كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


بار يوحاي في البقيعة؟ وهم كاذب!

  • د. منعم حدّاد
ما زال الكثيرون ولغاية في نفس يعقوب يروجون لشائعة أو خرافة أن شمعون بار يوحاي اختبأ في مغارة في البقيعة هو وابنه مدة ثلاث عشرة سنة وكانا يأكلان من ثمار الخروب ويشربان من نبع الماء الذي في وسط القرية وأنه ألف كتاب الزوهر فيها...!

ويستغل الكثيرون هذه الفرية لتهويد البقيعة أو على الأقل لتثبيت الادعاء من أن البقيعة كانت يهودية على مر العصور!
وما أشبه هذه الخرافة بقصة الصديقين اللذين كانا يسيران في الطريق، يركبان حماريهما، فنفق أحد الحمارين، فحزن عليه صاحبه كثيراً، وعمد صاحبه ورفيقه إلى دفنه، وجلس صاحبه فوق قبره يبكيه ويرثيه!

ومر بالرجل قوم فرأوه ناحباً باكياً، فحسبوا أنه فقد قريباً عزيزاً لا حماراً، فتقدموا منه وقدموا له العزاء في الذي فقده، وقدموا له تبرعاً كريماً لإحياء ذكرى الراحل الكريم...

ضرب الرجل صاحب الحمار الميت أخماساً بأسداس، وقرر أن يلزم قبر الحمار، وصار كل من يمر في هذا الطريق يقوم بزيارة "الضريح" حاسباً أنه لرجل من أهل الخير والسيرة الحسنة، والرجل يوحي لهم بذلك!

ومرت السنون والرجل يرتزق مما يجود به الأكرمون عليه عند زيارة هذا القبر الذي أصبح مقدساً،...ومر به ذات يوم صديقه الذي كان يرافقه يوم دفنا الحمار، فقام صاحب الحمار إليه يعزيه ويواسيه ويطلب صدقة لذكرى الراحل الكريم...
  • فما كان من صاحبه إلا أن انتهره قائلاً:
ما هذا أيها الدجال الكاذب؟ ألم ندفن الحمار هنا معاً؟ فحتى عليّ تريد أن تحتال وتنصب؟
ومن يعتقد أن هذه مجرد أسطورة فليتفضل ويقرأ عن متسبيه هوشعيا وعما حدث فيه!
ففي شمالي متسبي هوشعيا يمر وادي / نهر الكهنة، حيث يوجد قبر الحاخام آسي،كما زعم مداعبة أحد سكان المتسبيه!

حيث نشر هذا الرجل أنه تم اكتشاف وادي / نهر الكهنة في شالي المتسبيه، وأنه عثر على ضريح الحاخام آسي في المكان، (وهو ي5صد في الحقيقة قبر كلبته لاسي التي قضت نحبها ودفنها في المتسبيه)!

ولم يمر وقت طويل حتى بدأت وفود الزوار تتوافد لزيارة القبر المقدس...بينما لا وجود لا لوادي الكهنة شمالي متسبيه هوشعيا ولا وجود لضريح الحاخام آسي، وأن كل ما في الأمر أن أحد سكان المتسبيه أراد الدعابة والمزاح، إذ لا وادي ولا ضريح وإنما هي مجرد دعابة ومزاح قام به هذا الشخص عندما نشر عن العثور على وادي الكهنة وقبر الحاخام آسي، وهو يقصد في الحقيقة قبر كلبته "لاسي" التي ماتت ودفنها في المكان، وسرعان ما انتشر الخبر وكأن الحاخام آسي إياه مدفون فعلاً في المكان...
  • ومن يشك في ذلك فليبحث عن متسبيه هوشعيا وقبر آسي فيه على الانترنيت...

وهذا يوصلنا بالطبع إلى أسطورة البقيعة اليهودية التي تزعم أن الحاخام شمعون بار يوحاي اختبأ في مغارة فيها هو وابنه 13 سنة يقتاتان بثمار الخروب ويشربان من ماء نبعها القراح، والتي يروج لها الكثيرون من اليهود وغر اليهود، وأن بار يوحاي هذا كتب كتاب الزوهر هنا...
ورغم كل الأبحاث الجادة التي قام بها يهود جادون فما زال البعض يزعم وعلى مبدأ عنزة ولو طارت إن البقيعة يهودية وأن بار يوحاي ألف الزوهر في مغارة الخروبة...
  • فهنيئا لك يا البقيعة بالزوهر وببار يوحاي وبالعنزة التي طارت...

ويدّعون أن سفر"الزوهر" كتب في البقيعة، وتؤكّد אנציקלופדיה להווי ומסורת ביהדות (" موسوعة التراث والتقاليد في اليهودية")،(ألجزء الأول،1975، الصفحتان 167 و 168) إنّ "الزوهر" اكتشفه في إسبانيا في القرن الثالث عشر איש המסתורין رجل الغموض(؟) موشيه دي ليؤون، وينسبونه إلى شمعون بار يوحاي، ويُعتَقَد أن دي ليؤون نفسه هو الذي ألّفه، ونسبه إلى بار يوحاي، والذي كان من بين مجدّدي السنهدرين في ... أوشا (لا في البقيعة)!

وتقول "الموسوعة العبرية" (المجلد السادس عشر) إنّ الإسباني موشيه بن شمطوب دي ليؤون (المتوفى عام 1305) هو الذي نشر "الزوهر" وأن زوجته وابنته صرّحتا أن دي ليؤون هو نفسه الذي ألفه ونسبه إلى بار يوحاي، وتضيف "الموسوعة" إياها أن بار يوحاي كان في "تقوع" وليس في البقيعة!
  • خسارة، راح سفر "الزوهر" على البقيعة...!
ولا بدّ في هذا المقام من استعراض - وباقتضاب - ما يقوله يوسف برسلافسكي، أحد كبار باحثي تاريخ هذه البلاد وجغرافيتها، عن البقيعة ويهوديتها، داحضاً الزعم الواهي من أنها يهودية منذ القدم.

فبرسلافسكي يتساءل غير مصدّق:"هل حقّاً بقي في "أرض إسرائيل" استيطان يهودي زراعي غير منقطع من القرون الأولى بعد خراب الهيكل حتى "بقيعين"؟ (ص. 155 من كتابه) رغم أن "بقيعين" ذكرت لأول مرة في العام 1522؟

ويضيف:"لم تصلنا أخبار عن قِدَمِ بقيعين، وللاستنتاج الذي توصّل إليه بن تسفي (القائل بيهودية البقيعة) والذي يؤكّد أنّ أمامنا مستوطنة لم تنقطع منذ أيام الهيكل الثاني، لا يوجد تأكيد تاريخي، بل على العكس، فإنّ عدّة أسباب وتعليلات تجعل هذا الاستنتاج مثار شكّ وشبهات"!
ثم يورد سبعة أسباب مفصّلة ترفض استنتاج بن تسفي وتدحضه، وتنفي وجود يهود في البقيعة قبل القرن السادس عشر، والأسباب هي:

لقد صدرت قبل القرن السادس عشر حوالي عشرة كراريس وكتب تتضمّن أسماء القرى اليهودية، والأماكن المقدسة التي كان يزورها اليهود في القرون الوسطى، ولم يُشِر أيّ من هذه المصادر لا إلى استيطان يهودي في "بقيعين" ولا لأي أثر يهودي فيها.

والقرن السادس عشر "أورث" لنا سبعة أو ثمانية كراريس وسجلات مفصلة للأماكن المقدسة (لليهود) في البلاد، وباستثناء رواية باسولا لم يذكر اليهود في البقيعة أيّ من هذه السجلات.

حتى يهود بقيعين - البقيعة أنفسهم ليسوا متأكدين ممّا يقولون ولا من صحّة روايتهم.
قبر الحاخام يوسي ديمن بقيعين موجود إلى جانب الطريق الواصل من صفد إلى الجشّ.

مغارة بار يوحاي تشير دائماً لأشجار الخروب القريبة منها، وفي القرن الحادي عشر لم تكن في المكان أشجار خروب ولا حتى مغارة (في كتاب"חברת ירושלים").

لا توجد إشارة للاسم بقيعين في القرن السادس عشر بل تذكر اسم البقيعة وليس بقيعين.
ثمّة من يقول إن يهود البقيعة هاجروا إليها من كفار حنانيا (لا من القدس).


ويخلص برسلافسكي إلى القول إنّ كلّ الأدلة تخالف أو تعارض الحلّ الذي يقول به بن تسفي، والمصادر التي من القرن السادس عشر وما بعده تثبت أن الرواية عن قبر الحاخام أوشعيا إيش طيريا ومغارة شمعون بار يوحاي وغيرهما نشأت حوالي القرن السادس عشر، لكنّهما لم تنتشرا حينها بين سكان البلاد ولم تتضمّنهما كراريس وسجلات القبور المقدسة في تلك الفترة، و"لا يمكن الإثبات أن بقيعين نفسها هي مكان استيطان يهودي قديم..."(ص. 175)
* * *

وهكذا يخيّب برسلافسكي آمال الذين يزعمون أنّ مغارة الحاخام شمعون بار يوحاي في البقيعة، ويقارن بين عدّة نسخ من المخطوطات ويستنتج أنّ الأسماء בקע פקע בקא פקיעין وشبيهاتها كلّها خاطئة، وأنّ الذي قرأ ואתבקע (انفجر،انبثق) أو سمعها، حرفها وربطها فوراً بالبقيعة أو بقيعين.(ص. 177)

والمغارة كانت موجودة في منطقة رمال منطقة رملية قريبة من شاطيء البحر، لا بين صخور البقيعة، ومن المرجّح في جنوب "أرض إسرائيل" (ص. 178).


ويلخّص بقوله إنّ الاسم בקע هو تحريف عن كلمة ואתבקע (ص. 179) وتسبّب في ظهور الأسماء الأخرى مثل פקא و פקע وسواهما، وأنّ مكان اختباء الحاخام شمعون لم يكن هنا أبداً وأنّ الرواية عن اسم بقيعين التي ظهرت لأول مرّة وليس بشكل كامل في القرن السادس عشر ليست بأقدم من هذا التاريخ، وبسبب التشابه في اللفظ بين פקע-בקע والبقيعة ربطوا بين هذه الأسماء، ونشأ الاسم بقيعين وانتشر لأوّل مرة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر!
* * *
هذا ما يقوله الباحث اليهودي الضليع برسلافسكي: البقيعة ليست بقيعين إيّاها، وبار يوحاي إيّاه لم يكن هنا يوماً، وإنّما بعيداً جدّاً عن البقيعة، قريباً من شاطئ البحر، في جنوب البلاد!

أضف إلى ذلك أنّ التلمود يذكر أنّهم راحوا يستقبلون الحاخام يوسي ديمن بقيعين بين يبنة واللد(!) وأن ثمّة أكثر من مكان يحمل اسم البقيعة.
ويعرف القاصي والداني ارتباط يهود البقيعة بشمال إفريقيا لغة ولهجة وعادات وتقاليد وأسماء وكنى، ممّا قد يشير إلى موطنهم الأصلي الذي جاؤوا منه بعد طرد اليهود من أسبانيا في العام 1492 وقدومهم إلى الإمبراطورية العثمانية ومحاولاتهم إقامة "إمارات" (أو "أوتونوميات") يهودية في منطقة طبريا وصفد بعد ذلك ببضعة عقود.

  • فهل بعد كل هذا نعتبر البقيعة يهودية ومن أقدم العصور؟

أم أن "عنزة" هؤلاء "الباحثين" ستظل "عنزة" حتى ولو تبين أنّها نسر وطار محلقاً في عنان السماء؟