعتزل ولا يعترف، بل يدحض وينكر ويتهم بتلفيق اتهامات كاذبة له، ويقال إنه يسعى لتغيير وزير القضاء وغيره لينجو من العقاب والمحاكمة...


ويتهم الشرطة والنيابة وكل من عداه بالتآمر عليه وتلفيق الاتهامات له...وكل من لا يؤيده من وسائل الإعلام يتهمه باليسارية...
ألم نقل إن بلادنا عظيمة؟؟؟