كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


"تشفّع يا مار جريس"!

  • د. منعم حدّاد
نصلّي في عيدك أيّها البارّ: "بما انّك للمأسورين محرّر ومعتق وللفقراء والمساكين عاضد وناصر وللمرضى طبيب وشافٍ وعن الملوك مكافح ومحارب أيّها العظيم في الشهداء جوارجيوس اللابس الظفر، تشفّع إلى المسيح الإله في خلاص نفوسنا".
وبما أنّك للمأسورين محرّر ومعتق، أيّها القدّيس العظيم في الشهداء، أللابس الظفر، حرّرنا من أسرنا الذي طال مداه وامتّد أجله كثيراً جدّاً وأكثر مما تتحمل خطايا وذنوب وآثام الذين كانوا قائمين على شؤوننا من قبل أن نقع في الأسر من عقاب!
فأسرنا أطول أمداً من السبي البابلي ومن كلّ سبي حدث على مرّ التاريخ، وعذابنا مرّ ومؤلم وله أوّل ولا يبدو له آخر!
أطلق سراحنا من القيود التي ألقيت قسراً على زنود سابقينا حتى دون أن يدركوا حدوثها وإنما تغلغلت في النفوس كالنعاس أو كالمرض الخبيث وها نحن ما زلنا نعاني منها!
يقول الكتاب المقدس إنّ الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون، ونقسم لك أيها العظيم أن آباءنا لم يذوقوا ولو حبّة حصرم واحدة، فلماذا هذا الضرس إذن؟

وفي "الوصايا العشر" أن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء حتى في الجيل الثالث والرابع من مبغضيه إذا سجدوا لسواه أو عبدوا سواه!
وها نحن نقسم أيها الشفيع العظيم أن أجدادنا وأجداد أجدادنا لم يسجدوا يوماً لغير الله ولم يعبدوا سواه قطّ، لذا فنحن نجهل سبب هذا العقاب الشديد الذي أُنزل علينا وتمّ تسليمنا إلى من لا يطيقون حتى سماع اسمنا!
وها قد تحرّرت كلّ دول الدنيا التي كانت مستعمرة ذات يوم وتحررت كلّ شعوب الأرض وكلّ مجتمعات المسكونة تقريباً وحطّمت قيود الأسر وأغلال الاستعباد فحّررنا نحن أيضاً يا ما جريس، حررنا من أولئك الأغراب الذين صادروا حتى اسمك الشرقي الصريح المقدّس العظيم، وتسلطوا علينا وعلى مقدراتنا وحتى على كنائسنا وأوقافنا وأمور حيانا الشخصية ظلماً وعدواناً وبخيانة بعض أدعياء مصالحنا، من المتآمرين مع الغريب ضد القريب، فأنت شفيعنا وحدك ولا شفيع لنا غيرك ولا سواك!

واعتقنا نحن المأسورين من أسرنا وأطلقنا ن عقالنا الخياني تشفّع لفكّ وثاقنا الذي يحزّ معاصمنا وأجسادنا ويكاد يطال منّا القلوب والاحشاء والأرواح والمهج، أعتقنا مما نحن فيه كما أُعتق شعب كامل وأُخرج من أرض مصر من بيت عبودية فرعون وأطلقنا من ربقة آسرينا الغرباء كما أُطلق ذلك الشعب إلى الحرّية!
واعضدنا وناصرنا وانصرنا أيها الشهيد العظيم، وأعتقنا مما نحن فيه، نحن الفقراء إلى عطفك وشفاعتك ومجدك وصولتك وجولتك، لكي نحاول أن نستعيد ولو جزءأً يسيراً مما كان لسابقينا ولأهلنا إلينا بعد أن تنازلوا عنه لأشرف غاية ولأنبل قصد فسيطر عليه كما سيطر على سواه نفر ممن هم ليسوا على حقّ ولا على خلقٍ كريم أبداً ولا تربطهم بنا أية روابط، بل استبدّوا وسيطروا وسلبوا ونهبوا ما أورثه إياه أجدادنا لنا وليس لسوانا، وراح سوانا يتصرّف فيه على هواه ولمصلحته وأنانيته!

وساعدنا أيها القديس الشهيد الصالح لنحصل ولو على جزء يسير جدّاً من حقوقنا المهضومة التي طارت من بين أيدينا بموافقة كثيرين من الذين يدّعون تمثيلنا ويزعمون أنهم "يمونون" علينا ونحن لا ندري بهم ولا بوجودهم ولم يفوّضهم أحد بذلك فيما نعلم بل انتحلوا هذه الصفة انتحالاً!
وساعدنا أيضاً لنتخلّص من استبدادهم هم أيضاً لأنه راحوا يعتبرون أنفسهم ممثلين لأسيادهم الذين يذيقونهم أسوأ أنواع الذلّ والهوان وهم يعتبرونها دلالاً وإكباراً وإجلالاً!
وأعد إلينا أولئك الذين فقدوا صوابهم من بيننا، أعدهم إلى صوابهم أولاً وإلى رشدهم ثانياً وأنر عقولهم ثالثاً ثم أعدهم إلينا فنحن لا نريدهم بعيدين عنّا ولا نفرّط بهم ولن نستغني عنهم أبد الدهر مهما ابتعدوا عنّا ومهما شطّ بهم المزار!
واشفِ، أيّها الطبيب الشافي، مرضانا واقضِ على أمراضنا الخبيثة المزمنة التي طال أمدها وفتكت بالكثيرين منّا، بحيث بلغ هؤلاء أضعاف ما تبقى منّا من الأصحّاء، اشفِهِم أيّها الشافي، واقض على الأوبئة المستفحلة والمستشرية التي تمزّق الأرواح قبل الأجساد وتعيث فيها الفساد والخطيئة والشرور، المنبعثة من الرؤوس الآسنة النافثة حقداً وسمّاً وبغضاء!

وكافح عنّا حيث لا ملوك لنا أيّها الشفيع، وحارب أيّها العظيم في الشهداء من أجلنا ومن أجل نفوسنا، كافح ضدّ الأنانية والحسد والحقد والدسّ والنميمة والغرور والتشرذم والتمزّق والاستعداء، وحارب أيّها البارّ، حارب من أجل نشر المحبّة والسلام والوئام والأخوّة الحقيقية الصادقة بين ظهرانينا نحن وبيننا وبين جميع العقائد والديانات والأمم والشعوب!
وتشفّع، أيها اللابس الظفر، إلى المسيح الإله لكي يدلّنا على طريق الخير والبرّ والإحسان والفضيلة والإيمان والتسامح والمحبّة، لكي نقترب من الوضع الذي نصبح فيه من الذين يستحقّون ولو جزءاً صغيراً لا يرى بالعين المجردة من الانتماء إلى رسالته السماوية العظيمة، والانضواء تحت لوائه المقدّس!
تشفّع، أيّها اللابس الظفر، من أجل نفوسنا المعذّبة لكي تهنأ بالسعادة وتسعد بالطمأنينة التي يسبغها الإيمان على طالبيه والباحثين عنه!
وتشفّع أيها الشهيد العظيم فينا وامنحنا من لدنك مَن يستطيع أن يحمل اسمك بحقّ وحقيق وأن يصون الأمانة وأن يحفظ الصخرة التي بنيت عليها الكنيسة لا أن يحوّلها إلى ألواح مرمر ورخام وغرانيت!


وامنحنا مَن تؤهّله أنت ليحمل اسم السيّد له المجد، أو مَن ينفض غبار الزمن المتراكم عن إيقوناتك المقدسة وإيقونات سابقيك من القدّيسين!
ونعاهدك أيّها الحيّ أن نبقى على العهد ما دام الدم يجري في عروقنا وأن نسعى لاستعادة ماضيك المجيد، ولكي لا يذهب دمك الزكي الطاهر المقدس ودم القديسين الشهداء الأبرار سدى وهدراً ولكي لا يباع ولا يشترى في أسواق المال ولا في المزاد العلني ولا في صفقة ظلامية لا يدري بها أحد!
 وكلّ عام والجميع بألف خير!