كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

الإِيمانُ بالذاتِ سِرُّ نَجاحِنا وَسِرُّ نَجاحُ الشُّعوبِ!


السِّلْمُ والسَّلامُ عَليكُمْ وَرَحمةُ اللهِ وَبَركاتُهُ!

إخْوَتي الأحباءُ, بِحالِ نَبْغِي التَّحَقُقَ مِنْ شَيْءٍ ما وَتَقييمَهُ، مَفْروضً عَلَينا أَنْ نَأخُذَ بالِحُسْبانِ الجانِبَ الإيجابِيِّ والسَلْبِيِّ فِي كُلِّ أَمْرٍ، هكذا نَخْطُوا لِنَفهَمَ بِشَكلٍ مُلائِمٍ وَنَتَعامَلَ مَعَهُ بِصورَةٍ جيدةٍ، فَلا نُنْقِصُ مِنْ كَفَّةِ المِيزانِ مَا يَجِبُ أَنْ تَحْوِيَهُ، وَهَا نَحنُ في شَهْرٍ، يَوْمٌ فيهِ خَيْرٌ مِنْ ألف شَهْرٍ، والتَقرُّبُ من اللهِ يُنَزِّلُ المَلائكةَ وتَفْتَّحُ أبوابَ الجِنانِ وتُغَلَِّقُ أبوابَ جَهنَّمِ وتُسلْسلُ الشَّياطِين، رَحْمةً مِنَ اللهِ تَهْييِئَاً لِلأَجْواءِ وَزيادةً من حَسَناتِنا وأعمالَنا الخَيِّرَةِ وَشُعورنا المُتَبادَلِ بالحُبِّ والعطاءِ والتَّضْحِيَةِ.

أخوَتي بِاللهِ كُلُّكُم عايَشَ مِراراً هذا الشَّهرَ، وكُلكُم تعلمونَ كَم مِنْ تائبٌ يَعُودُ وَيحنُ إلى اللهِ، وَكُلُّنا إِنْسانٌ أخطأ وتَراجَعَ وَتابَ بفَضلِ هَذا الشَّهْرِ.
وَيا حبَّذا أيُّها الأُخوةِ المرَّةَ لَوْ نبدأُ بجَديَّةٍ ونتَمسَّكُ على الدَّوامِ بِمَا نَقْرأُ وتسْمَعُ الأُذُنُ، فَنبَْقَى عَلىَ هذا العَهدِ طِوالَ سنينِ الحَُياةِِ، ....

وَأوْضاعُنا أَعزَّائي والحَمْدُ للهِ، والأحْوالُ الَّتي نَمُرُ اليومَ، لَيْسَتْ بَعيدَةً عَنْ الحاجَةِ المُلِّحَةِ لِلْفَحْصِ والمُحاسَبةِ بِحَالِ أرَدنْا أَنْ نَعِيَ بِشَكلٍ جَيدٍ مَا يُنَبِّهُنا ويُطْلِعُنا عََّما يَدُورُ حَوْلَنا، أمَّا أنا شَخصيَّاً فَنَظَرتِي مَا دامَتُ الخَيْرَ باقيًّ فِينا وَسَيبقَى في أمَّةِ مُحمدٍ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إلى مَا يَشاءُ اللهُ، وَأقُولُ كَذَلكَ؛ مَا زِلْنا نَحنُ الأَقْوِياءَ وَالعُقَلاءَ بِتَمَسُّكِنا بِدينِنا، لَنا أصُولٌ وتاريخٌ، مِنَّا رِجالٌ قَوَّامُينَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَصْنَعُ التَّاريخَ، وأخَرُونَ صامِدين عَلىَ الحَقِّ ثابِتِينَ، لا يَضْعَفُونَ، وَكُلَّما شَعَرُوا بالتَحَدِّي يَقْوُون، وإذا مَسَّى أَحَدٌ قِيَمَهُم وَمَبداءَهُم ثارُوا وَزأرُوا وأنْقَضُّوا كالأُسُودِ، لا يَهابُونَ المَوْتَ وَهُمْ لَهُ مُسْتَعِدِّين، كَلِمَةٌ واحِدَةٌ قَدْ تَحْسِمُ مَصيرَهُم، وَكلامٌ مِنْهُم يُذِلُّ وَيَقْهَرُ الأَعْداءَ وَيَجعلُهُم يَتَخبَّطُوا ويُجَنُّوا وَيَثُوروا بِدُونِ تَفْكِيرٍ، فَكَيفَ لاَ نَكُونُ عَلىَ الثَّباتِ ونَصُومُ رمضانَ ونَقرأُ القُرءَانَ وَنُطيعُ اللهَ ونَتَحَدَّ الشَّهَواتِ وَشَياطين الجِنِّ والإنسِ.

نَحْنُ الشَّعْبُ إخوتي، والشَّعبُ لا يَمُوتُ، نَحْنُ الأَمَلُ، والأَمَلُ سِلاحٌ، لا سِلاحٌ بَعْدَهُ ولا قبلَهُ يُفْرِحُ وَيُطَمْئِنُ القُلُوبَ، نَحْنُ الصُّمُودُ والقُوَّةُ، لاَ تَراجعُ عِنْدَنا وللهِ نَحْنُ قانِتين، لا نَقْبَلُ الذُّلَ ولا الإهانَةَ وَإلى اللهِ نَلْجَأُ مُتَوَسِّلِينَ مُسْتَعينينَ تائِبين.
إخْوَتي بِاللهِ إنَّ الأمواجَ تَرْفَعُ وَتُنَزِّلُ، تُلاطِفُ وتَضْرِبُ، تُراقِصُ وَتْغْدُرُ، هَكذا هِيَ الحَياةُ تَقْرُبُ تارَةً مِنَّا وَتهْجُرُنا مَرَّةً أخْرى، بَعْدَ حِينٍ، كأنَّنا الأعْداءُ وَالخُصومُ.

واليومَ أخوَتي، وكُلَّ يَوْمٍ تتَجاذَبُني أفْكارٌ مُحيِّرَةً يَمينَاً وَشِمالاً لَكِنِّي أَهْمِسُ؛ يَا قَلْبُ تَوكَّلْ، اِقْوَ يا عقلُ عَلَيها هَذا مِنْ شِيَمِ المُؤْمنينِ، .... فَنَحنُ عَلىَ اللهِ مُتَوكِّلين لا يَائِسُين، وَإلى الأَمامِ نَخْطُ مَهْمَا صَعُبَتْ، ومَهْمَا طالَتْ وَبَعُدَتْ الاِحتِمالاتُ وَقَلَّتْ، وكانَتْ شيءً مَيْؤُسً مِنَ التَحْقيقِ.
فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيامِ أيُّها الناسُ قالَ الشَّاعِرُ ابُو الطَّيبِ المُتَنَبِّي: ....

إذا رأيتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بارِزَةً
                                      
فَلا تَظُنَنَّ أنَّ الليثَ يَبتَسمُ

إخْوَتي، لا التشاؤُم ولا الضَعْفُ أوْ اليأسُ أوْعَزَني أَنْ أَخُطَّ مَا كَتَبْتُ، ولَكِنَّ التَمَلُّقَ المُنْتشِرُ وَالخَوفَ عَلىَ مَصِيرِ أُمَّتِنا وَما يَنْتابِنا مِنْ رِياحٍ عاتِيةٍ كَانَ مُحَرَّكِي فَلا يَغُرَنَّنا الكَلامُ المَعْسُولِ، وَاللهُ يَقُولُ يَعجِبُكَ قَولُهُم في الحَياةِ الدنيا وَهُمْ ألَدُّ الخِصامِ، ...... فلا تلومون على ما ذُكِرَ وأسألُ مَعَكُم: هَلْ تَعُودُ الأَمانَةُ بأيْدي أمِينَةٍ؟

سألْتُ مَسْؤولاً في البلدِ، فأجابَنِي: ..... "إِنْ شاءَ اللهُ، أرْجُو أَنْ تَكُونَ كَذلكَ، وَعَليْكَ أَنْ تَحْكُمَ عَلىَ الأمورِ بِنِهايَاتِها ولا تُصَدِّقَ إنَّ العَسَلَ عَسَلٌ إلاَّ إذًا جَربْتَهُ".
 كَلامُهُ كَانَتْ فِيهِ الحِكْمةُ والدُبْلُوماسِيَّةُ جَعَلَني أَخيراً أحِسُّ أنَّني أَسِيرُ في الطَّريقِ الصَّحيحِ، وَمِنْ واجِبِنا أَنْ نَكُونَ دائِماً واقِعِيَّين مُتَعَقِّلين واعِيين مُتَنَبِّهين لِما يَجْري مِنْ حَولِ، وَرَغْمَ الشُّعُورُ الَّذِي يُلاحِقُنا، عَلَينا في كُلِّ الأَحْوالِ أَنْ نَستَمِرَّ وَنَعمَلَ، وَالطَّرِيقُ أمامَنا طَويلَةً لِنَصْمُدَ وَنُعيدَ العزَّةَ وَالعِبْرَةَ لَنا كَما نَسْتَحِقَّ، ..... أُمَّةٌ تُريدُ الكَرامَةَ لأبْنائِها وَحَياةً تُمْلِيءُ القَلْبَ راحَةً وَتَقهَرُ المُترَبِّصينَ، وَالتَربِيَةُ وَالعِلْمُ والثَّقافَةُ مِشْوارٌ كما تَعلَمُون لاَ يَخْلُ مِنَ الكَبَواتِ، لَكِنَّنا بِحاجَةٍ ماسَّةٍ أنْ نَثْقَفَ دِينَِنا قَبْلَ كُلَّ شَيءٍ، فَالإسلامُ هُوَ العِلْمُ والتَّرْبيَةُ والأَخْلاقُ والثَّقافَةُ، وَكُلَّ مَا نَحْتاجُ لِنَنْجَحَ وَنَعيشَ حَياةً مُرفَّهَةً هَنيئَةً بِها نَحنُ قَنُوعينَ، وإذا حَدَثَ وَفَشِلْنا مَرَّةً أوْ أَزْيَدَ، نُباشِرُ مِنْ جَديدٍ وَنَسْتَمِرُّ بأمَلٍ لا يَشُوبُهُ إلاَّ العَزِيمَةَ والثَّباتَ، وَلنا المثلُ القائِلُ بِحِكمَةٍ؛
"لَا تَيْأَسَنَّ اذا كَبَوْتُم مَرَّةً إِنْ النّجَاحَ حَلِيف كُلِ مُثَابِرٍ".

وقال الشَّاعِرُ:
سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِـلاً
                                      
ويَأْتِيْـكَ بِالأَخْبَـارِ مَنْ لَمْ تُـزَوِّدِ


فَكُلَّ يوم أعِزائِي نُواجِهُ أمورَاً مختلِفَةً، قَديمَةَ وأُخْرَى جَديدَةَ، والسُّؤالُ، هلَ نَتسرَّعُ بردَّةِ الفِعْلِ أَمْ نَتروَّى وَنُحكِّمُ عَقْلَنا وَنَبحَثُ عَنْ شَتَّى الحُلُولِ! والمهمُ أنْ لا نَنْسى أنَّ التَواضُعَ وآستكانةَ النُّفُوسِ هوَ المَطْلوبِ،

وقَالَ الشاعرُ:

لَعَمرُكَ ما الأَيامُ إِلّا مُعارَةٌ
                                  فَما اِسطَعتَ مِن مَعروفِها فَتَزَوَّدِ
عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَلْ عَن قَرينَهُ
                                         فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي

وَنُذَكِّرُ بالعبَرِ هُنا، ...... سَلْ عَنْ الأَصْدقاء حَتَّى تَعْرِفَ أَكْثرَ عن الرَّجُلِ والشَّابِ الَّذي تُريدُ أخبارً عن أخْلاقِهِ وأحْوالِهِ!

وَقيلَ:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
                                      ففيه دليلٌ عنه بالطبع تهتدي
ولا بدع في وفق الطباع إذا اقتدت
                                          فكلّ قرينٍ بالمقارن يقتدي
وإن تصطحب قوماً فصاحب خيارهم
                                لتصبح في ثوب الكمالات مرتدي
وجانب قرين السوء يا صاح صحبةً
                            ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي


أيُّها الشَّعبُ لُغَتُنا وَحَضارَتُنا كَنْزٌ أصيلٌ واسعٌ جِدَاً، لا يَنقُصُنا لِصِيانَتِهِ والحِفاظِ عَلَيهِ إلاَّ أَنْ نَكُونَ مَنْ يَحْتَرِمُ نَفْسَهُ وَيَسعَى وَيكِدُّ لِمَصلَحَةِ شعبهِ وَأهْلِهِ، ولنعلم أنَّ الشَّهَواتِ وَالغَرائزُ الطَّائِشَةِ الصُّبْيانِيَّةِ الغَيْرِ مَسْؤْولَةٍ، هِيَ سَبَبُ دَمارِنا وَهُبوطِ مُستَوَياتُنا بِبَعْضِ الأمورِ إلىَ مَا لا يَقْبَلُهُ عاقلٌ وَلاَ يَتَمَنَّاهُ مَخْلوقٌ .
أَسأَلُ اللهُ أَنْ يُوفِّقَنا بِصَلاحِ أعْمالِنا وَيمِدَّنا بِالحِكْمَةِ والصِّحةِ لِنُقاوِمَ أَوْلاً أنْفُسَنا ونَهتَدِي وَنَرشُدَ دِينِنا!

السَّلامُ عَلَيْكمْ وعَلَينا، وَرَحَمَنا وإيَّاكُم اللهُ!